يمينة حمدي - " وكالة أخبار المرأة "

ينتاب النساء شعور داخلي بالذنب أكثر من الرجال بثلاثة أضعاف، مهما كان الدافع إلى ذلك صغيرا أو كبيرا، وهذا الشعور يدفعهن إلى جلد أنفسهن ومحاسبتها حسابا عسيرا، حتى وإن كان ذلك دون سبب يستدعي الإحساس بالذنب، وإن عجزن عن كبح جماح تلك المشاعر السلبية، فإنها يمكن أن تؤثر على مجرى حياتهن المهنية والأسرية والاجتماعية وتقودهن إلى وضعيات نفسية خطيرة.
على سبيل المثال، إذا ما انشغلت المرأة في العمل ولم تتمكن من الطبخ لأفراد أسرتها أو الجلوس معهم لفترة كافية أو المذاكرة لأبنائها، ينتابها شعور كبير بالذنب، وإذا ما قورنت مع زوجها فإنه قد لا يشغله البتة أمر الطبخ، وقد يكون التأخير في العمل من الأمور المعتادة بالنسبة إليه، وكذلك قد لا يهتم لمسؤولية تربية الأبناء والإشراف على دراستهم التي توكل في الغالب لزوجته. البعض من النساء يعشن تجربة الإحساس بالذنب بسبب الشعور بالتقصير تجاه الأسرة، ومعها يشعرن أن على عاتقهن مسؤولية العمل أكثر من أجل تحسين دخل العائلة، ما يجعلهن في معظم الأحيان عاجزات عن السيطرة على جميع الأمور، فتغمرهن الضغوط والتوترات، وهذه الاضطرابات يتعدى أثرها أحيانا مجرد الشعور بالتقصير إلى ما هو أخطر من ذلك.
وبحسب ما قالت الكاتبة أوليفيا ريمز، فإن هذه الفجوة في الإحساس بالذنب، قد تكون ناتجة عن الاختلافات في كيمياء الدماغ والتقلبات الهرمونية بين الجنسين، ولكنها قد تعود أيضا إلى الطرق المختلفة التي يتعامل بها الرجال والنساء مع ضغوط الحياة اليومية.
وقد أرجع علماء الأعصاب ضعف قدرة المرأة على تحمل ظروف الضغط والإجهاد إلى أسباب تتعلق بطبيعة تركيبها الجسماني، لكن من الواضح أن شعور المرأة بالذنب ليس مجرد اضطراب نفسي وقتي، بل هو عميق الجذور ومرده الضغوط الكثيرة التي تمتد إلى مراحل مبكرة من عمر المرأة، وفق ما أكد مؤسس علم التحليل النفسي النمساوي سيغموند فرويد بقوله “الشخصيات القلقة تتشكل منذ الطفولة”.
وتعد البيئة الأسرية والاجتماعية من المُؤثّرات التي تترك أثرها الواضح على الفرد، سواء من خلال التصرفات أو الأفكار المختلفة، ومن بينها الإحساس بالذنب الذي يقوى خلال مرحلة الطفولة، ودافعه التفريق بين الخطأ والصواب، ويكون ناتجا عما يغرسه الآباء في أبنائهم من قيم ومبادئ أخلاقية واجتماعية، لكن المرأة حينما تربى بطريقة مختلفة عن الرجل، وتفرض عليها أدوار نمطية معينة منذ الصغر، فإن ذلك يضع على عاتقها مهاما معينة وتضحيات ليس من السهل عليها التنصل منها. حتى وإن احتلت مركزا مرموقا في العمل مثل الرجل، فسيبقى لديها شعور داخلي بالقلق يدفعها إلى الإحساس بالتقصير سواء في حق الآباء المسنين أو الأبناء والشريك إذا كانت متزوجة، وكل هذا يجعلها متوترة وتفكر باستمرار في البحث عن سبيل للتوفيق بين المهام العائلية والمسؤولية المهنية، ما يحرمها من التوقف لحظة للاستمتاع بما حققته من نجاح في حياتها، بل تنشغل بالتفكير في ما هو أكبر من طاقتها، حتى لكأنها تحاول أن تتقمص شخصية هيرقل العظيم في معركتها اليومية مع أدوارها المتعددة.
ويبدو أن شعور النساء بالذنب يصل إلى أعلى مستوياته في البلدان العربية والفقيرة، حيث تجد المرأة نفسها عاجزة عن التنصل من دور ربة المنزل وأيضا مطالبة بالعمل لمساعدة الزوج على توفير لقمة العيش، لكن الأسوأ من هذا كله الطريقة التي يتجاوب بها المجتمع مع كل ما تقوم به من مهام، فرغم ما تبذله من مجهودات جبارة في سبيل رعاية الأسرة في البيت والعمل خارجا، فإنها تتهم في الغالب بالتقصير ولا تنال سوى تقييمات تنطوي على الكثير من التمييز والإجحاف بحقها. وهذا يزيد من الشعور بالذنب وعدم القدرة على السيطرة على الأفكار السلبية، فتكثر بداخلها الوساوس والمخاوف ويتملكها الشعور بالإحباط، ويصل بها الأمر في بعض الأحيان إلى حالة مرضية مزمنة تقود إلى الموت البطيء.
لذا، يجب على كل امرأة أن تتعلم كيف تُسكت ذلك القرصان داخل رأسها إذا بدأ في تغذية الأفكار السلبية واتهمها بالتقصير، ويكمن مفتاح الحل في تحرير عقلها مما ترسخ فيه من رواسب وتوقعات غير واقعية، فمهما فعلت لن تكون امرأة خارقة لتحقق المستحيلات.