جيمس كوكاين مدير مركز بحوث السياسات بجامعة الأمم المتحدة - " وكالة أخبار المرأة "

عادة ما تروى على مسامع أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قصصا رهيبة من مناطق الصراعات حول العالم، وتكرارها وتواترها يبعثان على الضيق، إلا أنه لا تملأ أعينهم بالدمع إلا قصة مروعة حقا. وبينما كان مسؤولو المجلس في ديسمبر/كانون الأول يستمعون إلى نادية مراد طه وهي تصف بشجاعة ما مرت به من محن معاناة عندما كانت مباعة "كجارية" أسيرة تستخدم كأداة جنسية للرجال في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بكى بعضهم من هول ما سمعوه.
وستعود نادية للأمم المتحدة ليتم تنصيبها سفيرة للنوايا الحسنة لقضية الناجين من معاناة الاتجار بالبشر. ومنذ زيارتها الاخيرة، طلب مجلس الأمن، من الأمين العام تقريرا عن الاتجار بالبشر في دول الصراعات، وما يمكن فعله إزاء هذا الأمر. وتزداد هذه القضية تفاقما وسوءا بزيادة الانكشافات والمعلومات التي كانت غير معلومة في السابق، والأمر يحتم تدخلا فوريا لمجلس الأمن.
هل تعود العبودية للعالم؟
إن القانون الدولي صريح ومباشر في عدم سماحه بالرق، في أي مكان وفي كل الأوقات. إلا أن أفضل التقديرات تشير إلى أن حوالي  45.8 مليون شخص على قيد الحياة اليوم يعيشون تحت قيد العبودية! وقد أجبرت الجماعات المسلحة منذ فترة طويلة السكان الضعفاء على الاستغلال الجنسي والخدمة العسكرية والعمل الجبري في البناء، والتنظيف، وحفر الخنادق، والتعدين والزراعة.  إلا أن جماعات مثل الدولة الإسلامية وبوكو حرام تشجع اليوم الاستعباد وتنظمه علنا على نطاق واسع لم نشهده منذ الحرب العالمية الثانية.
ويعتقد أن أكثر من 5000 امرأة ورجل وطفل يزيدي يقعون تحت وطأ استعباد تنظيم الدولة الإسلامية لهم في الوقت الحاضر. وأنشأت المجموعة أسواقا لبيع البشر، وتدعو علنا ​​إلى إحياء الرق عبر طرق رسمية، حتى أنها أصدرت كتيبات طرق الاسترقاق. وتعتمد المجموعة بصورة متزايدة على المجندين قسرا من الأطفال لاستخدامهم للقيام بالتفجيرات الانتحارية.
العبودية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي
وليست هذه مشكلة العراق وسوريا فحسب؛ فقد أصبحت مشكلة الرق مشكلة دولية. ووجدت لجنة تحقيق حديثة تابعة للأمم المتحدة أن رجالا من الجزائر واستراليا وبلجيكا ومصر والعراق وكازاخستان وليبيا والمغرب والسعودية والسودان وسوريا وتونس وتركيا وأوزبكستان قد شاركوا في جرائم استرقاق الأفراد والاتجار بهم للدولة الإسلامية. وهناك مجموعات مسلحة أخرى، مثل جماعة بوكو حرام، تحذو حذوها. ويرجع ذلك جزئيا إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
ففي العام الماضي، وفقا لتقارير الأمم المتحدة، استخدم تطبيق الاتصالات المشفر تليغرام (Telegram) لعقد مزادات لبيع الرقيق على الانترنت، وقاموا بتداول صورا للنساء اليزيديات الأسيرات، عارضين معها أعمارهن، الحالة الاجتماعية، والموقع الحالي والسعر. ومؤخرا، حاول عضو في تنظيم الدولة الإسلامية بيع اثنتين من النساء المستعبدتين على فيسبوك.  وتم عرض اللاجئات السوريات النازحات في لبنان للبيع على واتساب، وتعتمد الدولة الإسلامية بشكل متزايد على التطبيقات الآمنة مثل شورسبوت(Surespot) وثريما للاتصالات (Threema).
كيف يجب أن تتصرف الهيئات الدولية؟
قد يكون السؤال الأول بطبيعة حال هو كيف يمكن أن تساعد الأمم المتحدة على وقف هذه الجريمة الشنعاء؟ والإجابة أن بإمكانها فعل الكثير في الواقع، وفقا لتقرير جديد نشرته جامعة الأمم المتحدة. ونشر التقرير بدعم من بعثة المملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة وجهات أخرى، واستنادا إلى مدخلات من أكثر من 100 خبير من مختلف القطاعات حول العالم، يقول التقرير إن لمجلس الأمن دور كبير غير مستغل في هذه المسألة. وبداية، يمكن لمجلس الأمن أن يدين بوضوح التورط في هذه الجريمة ضد الإنسانية، ويشجع الدول على معاقبة أي من رعاياها المعنيين. ويمكن للمجلس أيضا أن ينظر في محكمة دولية خاصة للتصدي لجرائم حرب الدولة الإسلامية والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، بما في ذلك الاستعباد.
وهناك الكثير الذي يمكن للمجلس القيام به لرصد الاتجار بالبشر المرتبط بالنزاعات المسلحة وإيقافه. ويتضمن ذلك آليات لرصد مشاركة مجموعات محددة في الاتجار بالبشر، فضلا عن رصد مواقع البيع على الأرض وتطبيقات المتاجرة عبر الانترنت. ويتعين على أعضاء المجلس معرفة سبب عدم الاستخدام الفعال للعقوبات الحالية على الإتجار بالبشر، بما في ذلك العقوبات المفروضة على الدولة الإسلامية، وبوكو حرام، وفي ليبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال.
يمكن للمجلس أيضا أن يساعد على حماية الأشخاص المشردين بسبب النزاع - وبلغ عددهم الآن حوالي 65 مليون شخص. حيث يعد هؤلاء الأشخاص هم الأكثر عرضة للتعرض للاتجار بالبشر. ويمكن لدول الأمم المتحدة أن تبذل المزيد من الجهود لمساعدة المدنيين وحمايتهم في المناطق التي تشتهر بالاتجار بالبشر، من خلال الرد السريع، وفرق الإبلاغ، والحملات الإعلامية.
إشراك القطاع الخاص
ويمكن للمجلس كذلك أن يشجع القطاع الخاص على تقديم المساعدة. بالعمل مع القطاعات المالية والتكنولوجية والتوظيفية لوضع توجيهات لمنع التعرض لبيع البشر في مناطق الصراع. وكان المجلس قد اتخذ خطوات مماثلة لمنع الصناعات من الاستفادة من التعدين. فلماذا لا تفعل الشيء نفسه فيما يتعلق بالاتجار بالبشر في الصراع؟
وعلى قطاع التكنولوجيا بشكل خاص دور رئيسي آخر. فقد يتمكن مزودو الشبكات الاجتماعية من استخدام بيانات تحديد الموقع والمحتوى لتحديد الأشخاص المعرضين للاتجار، وتحذيرهم من مخاطر معينة. أصدرت شرطة العاصمة لندن مقاطع فيديو على الإنترنت لنساء سوريات مهاجرات يحذرن الأجانب من واقع الحياة في ظل الدولة الإسلامية، لمواجهة التجنيد الاحتيالي والاتجار بالبشر. وبإمكان مزودي خدمات وسائل التواصل الاجتماعي ضمان وصول هذه الرسائل إلى الجمهور المناسب.
وقالت نادية مراد في منشور لها على الانترنت: لقد قلت كلاما كثيرا ورأيت عملا قليلا، وما زال  3500 من اليزيديين تحت قيد داعش، وارتكبت جرائم شنيعة ضدهم، وكانت شهادة ناديا مراد في ديسمبر الماضي قوية ومؤثرة. وهي كذلك تلزم مجلس الأمن أن يتخذ إجراءات فورية وحاسمة، لضمان عدم معاناة المزيد من الناس حول العالم من هذا المصير الرهيب والمروع. وبدون اتخاذ أي خطوات، سيرن صدى تصفيق المجلس لهذه الشهادات وأمثالها دون فائدة تذكر.