القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي - العراق - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

لست معتادة فقد ابتلعت الحزن سواد حتى بات جلدي، تقريع وتجريح لا لشيء سوى أني أرملة نزق الموت زوجها فستباح حياته موعده دون تأخير، الغريب في الأمر أنه كان زوجا على ورق فبعد عودته من جبهة القتال في اجازة لمدة ثلاث أيام كانت الأسرع في إعتصار الزمن ليكون خاطبا وزوجا بعدها إلتحق حيث مكانه، عرفته وديعا رجلا بمعنى الكلمة احببته مذ كان يلاحقني ويتوقف على ناصية الشارع حيث أمر كعادتي من مدرستس التي أحب، هو أكبر مني بعدة سنوات غير أني لا أبالي بذلك فقد كان يملأ نفسي واوداجي احرارا حين ألتقيه، أما قلبي فلا استطيع وصف خفقانه حتى في بعض المرات امسك بحقيبة كتبي وأضعها عليه خوف ان يسمع ضرباته المدوية فتفضحني، قنعت به رغم أن والدتي لم تقبل به زوجا لحالته المادية، غير أن والدي أحبه ايضا وخبره فوافق.. ذلك من سنين خلت بعيدة بعض الشيء أما الآن فأنا موظفة وهو عسكري في الجيش كنت سعيدة جدا رغم غمامة الموت تلك والقطع السوداء التي غطت جدران بيوتات منطقتنا حتى لا يكاد جدار لم يكتسي السواد، وإن كان فارغا يغار ويندب حظه التعس على عدم أسوته ببقية الجدران، كنت اضحك حين تقول لي والدتي ستترملين قبل أوانك إن حياته معرضة للخطر في كل لحظة ستسمعين عنه وتلومين نفسك على ما فعلتِ، لقد كانت تزرع الخوف والهواجس في باطن عقلي حتى صرت أكره اي وسيلة اتصال او سؤال عني وعنه، فحذفتها من قاموس حياتي غير أن السنة وعيون أباحت بما لا أحب.. كان ذلك حين عودتي من عملي شاهدت العديدي من المركبات قد تجمهرت الى جانب الناس قرب دار زوجي.. ياإلهي نعش ملفوف بعلم!!! صراخ ولطم على الخدود، رجال ونساء تبكي، دون وعي اخترقت الجميع حيث النعش المسجى أمام الدار، انظر الى الوجوه الباكية والى تلك التي هلعت وتريثت ردة فعلي متسائلين ترى كيف تكون؟؟ لا أدري رميت بنفسي على النعش رفعت العلم من عليه، أمسكت بحوافه كان لا زال مغطى بدمه غير أنه بضعة أشلاء اذهلني منظره!!! لم اعي نفسي بعدها إلا وأنا على سرير في المستشفى والى جواري والدتي التي تبكيني... أمسكت بيدها وعصرتها لقد حدث ما كنت تتنبئين عنه ها هو قد مات رحل دون عوده، ساقني الى الخوف البعيد، شجب حياتي بعنوان أرملة، أحاطني بعيون غادرة ستلتهم عنواني قبل جسدي، ستنالني الألسن  الغبية بعبارات الشماته والرياء سيعتدون على سمعتي بحديث النسوة والفتيات قبل الرجال، وساوس شياطين ما بين أختلى بها قبل ذهابه وفض بكارتها، إنها غير باكر، وغيرهم يقول لقد رأيتهم في وضع لا يحسدان عليه، وحاقد يكرهه يقول إنها نحس عليه ما أن تزوجها حتى أخذت روحه وحياته.. أي عنوان شؤوم تكون هذه الفتاة، سأكون مثل البيت الوقف يا أمي، أتراني قتلت حياتي وأنهيتها حين وافقت علي الارتباط به؟! أظنك تسخرين مني وتحزنين لحالي في نفس الوقت؟ اليس كذلك؟؟ لا عليك أمي لقد كنت اعلم جيدا أن حياتي ستكون على كف شيطان، فالحروب أخذت ما اخذت من زينة شباب هذا الوطن ورجاله وحتى فتياته ونساءه، سأوعز الى الله ان يهرق الكثير قربان زناة عصر جاؤوا وتوسدوا سدة الحكم بدين اعمش، رسالات جديدة حفروها بمسميات كالرسالة المحمدية، خاطوا بمقدرات وأعمار شعب يستهلك ثلثي طاقته على عبارة هيهات منا الذلة، ثم يعاقب نفسه كون خذلها خشية التضحية، الغريب أنه يستميت في الدفاع عنهم ظنا انهم يخشون ضياع الوطن، ثم يتغافل أنهم هم من يخططون لإغتياله في كل يوم ألف مرة ومرة... حتى صارت حكايته سمجة ومملة، لم يعد يستسيغها الشعب، ترك حبل قضيته على الغارب، فتاه في جيوب كتل واحزاب، ارتقى سلم الجهل بالسواد، وقف يستمع الى خطب الراوي تلك التي تشرخت من كثرة تردادها بل تحول الى طبال وزامر، ملايين منهم جعلوها وسيلة تسوق بدعوة وجع أزلي، الاغرب أنهم لا يتقنون سوى فن الحديث أو الخطابة، والادهى من يقف كربوت مبرمج يمكنه ان يبكي شهورا وايام وسنين وهو يعلم أن بكائه لا يغير شيئا بل يقوده حيث محرقة الحروب، مسميات دولة خلافة، دولة مذاهب، إرهاب، تفخيخ، عبوات ناسفة، ذبح وقتل بأسم الاسلام والدين... ياللعجب!!! أي اسلام ودين جاء به الرسول كي تعمدوا الى اسقاط حجة العدل والسلام والطمأنينة، لو كان هذا هو الاسلام لما انزله الله وجعله دينا حق، ولما كان هناك أجر او ثواب.. بل عقاب صريح، لقد جننت يا حبيبي لا شك سأتحول الى حطام وبعده الى ركام او مرض معدي، كوني أرملة، تستدل عوالق المجتمع على رائحة المسمى ستعمل محاولة الاقتراب مني لنيل رجولته مخصية مقدما، لقد اخصت السلطة والدين كل الرجال فباتوا مجرد عوامل مركونه همها النوح والبكاء، ادوات احتياطية لشخوص تبرثنوا كالوباء السرطاني، كثيرا  ماذا اقول يا حبيبي وأنا اراك لا تستوعب ما أحدثك به... أو ربما فهمت بغريزة المحب المتوفى النكبة التي اقصد... إن الجهل هو وسيلة الارباب التي تبسط عبارات عبادتها اوثان آدمية لا شك ستعيد نفسها وتدخل الانسان البسيط ليحترق كالنبي ابراهيم ستلملم له الحطب من كل صوب، ربما لا تفلح بحرقه، أو ربما يشبه لها انه احترق بعد ان يحجب الله عنه النار ثم يرفعه إليه كما فعل مع النبي عيسى المصلوب، رحت شهيدا حبيبي، سيكتب عنوان جديد في بطاقتي مسمى أرملة ، يا لضيمي وسواد حياتي سابكيك سنوات سيركنني الزمن بسببك، سيتتهك الناس خدري بعيونهم وألسنتهم.. يرافقني جهل الذين لا ينفكون يكتبون عناوين ذلهم بطولات خارقة، ضاع كل شيء أنا وانت والوطن، لا اطيل عليك حبيبي لعلك فهمت ما اعني، وأظنني اكتفي بهذا القدر من الحديث فوق قبرك.