تحقيق: يمينة حمدي - " وكالة أخبار المرأة "

مضت سبع سنوات على سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، تخللتها العديد من الوعود من سياسيين أبدوا استعدادهم لإقامة دولة في ليبيا تحترم حقوق الإنسان، وعلقت النساء آمالا كبيرة على تلك الوعود، وكن على أهبة الاستعداد للمشاركة في الحياة العامة والارتقاء بمجتمعهن.
واستطعن بالفعل تحقيق نجاح متواضع والفوز بـ33 مقعدا في المؤتمر الوطني في أول انتخابات برلمانية أجريت في عام 2012 بعد 42 عاما من حكم القذافي.
غير أن ما لم يتحقق بعد مازال كبيرا، فالدولة لم تقم حتى الآن بسبب الخلافات السياسية التي عصفت بأي فرصة لترسيخ حكم ديمقراطي في ليبيا، كما لم يرق الواقع الحالي إلى مستوى التوقعات المتفائلة لنساء ليبيا اللاتي أصبحن يعشن في ظل دوامة من الفقر واليأس وانعدام الأمن الشخصي في بلدهن، الذي تديره الميليشيات وتفرض نفوذها بقوة السلاح.
وكانت المرأة الليبية أثناء حكم القذافي تتمتع بحرية وأمن نسبيين، وتعد من أفضل النساء تعليما في العالم العربي وفقا للإحصائيات الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويعد بلدها أيضا من ضمن الدول التي صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”، رغم تحفظه على بعض البنود التي لا تتوافق مع قوانين الشريعة الإسلامية، لكن منذ سقوط نظام القذافي، تطرح أسئلة كثيرة عما تغير في وضع النساء الليبيات.
دور المرأة المهمش
قالت الناشطة المدنية إيناس بوشناف إن سقوط نظام القذافي قد أعطى بوادر على انفتاح المجتمع الليبي على حقوق النساء أكثر، خاصة بعد أن سارت النساء في طليعة الصفوف الأمامية لدعم قوات الجيش والشرطة ووقفن معهم صفا واحد ضد الإرهاب، وحاولن بكل ما أوتين من عزيمة إيصال أصواتهن للعالم عن طريق المشاركة في مختلف الحوارات الهادفة إلى إنهاء حالة الصراع التي يعيشها الليبيون.
وأضافت بوشناف “ربما تكون مشاركتنا بسيطة، لكننا دائما نسعى لأن نكون في الصفوف الأمامية حتى لا يتم طمسنا، في العملية السياسية وفي إحلال السلام وإنهاء الصراعات”.
وحثت بوشناف نساء بلادها على عدم التوقف عن ممارسة النشاط السياسي ومواصلة نضالهن من أجل أن تأخذ المرأة الليبية مكانتها في مجتمعها وتساهم في صناعة القرار الذي يخدم الصالح العام ويحقق الأمن والسلام.
لكن صورة المرأة الليبية التي تتقدم الصفوف الأمامية لتطالب برحيل القذافي والمزيد من الحرية والمساواة، لم يعد لها أي وجود في المشهد الحالي في ليبيا، وبينما تتراكم الأزمات يوما بعد يوم، لم يتوقف أحد ليسأل المرأة عن رأيها.
وتبدو التحديات التي تواجه المرأة في ليبيا اليوم أكبر بكثير مما كانت عليه حتى في العهد السابق، فهناك تداخلات عدة أولها تنامي نفوذ التيار الإسلامي الذي أصبح يشكل خطرا حقيقيا على حياة كل امرأة تحاول الخروج عن مبادئه وفق ما صرحت مستشارة التعليم الدولي شهرزاد كبلان.
وعبّرت كبلان عن أسفها لما آل إليه الوضع في بلادها قائلة “لقد كان تسلل الإخوان المسلمين إلى المشهد الليبي سببا رئيسيا في تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في ليبيا، وقد بدأت ملامح هذا التدخل ليلة إعلان تحرير ليبيا ‘كدولة إسلامية’ في 23 أكتوبر 2011”.
وأضافت كبلان “ترسّخ دور الإخوان المسلمين أكثر ليلة الاحتفال بانتقال السلطة في طرابلس في أغسطس 2012 عندما تم استبعاد المذيعة الشابة سارة المسلاتي لأنها لم تكن محجّبة وتعويضها بمذيعة أخرى، هذان الحدثان كان لهما أثر كبير على النساء في ليبيا ومنهما كانت بداية عملية استبعاد النساء من العملية السياسية”.
وتابعت “لقد تم اغتيال صديقتي سلوى بوقعيقيص واختطاف زوجها عصام القلال واغتيال 4 نساء أخريات، وهذه رسالة دامية أخرى للنساء في ليبيا للابتعاد عن العملية السياسية”.
وشدّدت كبلان على أن المجتمع الدولي كان له دور كبير في ترسيخ استبعاد المرأة من العملية السياسية في ليبيا لأنه وفق تعبيرها “لم يصر على تواجد النساء في محادثات السلام بالرغم من قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325 حول المرأة والأمن والسلام، الذي تم تبنيه في عام 2000”.
وأوضحت “كل المحادثات التي كانت عالية المستوى تم استبعاد النساء منها بشكل مقصود، مثل تلك التي كانت تعقد في الصخيرات، أما المحادثات المنفصلة والمخصصة للنساء فقد كانت تعد في تونس وقد دعيت لها إلا أنني رفضت الانضمام لها لأنها محادثات غير مجدية من وجهة نظري”.
وترى كبلان أن المرأة لها مكانتها في ليبيا، وأنه باستطاعتها إحداث التغيير في بلادها وإرساء الأمن والسلام، وذلك عن طريق العمل الدؤوب وليس بعقد المؤتمرات واللقاءات.
الأمل معلق على الشباب
لا تتوقع الكثيرات أن يؤخذ بآرائهن وسط المشهد السياسي المتشظي للبلاد أو أن تكون حقوق المرأة الليبية من ضمن الأولويات، والتحدي الأكبر بالنسبة إليهن يتمثل في عدم وجود قانون يحميهن من المشكلات المترتبة عن العنف وسوء الأوضاع في البلاد.
وقالت الصحافية لبنى يونس “تعيش المرأة في ليبيا بين المطرقة والسندان، وتصارع يوميا لأجل البقاء على قيد الحياة والاحتفاظ بعملها، فرغم ما تمتلكه من مؤهلات علمية وطموح تبقى في نظر البعض من المديرين وأصحاب السلطة مجرد كائن درجة ثانية، وهذه الصورة القاتمة تكشف بشكل جلي السياسة الممنهجة في استبعاد النساء وخاصة الكفاءات منهن عن المشهد السياسي”.
وأضافت “المجتمع الليبي برمته مازال ينظر للمرأة على أنها مجرد كائن درجة ثانية ولا يصلح سوى للمهن التقليدية المرتبطة تاريخيا بجنس المرأة كالتعليم والطب والتمريض، وحتى لو كانت المرأة تنتمي إلى بيئة أسرية منفتحة وداعمة لطموحها فستواجه عوائق كثيرة إذا ما تطلعت للعمل في مجال السياسة، لأن أصحاب القرار في ليبيا يتاجرون بقضايا المرأة من أجل كسب العطف الدولي وأموال الأمم المتحدة”.
وأكدت أن المرأة التي تكون لديها مؤهلات وعزيمة قوية قد تكافح كثيرا لتفتكّ البعض من حقوقها في العمل السياسي، لكنها يمكن أن تجد من يعمل على تشويه سمعتها وابتزازها حتى تنحني وتعود أدراجها حتى وإن كانت لديها مؤهلات ومواصفات المرأة القائدة.
فيما عبّرت الطبيبة سمية مختار الغول عن تشاؤمها من الوضع الحالي في ليبيا، قائلة “كل من لا يملك سلاحا مغيب في ليبيا، حتى أولئك الموجودين في السلطة لا يملكون حرية اتخاذ القرار أمام فوهات البنادق، وبالتالي لا غرابة إذن أن تغيب المرأة وتدفن حقوقها وسط سيل المشكلات التي صارت كل فئات المجتمع تواجهها”.
وأضافت “المجتمع الليبي بأكمله لا يأخذ رأي المرأة بجدية حتى صارت هي نفسها تخاف من التصريح بوجهة نظرها حتى لا تكسر قوقعتها التي لازمتها عقودا من الزمن فتتحول إلى كائن رخو”.
وواصلت “هناك نساء كثيرات ترشحن للانتخابات بعد سقوط نظام القذافي وفزن، وأنا اليوم أعضّ على أصابعي لأني انتخبتهن، وأتمنى لو كان لدي أكثر من عشرين إصبعا حتى أفرغ شحنة الندم التي بداخلي، من المؤسف أنني أشعر بنفس خيبة الأمل تجاه من اخترت أيضا من الرجال، ولذلك لا أعتقد أن المشكلة تتعلق بجنس المترشح بل بإرث ثقيل ليس من السهل تغييره”.
وأشادت الغول بالدور الريادي الذي قامت به البعض من النساء في التصدي بشجاعة للتطرف، ومنهن المحامية والناشطة الحقوقية سلوى بوقعيقيص وفريحة البركاوي الممثلة عن شعبية (مدينة) درنة في المؤتمر الوطني العام الليبي، إلا أنه تم اغتيالهما من قبل الميليشيات المسلحة.
وترى أنه ليس من السهل على المرأة الليبية الوصول إلى مراكز صناعة القرار وخاصة كرسي الرئاسة، معتبرة أن المجتمع الليبي لا يمكن أن يستوعب مثل هذا الأمر على الأقل في الوقت الراهن، أما المستقبل بالنسبة إليها فهو رهين الكفة التي سترجح، إما للتطرف وإما للاعتدال والحداثة.
وأشارت الغول إلى أن المرأة متواجدة وبكثرة في المجالات والتظاهرات الفنية، وتشغل مناصب مهمة في المستشفيات والدوائر الحكومية، مشددة على ضرورة تمكين المرأة سياسيا حتى تتمكن من إحداث توازن المجتمع.
واعتبرت أن الوضع الحالي محتاج إلى الصفات التي تتصف بها المرأة مثل الرأفة والحنان والتعاون من أجل بناء منظومة التعليم والأمن الاجتماعي والصحة، وكل ما هو مهم للشعب الليبي.
وترى الغول أن الأجيال الشابة أكثر احتراما لحقوق المرأة ولديها رغبة أكبر في التحرر من القيود الاجتماعية الرجعية، إلا أنها تخشى أن يفسد الرصاص الغد القريب ويحرم الجميع من العيش بسلام.
النظرة الدونية للمرأة
رغم أن المرأة تعتبر عاملا أساسيا لبناء السلام والحفاظ عليه، كما أن مشاركتها في صنع القرار لا تتعلق بالتصحيح السياسي، وإنما بالاستثمار في مجتمع أكثر رخاء واستقرارا، لكن لا يبدو أن المجتمع الليبي مستعد حاليا ليمنح نساءه صوتا لم يملكنه في السابق ولا سيما في ظل النظرة الدونية السائدة تجاه المرأة.
وعقدت أستاذة التاريخ خيرية فرج حفالش مقارنة بين المجتمعين الليبي والتونسي، لتؤكد من خلالها أن الرجل والمرأة التونسيين قد وصلا إلى مستوى متقدم من الممارسة السياسية بخلاف ما هو سائد في ليبيا.
وقالت حفالش “لقد أنشأ السياسي الكبير الحبيب بورقيبة دولة مدنية مازالت تتنفس برئته حتى اليوم وهي الدولة التي رعت التنوع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المجتمع التونسي بحيث عندما ثار المجتمع التونسي استطاع أن يغير النظام وأن يحتفظ بالدولة بعكس ليبيا التي منيت سنة 1969 بضباط عسكريين صغار مغامرين أنهوا مسيرة 18 عاما من بناء الدولة واستبدلوها بحكومة دكتاتورية جعلت من الدولة والحاكم شيئا واحدا.
وبذلك لم تكن هناك دولة على الإطلاق كانت الدولة هي الزعيم الأوحد وبالتالي فعندما مات الزعيم انهارت المظاهر الهشة للدولة وتحتم على الليبيين أن يبدأوا في بناء الدولة من جديد كما بدأ أسلافهم في منتصف القرن الماضي”.
وأضافت “حكم الانقلابيون ليبيا لمدة 42 عاما لم يعش خلالها الليبيون أي شكل من أشكال الديمقراطية، تم إلغاء الدستور وتجريم العمل السياسي، ولم يعرف الليبيون أحزابا ولا انتخابات أو برلمانا، كما لم يمتلكوا أي تجربة في العمل السياسي أو تراثا متراكما في هذا الشأن، لم يكن لديهم سوى ما مارسه أولئك الذين هربوا خارج البلاد إبان حكم القذافي، وبالتالي فالرجل والمرأة في ليبيا مضروبان بعصا واحدة هي عصا الدكتاتورية التي لم تجانب أحدا طوال أربعة عقود”.
وأوضحت “حتى السنوات التي مرت بعد الثورة لازلنا نعيش فيها ارتدادات زلزال 2011 وحصاد حقبة الدكتاتورية التي كان تأثيرها في العقول والسلوك أقوى من تأثيرها على مؤسسات الدولة طوال أربع عقود”.
وشددت حفالش في خاتمة حديثها على أن “المشكلة في ليبيا تتجاوز مسألة الفارق بين الرجل والمرأة إلى ما هو أبعد من ذلك، نتيجة ضعف مستوى النمو والنضج”.
وتؤكد جميع الليبيات اللواتي استطلعت آراءهن أنهن يرغبن في تمثيل بلادهن والدفاع عنها، وليست غايتهن تحقيق مصالحهن أو فرض نوعهن. وقالت امرأة فضلت عدم الظهور في الأضواء “لا يمكننا تأنيث المصلحة الوطنية، فليبيا ليست ذكرا أو أنثى، إنها وطن لجميع الليبيين”.
ويعير الرجال في ليبيا أيضا الاهتمام بقضايا النساء وخاصة الجيل الشباب، ولا ينكرون أن المرأة يمكن أن تكون لها رؤى أكبر وأكثر عمقا إزاء كيفية حل المشكلات السياسية واتخاذ مواقف قوية إزاء بعض القضايا مثل الرجال، غير أن المفاهيم التقليدية قد تجعل المرأة نفسها تعيش أسيرة للأدوار النمطية.
واعتبر المذيع محمد الدينالي أن المرأة في ليبيا قد تم تغيبيها عن المشهد السياسي قسرا وليس بإرادتها، مشيرا إلى عملية انتقاء النساء اللاتي يحق لهن الظهور على شاشة التلفزيون.
وقال الدينالي “من تظهر حاليا على الشاشة تكون عادة شخصية مفروضة من جهات معينة، ومثل هذا الأمر لا يقتصر على النساء فحسب، فهنالك أمثلة متعددة لرجال خيّرين غيبوا عن المشهد السياسي بسبب أوضاع البلاد غير المستقرة والصراعات وتحكم السلاح وفرضه كحل وحيد دون سواه، ما جعل الكثير من الليبيين الأكفاء يخيرون السكون والابتعاد عن المشهد”.
وأضاف “لنتذكر معا الحقوقية سلوى بوقعيقيص التي اغتالتها الجماعات الإرهابية في عام 2014 بسبب كلمتها الحرة وقوة إرادتها، بسبب اغتيالها اعتزلت معظم الناشطات العمل السياسي خوفا من أن يلقين نفس المصير”.
وتابع “المرأة بصفة عامة معرضة أيضا للتشويه والتشهير بسمعتها ونحن كشعب محافظ على التقاليد نخاف كثيرا على العرض، حتى الرجال لم يسلموا من الضرب تحت الحزام، فما بالكم بالنساء”.
وأشار الدينالي إلى أن البرلمان قد أتاح للمرأة الليبية المشاركة في الحياة السياسية وكان ظهورها محتشما، لأن السياسة من وجهة نظره تتطلب شخصيات قوية، إلا أن عضوات البرلمان الليبي لم يستطعن فرض أنفسهن بسبب ضعف كلمتهن وانسحابهن من النقاشات الحادة التي كانت تحصل تحت قبة البرلمان.

العرب