محمّد النغيمش - الكويت - " وكالة أخبار المرأة "

جمعني حديث مع محقق عربي في النيابة العامة عن مدى استفادتهم من الفروقات البيولوجية بين الجنسين خصوصاً التي تتفوق فيها المرأة على الرجل، مثل ملاحظة التفاصيل. فقال، حينما يتعلق التحقيق بشرح تفاصيل المكان وأوصاف المتهمين، فإننا نهتم كثيراً بما تقوله المرأة. فهي تلاحظ دقائق أوصاف المجرم، وملامح وجهه، ولباسه، وشعره، بشكل يفوق ما يتذكر الرجال في حالات كثيرة.
ويبدو أن ولع المرأة بالتفاصيل ليس مرتبطاً بحالة خوف تعيشها، فهي كذلك حتى في أتراحها وأفراحها. وأذكر جيداً تقريراً نشر عن كيف انشغلت ملكة بريطانية التي كانت في عمر 85 عاماً، بالاستعداد لاستقبال أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح عام 2012 في حفل عشاء كبير أقيم على شرفه في قلعة وندسور العريقة، على هامش «زيارة دولة» كان يقوم بها. فبدأت الملكة إليزابيث تشرف بنفسها على ترتيبات العشاء الملكي لتتأكد من تفاصيل الاستعدادات، بما في ذلك مكان جلوس كل شخص من كبار المسؤولين والدبلوماسيين على المائدة الطويلة التي تتسع لـ170 مقعداً. واطمأنت على أن توزيع باقات الزهور على جانبي الطاولة كان يتسم بحسن الترتيب والجمال، وتفقدت أيضاً بنفسها الطاقم الخاص بخدمة الضيافة خلال المأدبة، حسبما قرأت في تصريح مسؤولة الإعلام في القلعة. والغريب أنها تفعل ذلك مع أن لديها طاقم ضيافة محترفاً يقدم دوراته التدريبية لأرقى المطاعم والفنادق الكبرى في إنجلترا.
أتخيل دائماً مصير مليارات المنازل ومثلها الأطفال حينما لا يكون هناك من يهتم بتفاصيل شؤونهم المنزلية وحياتهم، أي فوضى ستدبّ في بيوتنا؟ أتذكر ذلك الوزير الخليجي الذي قال لي إنه هرع إلى موعد مهم فعاد إلى غرفته بعد ملاحظة ابنته الصغيرة بأنه يرتدي جرابين غير متناسقين، بنياً وأسود! واضح أن هذه الطفلة تتهيأ لعالمها المليء بالتفاصيل.
إن عدم إدراك أهمية حب المرأة للتفاصيل يدخل الرجل معها في مشكلة حوارية يومية. فحينما تسأل الرجل سؤالاً مفتوحاً: «كيف كان حفل الزفاف أو العشاء؟»، يجيب باقتضاب: جيد. هنا تثور ثائرة المرأة لأنها تشعر بأنه لا يرغب في الحديث معها. مشكلة خلافات الرجل تكمن في أنه يجيب عن أسئلة المرأة المفتوحة، التي تبدأ بكيف، ولماذا، بإجابات مغلقة كتلك الأسئلة التي تبدأ بأين، ومتى، ومن، وهل.
السؤال المفتوح وجد ليفتح قريحة المرء للتوسع في إجابات تفصيلية، مثل: ما رأيك بكذا؟ وهو عادة ما تميل إليه النساء بحكم أن الأمور العاطفية تدور في فلك تلك الأسئلة. الأمر الذي يختلف اختلافاً كلياً عن من قال كذا؟ أو متى بدأ الحفل؟
وهذا لا يعني أن المشكلة تنحصر في الرجل فقط، بل يتوقع من المرأة المولعة بالتفاصيل مراعاة الحالة المزاجية للذكور. فمن الرجال من إذا جاع لم يأنس لحديث حتى يشبع. وربما لهذا قيل في المثل الشهير «أقرب طريق إلى عقل الرجل... معدته». وقد رأيته رائجاً في أكثر من بلد وفق ما قرأت في كتاب للأمثال العالمية.
المناطق المسؤولة عن العاطفة في دماغ المرأة أضعاف تلك الموجودة في دماغ الرجل، وهو ما يثير لديها اهتماماً ملحوظاً، وربما مبالغاً فيه، بآراء الناس، الأمر الذي ينعكس على عنايتها بتفاصيل شكلها وهندامها وحذائها. ولذا، فهي تستغرق وقتاً طويلاً أمام المرآة قبل خروجها من المنزل. ثم يأتي رجل بكل بساطة ويقبحها!
صحيح أننا قد نتوه مع المرأة في متاهة حبها للتفاصيل. لكن أي منصف لا يستطيع أن يتخيل الحياة ولا فريق عمل فعالاً لا يولي أحد أطرافه أهمية للتفاصيل. وما الحياة سوى مجموعة من التفاصيل الدقيقة.