الكاتب والناقد السينمائي: أمير العمري - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

يبدو أن الحركات النسائية التي ظهرت داخل هوليوود خلال الفترة الأخيرة في ضوء حملة “أنا أيضا” و”حقبة 50:50”، والتي تدعو إلى المساواة في الفرص بين السينمائيين من الرجال ونظرائهم من النساء، قد بدأت تؤتي ثمارها، فقد تصدرت الممثلات عددا من الأفلام البارزة للمرة الأولى منذ سنوات
خلال العام الماضي عرض عدد من الأفلام التي تناقش قضايا المرأة، تتضمن قصصا عن نساء حقيقيات، سواء من خلال سيرة حياتهن، أو استنادا على مذكراتهن أو من خلال قصص سينمائية تكون بطلتها امرأة، ويكون “موضوع المرأة” أو مشكلتها، هو الأصل والأساس في بنية العمل السينمائي، في حين كانت الأفلام من قبل تدور عادة حول شخصيات الرجال.
ويمكن أن نذكر هنا أفلاما مثل “الآنسة سلون”Miss Sloane، و”لعبة موللي” Molly’s Game وكلاهما أبرزا الموهبة الهائلة التي تتمتع بها الممثلة الأميركية جيسيكا شاستين، ثم “أنا تونيا”Tonia ،I الذي نقل الممثلة الأسترالية الجميلة مارغوت روبي من مجال الإغواء الشكلي كما ظهرت في فيلم “ذئب وول ستريت” إلى الأداء الفردي الواثق والعميق أمام الكاميرا وهي تقوم بتجسيد شخصية تونيا هاردنغ بطلة الرقص على الجليد، في صعودها وسقوطها، كأفضل ما يكون الأداء.
وهناك أيضا فيلم “العصيان” Disobedience الذي برعت فيه الممثلة البريطانية راتشيل وايز في دور “رونيت” التي تمردت على تقاليد اليهود الأرثوذوكس وكانت ترتبط بعلاقة مثلية مع صديقتها “إستي” التي قامت بدورها راتشيل ماك آدامز، وهي ممثلة أخرى فرضت اسمها بقوة خلال السنوات القليلة الأخيرة على الساحة السينمائية، وقد نشرنا في “العرب” مقالات نقدية عن هذه الأفلام كلها.
فيلمان جديدان
الحضور القوي للمرأة، سواء كشخصية درامية أو كممثلة ما زال مستمرا، ومن بين أحدث الأفلام التي تعتبر تجسيدا قويا لهذا الحضور هناك فيلم “توللي” Tully، وفيلم “الهروب” The Escape.


يصوّر “توللي” (2018) للمخرج جايسون ريتمان، محنة امرأة في أواخر الثلاثينات من عمرها هي “مارلو” (تشارليز ثيرون) أنجبت طفلين وتستعد لوضع الطفل الثالث، وهي تعيش حياة زوجية مستقرة مع زوجها “درو” الذي يعمل في إحدى الشركات، ويعود إلى البيت مساء كل يوم، يتناول الطعام ثم يجلس فوق السرير يمارس الألعاب على شاشة التلفزيون.
إنه لا يبالي بالحمل الثقيل الذي تحمله مارلو على كتفيها: عبء الطفلين، ثم الطفلة الثالثة التي أتت أخيرا دون تخطيط، ويصبح من الصعب عليها القيام بأعباء الأطفال والمنزل، كما تعاني ممّا طرأ على جسدها من ترهل بعد الولادة، تحاول دون جدوى، استعادة رشاقتها السابقة، لكن الأهم أنها لم تعد قادرة على النوم ليلا بسبب ما تحدثه المولودة الجديدة من إزعاج، كما تعاني معاناة شديدة بسبب مرض التوحد المصاب به ابنها واضطرارها لنقله من المدرسة إلى مدرسة مخصّصة للأطفال من أمثاله، بعد أن أصبح من المستحيل أن يتعايش مع باقي زملائه.
مارلو كما نرى، فقدت قدرتها -ليس فقط على الاستمتاع بالحياة- بل على العيش، إنها تحمل محنة العيش وحدها بينما زوجها لا يدرك الأمر، فهو بسلبيته التامة، يتصوّر أنها يجب أن تكون سعيدة قانعة، ولا بد أنه فقد أيضا الرغبة في معاشرتها جنسيا بعد أن فقدت جاذبيتها السابقة.
يتطوع شقيق مارلو الثريّ بدفع نفقات مربية شابة هي “توللي” لكي تساعدها في رعاية الطفلة الوليدة ليلا حتى تتيح لمارلو وقتا للنوم، وتوللي (ماكينزي ديفيز) شابة في السادسة والعشرين، شديدة الجاذبية، تتمتع بالثقة والهدوء والجمال وحب الحياة، ترتسم على وجهها ابتسامة دائمة متفائلة.
لكن توللي تصبح أكثر من مجرد “مربية”، فهي أقرب إلى ملاك هبط من السماء، إنها لا ترعى الطفلة الجديدة فقط، بل تنظف المنزل، وتصنع بعض الحلوى للطفلين، وتخلق جوّا من المرح والسعادة، وتقيم صداقة دافئة مع مارلو، وتدفعها دفعا للاستماع إلى أغانيها المفضلة، وعندما تعرف أنها محرومة من ممارسة الجنس بسبب إعراض زوجها عنها، تتنكر في زي ممرضة لتمارس الجنس مع “درو” لكي تثير شهيته مجددا، ثم تغري مارلو بالخروج معها لقضاء أمسية من اللهو والمرح، المرأة هي التي تساعد المرأة على الخروج من أزمتها، فنحن أمام فيلم عن التضامن النسوي.
جاءت توللي لكي تعيد التوازن إلى حياة مارلو، لكي تعلمها كيف يمكنها الاستمتاع بالحياة، ولكن هل هي بكل هذه السمات “المثالية” شخصية حقيقية؟ على مستوى ما، يمكن تصوّر أن توللي من نسج خيال مارلو، فهي تعكس الوجه الآخر لمارلو أو الشخصية التي تريد أن تكونها.
إننا لا نرى تفاصيل اللقاء الجنسي بين توللي ودرو، فالمخرج ينتقل بالقطع المفاجئ، لكننا نرى مارلو إلى جوار توللي تراقب وكأنها هي التي تمارس الجنس مع زوجها.
هذا المشهد بتكوينه وطريقة صياغته السينمائية، ليس من الممكن أن يكون “واقعيا”، فهو يعكس هواجس مارلو الخاصة وينبع من خيالها، ومن المستبعد أيضا أن تكون توللي على إطلاع مسبق بكل ما كانت تحبه مارلو في الحياة (الموسيقى والأغاني والأماكن.. إلخ) لكي تسبقها في ذكره وتذكيرها به.
وفي الفيلم أيضا الكثير من الإشارات التي توحي بابتعاده عن “الواقعية” أو فكرة “الإيهام بالواقع”، فمشهد انقلاب السيارة بالمرأتين وسقوطها في النهر، وهما في طريق العودة من السهرة، ليس من الممكن أن يكون حقيقيا، فلا تنتج عن الحادث إصابات خطيرة، ولا تفتح الشرطة تحقيقا، ولا تطرح أي تساؤلات في المستشفى الذي نقلت إليه مارلو للعلاج من إصابات سطحية بسيطة في حين لم تصب توللي بخدش واحد!
لقد تجرأت هوليوود وأقدمت أخيرا على إنتاج فيلم عن الحمل والإنجاب ومتاعب الأمومة، تظهر بطلته الجذابة تشارليز ثيرون مترهلة الجسد، واهنة، تتبدى كل علامات الضعف على وجهها، في دور جديد تماما اقتضى أن تزيد من وزنها كثيرا حتى تبدو مقنعة.
ولأن ثيرون هي عصب الفيلم وبؤرته، فهي تظهر في كل المشاهد تقريبا، يحصرها المخرج في لقطات قريبة، وكأنه يريدنا أن ننفذ إلى أعماقها، نقرأ انفعالاتها ومشاعرها التي ترتسم على وجهها الذي ما زال يتمتع بالجمال، رغم كل علامات الوهن والمعاناة!
وفي جوانب كثيرة يتشابه فيلم “توللي” مع الفيلم البريطاني “الهروب” (2018) إخراج دومنيك سافاج، الشخصية الرئيسية في الفيلم هي “تارا” (جيما أرتيرتون)، امرأة في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، جميلة، تعيش حياة زوجية تبدو مثالية مع طفليها وزوجها “مارك” رجل الأعمال الناجح في منزل فخم في بلدة تقع جنوب مدينة لندن، لكن مارك لا يبدي اهتماما حقيقيا بمشاعرها.
إنه شأن زوج مارلو في توللي، يفترض أنها يجب أن تكون سعيدة، فهي تتمتع بحياة جيدة، لديها طفلان جميلان، وزوج ناجح في عمله، فلماذا تشكو إذن؟ وهو يقبل باشتهاء على ممارسة الجنس معها كل ليلة دون أن ينتبه إلى أنها أصبحت تستسلم فقط لـ”أداء الواجب” المقدس دون أي شعور بالاستمتاع أو التجاوب.


لقد أصبحت حياتها رتيبة خاوية كما أنها خالية من الأصدقاء، تعيش في عزلة في تلك المنطقة الريفية، منذ أن تركت دراستها وتزوجت ثم تفرغت للبيت ورعاية الطفلين والزوج، لكنها لم تعد تملك طاقة على تحمل عناء الطفلين، بل أصبحت تشك في أنهما لا يحبانها كما يحبان والدهما الذي يدللهما كثيرا، وعندما تشكو الأمر لأمها تنصحها بالصمود “فما هي سوى أزمة عابرة وستنقضي”.
الهروب
رتابة الحياة والشعور بعدم التحقق والعزلة عن العالم، تصيب تارا بالاكتئاب، فتحاول أن تخرج من الاكتئاب بتغيير نمط حياتها، تذهب إلى لندن، تشعر بالحياة الصاخبة بين الناس، تشتري كتبا في الفنون، وتعود سعيدة تراودها فكرة دراسة الفنون المصوّرة، لكن زوجها الذي يتظاهر بتفهم رغبتها، سرعان ما يعبّر لها عن ازدرائه ورفضه لأفكارها في ثورة غضب حمقاء، لكن مارك ليس سيئا تماما، فهو يحبها ويريد أن يحافظ عليها وعلى أسرته، ولكنه بأفقه المحدود، لا يستطيع فهم مشاعرها، فهناك حاجز سميك بينهما.
عندما تبلغ الأمور مداها، تهجر تارا المنزل والزوج والطفلين والبلدة وتركب القطار إلى باريس، حيث تحاول العثور على نفسها هناك وسط المتاحف والشوارع والمقاهي والبشر، تترك نفسها تخوض مغامرة قصيرة، تتمزق بين فراغ وجودها ووحدتها وبين رغبتها في العودة إلى طفليها وزوجها.
هل يمكن للمرء أن يخرج من حياته ويصنع حياة جديدة أم أن تجربة الزواج والإنجاب تغلق الباب تماما؟
تظهر تارا في الكثير من مشاهد الفيلم في لقطات قريبة، تحصرها الكاميرا في كادرات ضيقة لكي نشعر باختناقها، بعجزها عن الحركة في ذلك المجال المحدود من حولها، ولكن وجه جيما أرتيرتون الجذاب، بقدرته التعبيرية الخاصة التي تسحر الألباب، يغوي الكاميرا فيبدو الفيلم وكأنه قصيدة غزل في وجه الممثلة.
وتدور الكاميرا حول الشخصيات في مشاهد كثيرة، أحيانا تبدو الحركة الدائرية ضرورية في سياق التعبير عن الشعور بفقدان التوازن، بالحيرة، بالرغبة في الفرار من الدائرة المغلقة، وأحيانا أخرى تصبح الحركة مصطنعة، تكاد تفسد التأثير، وتقلل من اندماجنا في المشهد.
وعلى غرار شخصية مارلو في فيلم “توللي” نحن هنا أيضا أمام شخصية “أم” أخرى تعاني من وطأة الأمومة، تشعر أن الأطفال قد أصبحوا قيدا عليها بقدر ما تشعر بحبها لهم وانتمائهم إليها.
هي ترى أن لديها الحق في الاستمتاع بالحياة، وأن حقها هذا لم يعد معترفا به منذ أن تزوجت وأنجبت وارتضت بأن تلعب يوميا دور الزوجة التي تطهي وتغسل الملابس وتعد الطعام لأطفالها وتسلم جسدها لزوجها في الليل، في الفيلمين تبرز فكرة التمرد، والثورة على النفس، والرغبة في تغيير نمط الحياة.
كلا الفيلمين يصوّران الحالة الذهنية للمرأة -الأم- الزوجة، هنا لا توجد “دراما” خارجية تمتلئ بالمواقف المفاجئة الصاعدة التي تأخذ الفيلم بعيدا عن تأمل تلك “الحالة” الذهنية للمرأة، وسياق السرد أفقي، أي لا يتحرك في خط صاعد نحو ذروة ما.
في “توللي” يكاد الخروج عن هذه “الحالة” يفسد الفيلم عندما ينحرف السرد لتصوير المغامرة الليلية للمرأتين (توللي ومارلو) وحادث السيارة الذي يعقب هذا، لكن الفيلم يعود سريعا إلى الخيط الأصلي من دون الاستغراق في تفاصيل “بوليسية” كان من الممكن أن تفسد البناء، ولا يتوقف فيلم “الهروب” طويلا أمام علاقة بطلته بالرجل الفرنسي “فيليب” الذي تقابله في باريس، فسرعان ما تكتشف كذبه وانتهازيته، فتتخلص منه وهي تشعر بالأسى لنفسها، وبالحنين لبيتها وطفليها.
هل فشلت تارا في تمردها أم نجحت في فهم ما كان ينقصها وأنها ستمضي وتعثر على عمل تمارسه يكفل لها مغادرة قوقعة حياتها؟ هذا ما يتوقف أمامه الفيلم في النهاية.
دور الممثلة
في كلا الفيلمين يبرز كثيرا دور الممثلة، وهو الذي يضمن لكل منهما قوته وجماله وقدرته التعبيرية الهائلة: أداء تشارليز ثيرون في “توللي”، وأداء جيما أرتيرتون في “الهروب”، لقد تحقق أخيرا للممثلة وجودا مستقلا عن رفيقها الممثل الرجل الذي تراجع وأصبح وجوده -كممثل وشخصية درامية- هامشيا.
وتتمتع جيما أرتيرتون بقدرة خاصة على التعبير الصامت، برمشة العين، بالنظرة، بالتطلع بعيدا عن بؤرة الصورة، بإغماض الجفنين، بالتوسل الصامت حينا، والبكاء الخافت حينا آخر، عيناها تهمسان لنا بما يعتمل داخل روحها. وعندما تترك نفسها لرجل قابلته في باريس يأخذ في التقاط الصور لها مفتونا بجمالها وبساطتها وعفويتها، تبتسم في سعادة طفولية، لكن نظرات الحزن تطل من عينيها.
هذا الأداء الذي يكشف عن قدرة الممثلة على معايشة الشخصية، يؤكد أننا أمام موهبة جامحة ستكبر وتنضج لتصبح من أهم الممثلات في السينما المعاصرة.