خيري منصور - الأردن - " وكالة أخبار المرأة "

اثنان في عالمنا العربي عدوهما من صلبهما، هما المرأة التي تعي كينونتها وتبلغ رشدها التاريخي، والمثقف العضوي الأصيل الذي يدفعه وعيه المفارق للسائد إلى إعلان العصيان على تعاليم القطعنة، فالمرأة التي تحاول التغريد خارج السرب، تكون عرضة لهجوم بالغ الشراسة من بنات جنسها، اللواتي تأقلمن مع بيت الدمية كما يسميه الكاتب هنريك أبسن، وفي معظم المرات التي تعرضت فيها نساء انتفضن ضد الشروط الاجتماعية التي تحاصرهن للنبذ، كانت نساء أخريات من ذوات الطروحات التقليدية الداجنة، أسبق من الذكور لحصارهن وتأويل مواقفهن أخلاقيا، بحيث يتعرضن لإساءة السمعة، خصوصا في مجتمعات، من أبرز آفات تخلفها، كما يقول مصطفى حجازي، اختزال المرأة من إنسان إلى أنثى ومن أنثى إلى وظيفة، لأن المرأة التي قبلت بالاختزال إلى مجرد وظيفة ترى في أي امرأة أخرى تبحث عن إنسانيتها المهدورة عدوا، فهي تكشف عبوديتها واندحارها تحت سطوة ذكورية تدججت بأوهام التفوق التي أثبت التاريخ بطلانها.
وحين شاركت النساء في ثورة مايو/أيار عام 1968 وأحرقن بعض ملابسهن التقليدية احتجاجا على القهر والزجر، كان ذلك تعبيرا رمزيا عن ثقافة مضادة، سوف تتعمق وتتأصل بمرور الوقت، ولم يخطر ببال أولئك النساء قبل نصف قرن أن بعض بناتهن، أو حفيداتهن سوف يرأسن جمهوريات، ويتولين مناصب وزارية كانت حكرا على الذكور كوزارة الدفاع، وقد يكون من المفارقات في تاريخنا أن من قاد حركة تنويرية لتحرير المرأة كان رجلا هو قاسم أمين، وقد تعرض الرجل لإساءة فهم ولم يسلم من اعتداءات الرجال والنساء عليه، ويذكر أن رجلا اقتحم عليه بيته وقال له: إذا كنت جادا في ما تقول عن المرأة وحقها في التطور، فابدأ من أهل دارك. ومن الواضح أن هناك شهوة بدائية ترشح من كلماته، وكأنه يريد من قاسم أمين أن يتيح له فرصة الاعتداء على نساء عائلته.
أما النموذج العربي الآخر الذي كان عدوه من صلبه ومن صميم مهنته فهو المثقف، لأن الأمي أو الجاهل لا شأن له بهذه الحرب، وقد يقبل أو يرفض أطروحة ما كما حدث لطه حسين وعلي عبد الرازق، ومن بعدهما لنصر أبو زيد والسيد القمني وصادق العظم وآخرين، لكنه لا يرتدي قناعا كي يطرح نفسه ندا للمثقف، شأن هؤلاء الأشباه الذين طالما استخدمتهم الأنظمة السياسية الاستبدادية سياطا ضد المثقفين، فالرقيب منهم، وكذلك الموظف الذي لا يفرق بين الثقافة ودائرة الجمارك.
وما كان للنظم السياسية ودوائر استخباراتها أن تهتدي إلى ضحاياها من المثقفين الأحرار لولا الكلاب السلوقية وما لديها من حاسة شمّ حادة ومدربة، بحيث تحزر أحيانا حتى النوايا.
وإذا كانت النظم التوتالية أو الشمولية قد عرفت مثل هذه النماذج، فإن ما حدث في ثقافتنا المعاصرة تفوق عليها، لأن المثقف الحقيقي غير مرغوب فيه، وفي أحسن الحالات ينظر إليه على أنه عبء على القبيلة، وأحيانا يوصف بأن الكلب الذي ينبح عليها لكنها تسير، لكن ما من أحد يسأل إلى أين تسير؟ وقد تكون قاب قوسين أو أدنى من الهاوية، والمثقف العربي الباقي على قيد وعيه وضميره معاناته مزدوجة، فهو يسحق بين مطرقة النظام السياسي سندان الأمية، بحيث يسهل تهييج الرأي العام ضده،، وهذا ما حدث لواحد من أبرز الكتاب العرب، والحائز جائزة نوبل، نجيب محفوظ حين تعرض للذبح أمام منزله، ورغم نجاته إلا أنه لم يستطع ان يكتب حرفا واحدا بيده التي طالما كتب بها عشرات الأعمال، بسبب الإصابة البالغة في عنقه. ونتمنى أن يجازف صحافي عربي بإجراء حوارات عن الثقافة مع ساسة وجنرالات من العرب، ليرى كيف ينظرون إلى الثقافة وما إذا كانت لهم أي صلة بها، عندئذ ستكون معرفة السبب إبطالا للعجب.
ومنذ ربطت عربة الثقافة بخيول الإعلام ومن ثم ببغالها، اختلط الشحم بالورم، ولم يعد فك الاشتباك ممكنا إلا لعدد قليل من الناس الأكثر وعيا لكن الذين لا صوت لهم، لأن ما يقولونه أشبه بالهمس في سوف النحاسين. والربط بين نموذجين هما المرأة والمثقف ليس متعسفا لهذا نرى إن من أولويات المثقف الأصيل حرية المرأة، ويسعى بأدواته المتاحة إلى تكريس هذا الحق، بعكس ذلك السلوقي الذي يلعب دور الدوبلير أو الشبيه، الذي يتغنى بحرية المرأة في مناسبات إعلامية منزوعة المحتوى، لكنه يتجاوز أحمد عبد الجواد بطل ثلاثية نجيب محفوظ في ممارساته.
المثقف والمرأة وليس ما يشبههما الضحيتان البليغتان في ثقافة تفترسها الأمية! ومنظومة مفاهيم رعوية أفقدها التاريخ صلاحيتها وتحولت إلى معلبات سامة.