رابعة الختام - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

 قررت نادية عبدالقادر الانطواء، فور أن تلقت خبر إصابتها بسرطان الثدي. اختارت السيدة الثلاثينية الانزواء ومقاطعة صديقاتها لتحاشي نظرات الشفقة في أعين المحيطين بها، بعد أن فقدت شعر رأسها بفعل تأثير جلسات العلاج الكيميائي، وعاشت في معاناة نفسية إلى أن عرفت طريق العلاج بالرقص في مصر، وهي طريقة علاجية حديثة أصلحت جزءا مما أفسده الكيميائي.
وتحسّنت حالة عبدالقادر النفسية جلسة بعد أخرى، وتبدل حالها من إنسانة يائسة منطوية، إلى أخرى محبة للحياة تسعى لمقاومة مرضها اللعين، وتتحداه بحركات راقصة، تتمايل وتحرك عضلات جسدها العليل كي تثبت أنها أقوى من المرض.
وأكدت أن جلسات العلاج الراقص لا تقل أهمية عن العلاجات الطبية، وحققت نتائج لم تكن تتخيلها. مضيفة “عندما سمعت عن هذا العلاج استهنت به، ولم أتجاوب مع من نصحوني، واعتبرت المسألة من قبيل التجارة أو التسلية، أو تحسين الحالة النفسية وكفى، لكن تظل آثار المرض مستمرة”.
وتبنّت بعض المؤسسات الأهلية في مصر تجربة العلاج بالرقص بمفهومه الحداثي للعديد من الأمراض، خصوصا دعم مريضات سرطان الثدي، وهو ثاني أخطر أنواع السرطانات التي تؤدي إلى الوفاة، وتعمل المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدي للسيدات، وهي إحدى مؤسسات المجتمع المدني على اعتماد برنامج لياقة بدنية كولومبي، معروف برقصة “زومبا”، كوسيلة علاج غير نمطية، تسير جنبا إلى جنب مع التداوي بالإشعاع.
وأوضحت عبدالقادر أن الرقص يصلح أحيانا ما أفسدته جلسات العلاج الكيميائي ويعزز الثقة بالذات، لا سيما وأن المريض يعاني هزة نفسية فور تلقيه خبر الإصابة بالمرض، وأنها لم تتقبل الوضع بسهولة، وظلت لفترات طويلة تتحاشى الحديث عن مرضها، ومع بداية تلقي جلسات الإشعاع وتساقط شعرها، زادت حالتها النفسية سوءا، وكادت تدخل في مرحلة اكتئاب.
وتتنوع برامج العلاج بالرقص بحسب حالة المريض، وهو ما أوضحه أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة يحيى الرخاوي، قائلا “استخدام العلاج بالرقص لتحسين القدرة على التعبير العاطفي لدى مرضى الفصام مثلا يختلف جذريا عن البرنامج العلاجي لمرضى التوحد الهادف إلى تحسين قدرة الاستجابات اللفظية التلقائية أو لمن يعانون صعوبة في التواصل مع المحيطين”. 
ونوّه الرخاوي، وهو مؤسس إحدى أشهر مؤسسات العلاج النفسي في مصر، والتي تعتمد في برامجها العلاجية على الرقص الحركي الارتجالي الحر، إلى أن نجاح العلاج بالرقص يتوقف بشكل كبير على مدى استجابة المريضة للخضوع له، ومدى إيمانها بقدرته على تقديم حلول علاجية.
وأشار إلى سهولة تقبل مريضات سرطان الثدي للعلاج بالرقص الحركي والتجاوب معه، وحقق ذلك نتائج مبهرة لهذا النوع من العلاج، وفتح أفقا جديدا لعلاج أحد الأمراض المستعصية.
ويعتبر الرقص وسيلة جيدة لإخراج الطاقة المكبوتة، ومعروف أن الفتيات والسيدات يرقصن لتعديل حالتهن المزاجية إلى الأحسن، ويحدث ذلك حتى أمام المرآة في غرفهن، لذلك فهو يخلص المريضة من الضغط النفسي ويفجر طاقتها الإيجابية والإبداعية أيضا، وهو ما تكون له تأثيرات عضوية تساعد على الاستشفاء. وتختلف برامج العلاج، بحسب الحالة المرضية، فمثلا مدربة الرقص علا سالم تعتمد على الرقص الحر الارتجالي، ولا تفضّل فرض حركات محددة تحد من حركة الجسد، وتجعل المريضة وكأنها تؤدي عملا روتينيا.
ولفتت إلى أن فلسفة العلاج بالرقص تكمن في تحريك جميع أعضاء الجسم بشكل طبيعي، ليعود بالنفع على المريضة ويمنحها طاقة إيجابية وسلاما داخليا يفرغان جميع الشحنات النفسية السيئة والطاقات السلبية ويمنحانها الأمل في الانتصار على المرض.
ولأن هناك ارتباطا بين المشاعر والحركات الجسدية، فقد أصبح الرقص إحدى أهم الأدوات في علاج بعض الأمراض النفسية والعصبية والسلوكية، فضلا عن أمراض عضوية كثيرة على رأسها سرطان الثدي.
وهو ما أكدته مدربة الزومبا مها فريد، مشيرة إلى أن تلك الرقصة الإيقاعية تساعد على إكساب الجسد ليونة وتعمل على تسريع عملية حرق السعرات الحرارية وتقوية عضلات القلب، مؤكدة أن العلاج بالرقص يعتمد على مدى إدراك الإنسان لحركة جسمه، واكتشاف نفسه من خلالها، ولا يتطلب احترافية في الرقص، بل حب الذات ومحاولة إنقاذها من المرض، كما يتيح للمريضات سبل التعبير عن مشاعرهن.
ولم تقتصر أهمية هذا النوع المستحدث من العلاج على تحسين الحالة المزاجية للمريضات، لكن له فوائدة اجتماعية مهمة، بتكوين صداقات جديدة وتنمية مهارات التواصل، وبالتالي فقد خرج الرقص من فكرة تمايل للجسد يلفت إليه الأنظار، إلى أسلوب علاجي قدمه أطباء النفس للتواصل بين العقل والجسم واستخدام الحركة للتواصل مع النفس.