موسكو - سامر إلياس - " وكالة أخبار المرأة "

أتمنى أن تستضيف روسيا مونديالاً في كل عام، يقول سائق سيارة أجرة في موسكو، ويؤكّد صاحب مقهى في مركز المدينة أن أرباحه تضاعفت مرات عدة لأن العمل تواصل نهاراً وليلاً. وفي حين حقق فاسيلي حلم حياته بحضور نهائي كأس العالم لكرة القدم، وجدت كريستينا نصفها الآخر بعد قصة حب رومانسية مع مشجّع حضر من وراء المحيطات لتشجيع منتخب بلاده، لتثير جدلاً واسعاً، كان بدأ قبل المونديال، حول علاقة الفتيات الروسيات مع الأجانب، وطاول الجدل دور المرأة في المجتمع.
لكن الفرحة باستضافة المونديال والأمنيات باستمراره إلى ما لا نهاية لا تقتصر على هؤلاء، فقد اختبر ملايين الروس تجارب جديدة مع توافد مئات الآلاف من المشجعين إلى مدن لم تألف من قبل مشاهدة هذا الكم من السياح الأجانب.
على عكس المخاوف والتحذيرات السابقة، استطاعت روسيا تنظيم واحد من أنجح المونديالات، ولم تُسجل أي حوادث أمنية كانت تقلق الحكومة الروسية ونظيراتها العالمية على حد سواء. وخرج معظم المشجعين بانطباعات مختلفة عن هذا البلد تخالف ما يرد في الصحف الغربية، أو تلك التي ترسّخت في الأذهان حول روسيا السوفياتية أو روسيا أثناء فوضى التسعينات من القرن الـ20. أحد المشجعين العرب قال: «تحديّت أهلي الذين كانوا يخشون علي من مافيات روسيا التي تقتل من دون رحمة. وبعد ساعات من حضوري إلى موسكو تبدد شعور الخوف واكتشفت أني أزور بلداً ينعم بالأمن والاستقرار، وفيه نظام نفتقده في بلداننا».
مشجع عربي آخر لم يلمس أن الشعب الروسي فقير كما تروّج وسائل الإعلام الغربية. ويشير إلى وجود فروع لمعظم الشركات العالمية في مجال الإلكترونيات والملابس والعطور وغيرها. أما أحد المشجعين الدانماركيين فيقول: «كنت أتوقّع أن اذهب إلى دولة بوليسية يحصى فيها عدد خطواتك، وأن أتعرّض لمضايقات بسبب الأزمة السياسية بين بلداننا الأوروبية وروسيا».
ويؤكّد كاسبر الذي زار ثلاث مدن لتشجيع منتخب بلاده، أنه سيزور روسيا مرة أخرى مع عائلته، لأن «شعبها طيب وفيها أماكن رائعة وهي بلد آمن لا يُقتل فيها الناس في الشوارع لأنهم أجانب».
أما فاسيلي (40 سنة)، فقال إنه حقق حلم حياته بحضور نهائي المونديال. وعلى رغم أن الأداء القوي للمنتخب الروسي جذب روساً كثراً لحضور المباريات وتشجيع منتخب بلادهم، فإن فاسيلي ومعظم الروس لا يعتقدون أن بلادهم بسبب مناخها القاسي يمكن أن تقارع أقوياء العالم للفوز باللقب في المستقبل، ومقتنعون بأن «المونديال لن يزيد أعداد مزاولي كرة القدم على المدى البعيد في بلد الثلوج».
ويبدو أن روسيا استطاعت توظيف المونديال لمسح صور نمطية كثيرة سابقة عنها في أذهان الأجانب. فقد خصصت بلايين الدولارات من أجل تحسين البنى التحتية، وابتكرت نظاماً مسهّلاً لمنح التأشيرات، وقدّمت تسهيلات كبيرة لتحرّك ضيوف المونديال الأجانب، ودرّبت مجموعات من الموظفين والمتطوّعين للتحدّث بلغات أجنبية مع المشجعين لمساعدتهم.
وعلى رغم الجدل من جدوى المونديال اقتصادياً على البلاد، فقد استفادت قطاعات السياحة والخدمات المرتبطة بها كثيراً، مثل النقل والمطاعم ومحلات الهدايا التذكارية. وتؤكّد ماريا العاملة في مجال السياحة الداخلية، أن «أهم فائدة من استضافة كأس العالم أن الأجانب تعرّفوا إلى أن روسيا لا تقتصر فقط على موسكو وسانت بطرسبورغ وإلى حدّ ما سوتشي(...). ضيوف المونديال تعرّفوا إلى 11 مدينة في مناطق مختلفة وكلها يمكن أن تكون وجهات ممتعة للسياح».
مفعول الابتسامة
وبعيداً من الاقتصاد والأرقام، يتمنّى ملايين الروس استمرار المونديال بأجوائه، وسهراته حتى الصباح التي ضمّت مشجعين من مختلف بقاع المعمورة، ما منح كثراً منهم فرصة للتعرف إلى ثقافات وعادات مختلفة.
ناديا (45 سنة) لا تهوى كرة القدم أو أي من الألعاب الأخرى، لكنها ترغب بأن تستضيف موسكو ومدن أخرى فعاليات رياضية لأنها «فرصة من أجل استمرار السلطات بالتسامح والتعامل بلطف مع الناس، فقد بات أفراد الشرطة أكثر لطفاً بالتعامل مع الجميع، يوزّعون الابتسامات حتى على السكارى وهم ينقلونهم مخفورين من دون إشباعهم ضرباً». وترى أن «المونديال أعطانا فرصة للهروب من واقعنا القاسي وتجربة كيف يمكن أن تسير الأمور في مجتمعنا من دون قسوة أو عنف، وأن للابتسامة مفعولاً سحرياً، وأننا نستطيع الالتزام بالنظام والنظافة ذاتياً من دون العنف والقوانين القاسية».
وفي مجتمعات صغيرة كالمدن التي شهدت إقامة مباريات والتي لم تعتد على استضافة أجانب، كانت فرصة أمام الروس لإعطاء صورة عن ثقافتهم وطباعهم «الحقيقية»، كما تقول ناستيا من فولغاغراد، التي قررت قبل كأس العالم تعلّم اللغة الإنكليزية لـ «مساعدة ضيوف المونديال والتعرّف إلى ثقافاتهم المختلفة وطرق معيشة الشباب في البلدان الأخرى، وإعطاء صورة حقيقية عن ثقافة روسيا العظيمة».
وشكل حضور مئات الآلاف من الأجانب فرصة لا تعوض لملايين الشباب الروس، خصوصاً في المدن الصغيرة للحديث معهم للمرة الأولى وتأسيس صداقات، ومناقشة هموم مشتركة تتجاوز محاولات الساسة التفريق بين الشعوب على أساس العرق أو الدين أو سواه. فعلى رغم انفتاح روسيا على العالم منذ نحو ثلاثة عقود، فإن تراجع مستويات الدخل في المناطق البعيدة عن موسكو وسانت بطرسبورغ لم تمنح كثراً فرصة السفر إلى العالم الخارجي، ولعب انهيار الروبل والعقوبات الغربية في الأعوام الأخيرة والعلاقات المتردية مع الغرب، وحديث وسائل الإعلام عن تصاعد الكره للروس دوراً في عزوف القادرين مادياً عن التوجّه إلى الخارج. وفي هذا الإطار، كسر المونديال حواجز كثيرة عند الروس وضيوف المناسبة، ما قد يساهم في بناء علاقات أوثق وعدم الاكتراث كثيراً بأحاديث الإعلام والساسة.
جرس إنذار
بعد نحو شهر على تعارفهما، قرر المكسيكي ميغيل الزواج من الروسية كريستينا. خبر كان يمكن أن يمر من دون ضجة في بلد يشغل سدس مساحة اليابسة. وسائل إعلام روسية نقلت عن صحيفة «لا كرونيكا» المكسيكية نبأ قرار المشجع المكسيكي ميغيل الزواج من خبيرة التجميل المسكوفية كريستينا بعد شهر من تعارفها.
كريستينا قالت إن «كأس العالم يجب أن يصبح جرس إنذار للرجال الروس الذين يتعاطون الكحول والتبغ بشراهة للاهتمام بصحتهم وتصرّفاتهم، من أجل ألا تقرر فتيات أخريات السفر مع رجال أجانب»، وأشارت إلى أن «طريقة تعامل الأجانب مع الفتيات مختلف تماماً، فهم مؤدّبون وطيبون».
القصة الرومانسية وغيرها من قصص تعارف الشابات الروسيات مع أجانب، أحيت جدلاً قديماً في هذا البلد حول زواج الفتيات من الأجانب في مجتمع ذكوري محافظ، وطرح تساؤلات جدية فيه عن دور المرأة وحقوقها.
وغصت مواقع التواصل الاجتماعي بعبارات قاسية شديدة اللهجة رفضاً لبناء أي علاقة بين الروسيات والأجانب. وذهب بعض المعلّقين إلى أن «علاقة نساء روسيا مع الأجانب تنسف الأسس الأخلاقية للبلاد وتهدد البنية الجينية للأمة الروسية». ساسة روس كانوا حذّروا قبل بداية المونديال من إقامة علاقات حميمة مع المشجعين الأجانب، لكن الطامة الكبرى أن أقوى التحذيرات جاء من رئيس لجنة الأسرة والنساء والأطفال في مجلس الدوما (البرلمان) تامارا بانيفا، فالبرلمانية الشيوعية «نصحت الفتيات الروسيات بتجنّب العلاقات الغرامية مع الأجانب إذا لم يكنَّ راغبات في البقاء وحيدات مع طفل بعد تسعة شهور»، مشددة على أن «المشكلة ستكون أكثر صعوبة في حال كان الرجال من عرقيات أخرى».
وفي حين ساندت مئات الفتيات على وسائل التواصل الإجتماعي موقف كريستينا، واعتبرن أن الأمر حرية شخصية لا يمنعها الدستور، وأن المجتمع يجب أن يتخلّص من قيّمه البالية القديمة التي تحدّ من حرية النساء، وتمنح الرجال القيادة والتحكّم بمختلف الشؤون. كريستينا، وعلى رغم أنها رفضت الكشف في حديثها للصحيفة المكسيكية عن اسم العائلة أو أي تفاصيل إضافية عن تعارفها مع ميغيل، عازية ذلك إلى أنها «قضايا خاصة، فضلاً عن أنها قد تؤدّي إلى تقبلها في شكل خاطئ من قبل مواطنيها»، تعرّضت لحملة قاسية في وسائل التواصل نظراً لقرارها الاقتران بأجنبي.
لكن الواضح أن تأثير المونديال على المجتمع الروسي لن يكون محدوداً، ولن يقتصر على جوانب محددة، على رغم أن روسيا كانت استضافت تظاهرات رياضية دولية كبيرة، لكنها ليست بالحجم عينه، فدورة الألعاب الأولمبية في عام 1980 شهدت مقاطعة غربية، وكانت البلاد تحت الحكم السوفياتي المغلق، ودورة سوتشي الشتوية عام 2014 كان أثرها محدوداً جغرافياً وكذلك من ناحية عدد المشجعين.
لكن اختلاط الروس في مدن كثيرة مع مئات الآلاف لا بدّ أن يجلب تغيّرات تساهم تدريجاً في التغيير.