الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة- خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

الجرن : في الأصل تطلق على الوعاء ، فالجِرانُ: باطن العُنُق، وقيل: مُقدَّم العنق من مذبح البعير إلى منحره، فإذا برَك البعيرُ ومدّ عنُقَه على الأَرض قيل : أَلقى جِرانَه بالأَرض. وفي حديث الصديقة عائشة عليها السلام ، ورضي الله عنهـا : "حتى ضرَب الحقُّ بجِرانِه"، أَرادت أَن الحقَّ استقام وقَرَّ في قَراره، كما أَن البعير إذا بَرَك واستراح مدّ جِرانَه على الأَرض أَي عُنُقَه. وقال الجوهري(صاحب الصحاح) : جِرانُ البعير مقدَّم عُنقه من مذبحه إلى منحره، وكذلك من الفرس.
وفي حديث الهجرة : أَن ناقتَه، عليه السلام، تَلَحْلحَتْ عند بيت أَبي أَيوب وأَرْزَمتْ ووَضَعتْ جِرانَها؛ الجِران: باطن العُنق. وقال اللحياني (1) : أَلقى فلانٌ على فلان أَجْرانه وأَجرامَه وشَراشِره، الواحد جِرْمٌ وجِرْنٌ، إنما سمعتُ في الكلام أَلقى عليه جِرانَه، وهو باطن العُنق، وقيل: الجِران جلدة تَضْطرب على باطِن العنق من ثُغْرة النحر إلى منتهى العُنق في الرأْس؛ قال الشاعـر :
 فَقَدَّ سَراتَهـــا والبَرْكَ منها، *** فخَـرَّتْ لليَدَيْـنِ وللجِــرانِ.
والجمع أَجْرِنة وجُرنٌ. وجَرَنَ الثوبُ والأَديمُ يَجْرُن جُروناً، فهو جارِن وجَرين: لان وانسحق، وكذلك الجلد والدرع والكتاب إذا درَس، وأَدِيم جارِن؛ وقال لبيبي ربيعة رضي الله عنه يصف غَرْبَ السانية:
 بمُقابَلٍ سَرِبِ المَخارِزِ عِدْلُه، *** قَلِقُ المَحالـــةِ جارِنٌ مَسْلومُ.
وسِقاءٌ جارِن: يَبِس وغلُظ من العمل . والجَرين : موضع البُرّ(البيدر)، وقد يكون للتمر والعنب، والجمع أَجرِنة وجُرُن، بضمتين، وقد أَجرَن العنبَ أي آواه الجرين.
وفي حديث الحدود: لا قَطْعَ في ثمر حتى يُؤْوِيَهُ الجَرينُ؛ هو موضع تجفيف الثمر، وهو له كالبَيدر للحنطة، وفي حديث أُبَيّ مع الغول: أَنه كان له جُرُنٌ من تمر.
وفي حديث ابن سيرين في المُحاقَلة: كانوا يشترطُون قُمامةَ الجُرُنِ، وقيل: الجَرينُ موضع البَيْدر بلغة اليمن. قال: وعامَّتُهم يَكسِر الجيمَ، وجمعه جُرُنٌ.
والجَرينُ الطِّحْنُ، بلغة هُذيل؛ وقال شاعرهم:
ولِسَوْطِه زَجَـــلٌ، إذا آنَسْتَه *** جَرَّ الرَّحى بجَرينِها المَطْحونِ .
 الجَرين: ما طَحَنتَه، وقد جُرِنَ الحبُّ جَرْناً شديداً ، أي تم طحنه بواسطة الجرن .
والجُرْنُ حجر منقورُ يُصبُّ فيه الماء فيُتوضأُ به، وتسميه أَهلُ المدينة المِهْراسَ الذي يُتَطهَّر منه فهو بمثابة الإبريق في عصرنـا ،وفي البادية يسمى الجرن ، ولربما استُعمل لهرس اللحم مع البرغل ، لعمل أكلة شعبية معروفة هي الكبة(2)
المهباج : هَبَجَ يَهْبِجُ هَبْجاً: ضَرَبَ ضَرْباً مُتَتابعاً فيه رَخاوةٌ، وقيل: الهَبْجُ الضَّربُ بالخَشَبِ كما يُهْبَجُ الكلبُ إِذا قُتِلَ . وسُمّيت آلة سحق حبيبات البن بالمهباج من هذه الزاوية ، فالجرن المستعمل هو من الخشب واليد التي يُطحن بها وتضرب حبوب البن هي من الخشب أيضـــاً .
وهناك من يسمي المهباج بالمهبا ش (بالشين) ، وعادة ما تتم عملية السحق بشكل ايقاعي يصدر نغمات ممتعة حقا .
وتقول العرب هَبَجَه بالعصا: ضَرَبَ منه حيث ما أَدْرَكَ، وقيل: هو الضَّربُ عامَّةً.
وهَبَجَه بالعصا هَبْجاً: مثل حَبَجَه حَبْجاً أَي ضَرَبه. وهكذا تكوّن معنا هنا ثلاثة أسماء لجرن القهوة ( مهباج – مهباش – محباج ) .
النّـجـــر : جاء في اللسان ، النَّجْر والنِّجارُ والنُّجارُ: الأَصْلُ والحَسَبُ ، والنجر في البادية يُطلق على مزلاج الباب ، كما يطلق على جرن القهوة(المهباج) .
وفي حديث عليّ: واختَلَفَ النَّجْر وتَشَتَّتَ الأَمْر؛ النَّجْر: الطبْعُ والأَصْل. قال ابن الأَعرابي: النجر شَكْل الإِنسان وهيئتُه؛ قال الأَخطل :
وبَيْضاء لا نَجْرُ النجاشِيِّ نَجْرُها، *** إِذا التَهَبَتْ منها القَلائدُ والنَّحْرُ
والنَّجْرُ: القَطْع، ومنه نَجْرُ النَّجَّارِ، وقد نَجَرَ العُودَ نَجراً. وجاء في التهذيب: قال الليث النَّجْرُ عمل النَّجَّارِ ونحْتُه، والنجْرُ نَحْتُ الخَشَبة، نَجَرَها يَنْجُرها نَجْراً: نَحَتها. ونُجارةُ العُود: ما انْتُحِتَ منه عند النِّجْرِ.والنجَّارُ صاحبُ النَّجْر وحِرْفَتُه النِّجارةُ والعمل في الأخشاب تصنيعا وقطعا .
المِـدَقّ والمدقّـة : جاء في التهذيب :والمُدق حجر يُدّق به الطيب، ضمّ الميم لأنه جعل اسماً، وكذلك المُنْخُل، فإذا جعل نعتاً رُدَّ إلى مِفْعل؛ وقول رؤبة أَنشده ابن دريد:( يَرْمي الجَلامِيدَ بِجُلْمُود مِدَقّْ) ، استشهد به على أن المِدقّ ما دَقًـقْـتَ به الشيء، فإن كان ذلك فمدق بدل من جلمود، والسابقُ إليّ من هذا أنه مِفعل من قولك حافز مدَق أَي يدُقُّ الأشياء، كقولك رجل مِطْعَن، فإن كان كذلك فهو هنا صفة لجلمود؛ قال الأزهري: مُدُقٌّ وأَخواته وهي مُسْعُط ومُنخل ومُدْهُن ومُنْصُلٌ ومُكْحُلةٌ جاءت نوادِرَ، بضم الميم، وموضع العين من مفعلُ، وسائر كلام العرب جاء على مِفْعل ومفْعلة فيما يعتمل به نحو مِخْرَز ومِقْطَع ومِسَلّة وما أَشبهها (وهي ما نسميها بأسماء الآلـة) . وفي حديث عطاء في الكَيل قال: لا دقّ ولا زَلْزَلةَ؛ هو أن يَدُقَّ ما في الميكال من المَكيال حتى يَنْضَمَّ بعضُه إلى بعض .
وفي لغة الجذور، الدَّقُّ: مصدر قولك دَقَقْت الدَّواءَ أَدُقُّه دقّاً،وهو الرَّضُّ والهرس.
والدَّقُّ: الكَسر والرَّضُّ في كل وجه، وقيل: هو أَن تضرب الشيءَ بالشيء حتى تَهْشِمَه، دَقَّة يَدُقُّه دَقّاً ودقَقْتُه فانْدَقَّ ، أي هرسته فانهرس .
والتَّدْقيقُ: إنعامُ الدَّقّ .
والمِدَقُّ والمِدَقَّةُ والمُدُقُّ: ما دقَقْتَ به الشيءَ؛ قال سيبويه: وقالوا المُدُقُّ لأَنهم جعلوه اسماً له كالجُلْمُود .
العـزّام : ومن أسماء جرن القهوة الشعبية، عند أصحاب الديوانيات والمضافات العزّام ، ويعنون به الداعي إلى شرب القهوة العربية في المضافة ، فكل من سمع أصوات الجرن تصدح بموسيقاها العذبة فهو مدْعُـوّ لاحتساء القهوة .
والعزّام ، جاءت جذوريّاً من عَزَمَ على الأَمْرِ يَعْزِمُ عَزْماً، ويُضَمُّ، ومَعْزَماً، كَمَقْعَدٍ ومَجْلِسٍ، وعُزْماناً، بالضم، وعَزِيماً وعَزِيمَةً،وعَزَمَهُ واعْتَزَمَهُ ، وعــزم عليه وتَعَزَّمَ : أرادَ فِعلَهُ، وقَطَعَ عليه، أوْ جَدَّ في الأَمْرِ.
وعَزَمَ الأمْرُ نَفْسُه: عُزِمَ عليه، وعزم على الرَّجُلِ: أقْسَمَ ، ومنه قالوا في حوران العزيمة للوليمة، والعزّام هو من يدعو إليها .
وهكذا تحصّل معنا عدة أسماء لآلة سحق حبوب القهوة :
الجرن – النجر – المهباش – المهباج – المهراس – المدق – والعزام ... .. وهناك أسماء أخرى .
---------------------------------هامش:
(1)- أَبُو الحَسَن عَلِيّ بِن المُبَارَك اللِّحيَانِي الهذلي(ت 220هـ)هو نحويٌّ من الكوفة، ومن أئمة نحاة الطبقة الثالثة من المدرسة الكوفية في النَّحو امتاز بكثرة نقله وتدوينه للنوادر من اللغة.
(2)- وجِرانُ العَوْدِ: لقَب لبعض شعراء العرب؛ قال الجوهري: هو من نُميـــر وقيل اسمه المُسْتورِد ، والراجح أنَّ اسمه عامر بن الحارث وإنما لقِّب بذلك لقوله يخاطب امرأَتَـيْـه محذّراً :
 خُـذا حَـذَراً، يـا جارَتَيَّ، فإنَّني *** رأَيتُ جِرانَ العَوْدِ قد كاد يَصْلَحُ.
 أَراد بِجران العَوْد سوطاً قدَّه من جِران عَوْدٍ نَحَره وهو أَصلب ما يكون . وهــــــــو مصنوع من قضيب البعير قال الأَزهري: ورأَيت العرب تسوَّي سياطها من جُرُن الجِمال البُزْل لصَلابتِها، وإنما حذَّر امرأَتيه سوطَه لنُشوزهما عليه ، وكان قد اتخذ من جلد البعير (أو قضيبه بعد التجفيف)سوْطاً يضرب به نساءَه ويؤدبهن .