سعاد محفوظ - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

يظن الكثيرون الذين يحلمون بالسفر إلى الغرب أن جوازات سفر الدول العربية لا تجد الاحترام الكافي سواء أكان ذلك في الخارج، أم في أوساط الأشقاء العرب، بالإضافة إلى وجود فرص للتعليم أفضل بالنسبة للأبناء، كما أن مستوى الحياة الإجتماعية ككل يعتبر أكثر أمنا واستقرارا. لكن يظل التساؤل عما إذا كانت هذه الرؤية للحياة في الغرب صحيحة وصائبة أم يعتريها جانب من الأوهام؟
قالت زوجة مصرية الجنسية -تعمل في مجال السياحة، ويعمل زوجها محاسبًا، رفضت ذكر اسمها- إنها ستسافر للمرة الثانية للولادة في أميركا بمرافقة والدتها في هذه الرحلة التي تستمر مدة 90 يومًا بينما يظل زوجها في مكان عمله.
وتحدثت عن سبب سفرها للولادة هناك قائلة ”جواز السفر الأميركي وتعليم الأبناء فرصة لنا كي نسافر ومن الممكن أن نستقر مستقبلاً في أميركا، وقد يرى البعض أن هذا دليل على عدم الانتماء، هذا صحيح، وأنا سعيدة جدا بجنسيتي المصرية ولكن ما دفعني إلى ذلك أن بعض صديقاتي أقدمن على هذه التجربة. وعندما فكرت فيها وجدتها جيدة، فلماذا لا أنفذها؟ وهذا ما حدث”.
ويقول محمود الشناوي (40 عاما ) -موظف- “ظللت أحارب بعد تخرجي في الجامعة للسفر إلى أميركا، وبوسائل كثيرة وصعبة استطعت السفر واشتغلت سائقا لإحدى سيارات لموزين التابعة لشركة كبيرة وكنت سعيدا لا سيما بعد أن تزوجت هناك من امرأة تحمل الجنسية الأميركية وأخذت أخطط لأحلامي والمستقبل الرائع، ومرت السنوات دون إنجاب أطفال حيث كانت زوجتي تعاني من العقم وحمدت الله وقلت أستمتع بالحياة الأميركية، وكان راتبي وراتب زوجتي بالكاد يغطيان نفقات المعيشة حتى أنني فكرت في عمل إضافي بعد عملي الأساسي كسائق”.
وأضاف “توفيت زوجتي هناك وقررت أن أتزوج بمصرية تعيش معي في أميركا، وحينما صارت في شهور الحمل الأولى سافرت إلى أميركا لتلد هناك مولودنا الذي سيصبح أميركيا، ورغم ذلك مازلت أشعر بأني غير سعيد ، إلى أن جاء اليوم الذي أنهت فيه الشركة أعمالي بسبب حاجتها إلى التخلص من بعض الموظفين، حينها عدت إلى مصر”. وتابع “لم نستمتع -أنا وابني- بمزايا المواطنة، وكانت سنوات عمري في أميركا ضياعا تاما، فلا أملك شقة في بلدي وأعيش مع أمي في شقتنا القديمة بعد وفاة أبي وزواج إخوتي؛ هم يملكون شقق تمليك وأنا أمتلك جواز سفر أميركيا بلا جدوى؛ فماذا أفعل به؟”.
وأوضح الدكتور عبدالعزيز الطحاوي -أستاذ الدراسات والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- قائلا “السفر إلى أميركا في حد ذاته كان يمثل حلما جميلا وأموالا تتدفق عليك، ويكفي أن تقول للجميع إنك مواطن أميركي، ولكن لم يعد هذا الحلم يمثل طموحا كبيرا لدى الكثير من الشباب العرب ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لقد قابلت وأنا أدرس في أميركا شبابا عربا يعملون في جميع المجالات والمهن، ولكن هل هم سعداء؟”.
وأشار إلى أن الظاهرة الأخيرة التي بدأنا نشهدها منذ فترة هي سفر نساء عربيات كثيرات إلى الولايات المتحدة الأميركية في الأشهر الأخيرة من الحمل، من أجل الولادة هناك لإكساب المولود الجنسية الأميركية، فالأم تحصل على تأشيرة الزيارة قبل أن تبدو عليها بوادر الحمل، وتتريث بضعة أشهر، لتنطلق إلى هناك.. لماذا؟ لأنَّه في الظروف الصعبة يساعد جواز السفر الأميركي صاحبه في الوطن العربي أيضًا، ويمنح أهل حامله فرصة الحصول على البطاقة الخضراء (جرين كارد) مستقبلاً، وبعدها اللحاق بركب الحاصلين على الجنسية.
وأوضح أن هذه الظاهرة ليست محصورة بجنسية عربية معينة لها وضع خاص، ولا تقتصر على الفقراء، بل هي في الواقع طموح أصحاب المال، وحتى الفنانات اللاتي جمعن ثروات من التمثيل والرقص والغناء يعتقدن أن مستقبلهن في الوطن العربي غير مضمون، ويذهبن إلى أميركا للولادة هناك، والحصول على جواز سفر أميركي.
ويضيف الطحاوي “يقول آباء وأمهات الأطفال الذين يولدون بهذه الطريقة: إن الولادة في أميركا تحقق لهم فرصة الإقامة هناك مستقبلاً مع أولادهم، وتأمين مستقبل الأبناء. ويتمادى آخرون بقولهم: إنها وسيلة ليعيش الأبناء في مجتمع ‘الحرية والديمقراطية”.
ونبه قائلا “لكن معارضي هذه الظاهرة يؤكدون أن هذا الكلام ما هو إلا وهم كبير وأن المجتمع الأميركي لا يتمتع بالحرية التي يتبجّح بها ويتناسى المشكلات الضخمة التي تتعرض لها الجاليات العربية هناك على الرغم من وجودها في أميركا منذ خمسين عامًا أو أكثر، حيث تعيش مشكلة أكثر خطورة مع أبنائها الذين ولدوا ونشأوا في مجتمع يختلف تمامًا عن مجتمعاتنا”.
وتحدد الدكتورة منى عبدالمحسن -أستاذة علم الاجتماع- عوامل مختلفة تقف وراء كل هذه الحالات، فتقول “تُريد الأم أن تضمن لأولادها حياة أكثر أمانًا، وعلى الرغم من حالة الاستقرار المادي والنفسي التي تتمتع بها بعض الأسر إلا أن الأوضاع السياسية في بعض الدول العربية خاصة التي عانت مؤخرا من ثورات وحروب تدفع الأم للذهاب إلى أميركا حتى تحصل على الجنسية”.
وتتابع “هناك فكرة تعزز السفر للولادة في الولايات المتحدة، وهي أن أميركا بلد الحرية والديمقراطية، وهذا الكلام حلم كاذب، لأن الديمقراطية غائبة في أميركا أيضًا، فأين حقوق السود مثلاً؟ ما زالت هذه الفئة على الهامش في المجتمع الأميركي حتى الآن، فما بالنا بالعربي الذي لا تربطه أي علاقة بالثقافة الأميركية؟ إنه يفقد الاستقرار النفسي، ولن تتحقق له الديمقراطية التي يحلم بها”.
وختمت “الشخص الذي يفكر في الاستقرار في الغرب إما كاره لعروبته ويبحث عن هوية أُخرى، وإما خائف على حياته ولكنّ بداخله انتماءً قويًا إلى عروبته وموطنه حيث يربي أولاده وفقًا للعادات والتقاليد العربية الأصيلة”.