تحقيق: يمينة حمدي - " وكالة أخبار المرأة "

تتعرض الملايين من النساء إلى التعنيف النفسي في وسطهن الاجتماعي والأسري، إلا أن هذا الشكل من العنف ليس من السهل على الضحايا إثباته، في ظل غياب الكدمات الجسدية التي تشكل دليلا ماديا يدين الجناة وينصف الضحايا.
ويمثل التحقير والسخرية والإهانة والتحرش والشتائم من أكثر أنواع العنف النفسي شيوعا، وإن كانت لا تترك آثارا واضحة على جسد المرأة، إلا أنها تخلف أضرارا نفسية طويلة الأمد من الصعب الشفاء منها.
وتكمن المشكلة بالنسبة لبعض المجتمعات في الاعتقاد الشائع بأن تأديب المرأة وتعنيفها أمر طبيعي، وحتى في الدول المتقدمة يصنّف هذا النوع من الاعتداء على النساء على أنه مجرد حالات شاذة من العنف الأسري، ولا يمكن القياس عليها، لذلك لا تؤخذ ضدها أي تدابير قانونية رادعة، وقلما توجد إحصائيات بشأنها، فضلا عن قلة الخدمات المقدمة للمعنفات نفسيا.
وتشير منظمة الأمم المتحدة إلى أن سبب المشكلة هو التمييز الممنهج الذي يمارس ضد المرأة قانونيا وعمليا واستمرار نهج اللامساواة بين الجنسين في معظم المجتمعات، وأن من بين آثارها إعاقة التقدم في مجالات عدة مثل القضاء على الفقر ومكافحة الأمراض المزمنة والسلام والأمن.
ورغم الجوانب السلبية الناجمة عما تتعرض له المرأة من عنف نفسي، فإن البعض ممن تحدثت إليهم “العرب” يرى أن الشتائم أو الإهانات التي تقع بين الأزواج أمر طبيعي، ولا تستحق رفع دعاوى قضائية بشأنها، وأنها مجرد أحد تجليات لغة التحاور والمشاكل التي تحدث في حياتهم الخاصة.
ويقول آخرون إن الحذر في انتقاء الألفاظ أمر ضروري، لأن المرأة التي تتلقى الإساءة اللفظية مرارا وتكرارا في حياتها، ليس كالرجل الذي يطلقها ضدها آلاف المرات، وهنا تكمن مشكلة العنف النفسي، فهذه الشتائم أو الإساءات اللفظية تتراكم مع الوقت وتتعاظم، وتسبب أعباء معنوية جسيمة للمرأة، ثم ينتهي الأمر بها إلى اختزان الألم في داخلها، ما يدفعها إلى ارتكاب أعمال عنف خطيرة ضد معنفها أو الإقدام على الانتحار.
و”العبء المعنوي” هو ذاك المصطلح الذي أطلقه علماء النفس ليصفوا به الجهد الذي تبذله المرأة للتعامل مع ما تتعرض له من أذى نفسي من أجل كبح انفعالاتها السلبية والظهور أمام العموم بخلاف ما تشعر.
ولا يقتصر العنف النفسي على عبارات مسيئة يتلفظ بها البعض، إنما يتجسد أيضا في شكل سلوكيات قد لا يعتبرها الكثيرون عنفا، وربما لا يطرأ على بالهم أنها كذلك.
وتواجه المرأة في المجتمعات الذكورية انتهاكات جماعية وفردية تنكل بها نفسيا، كالتزويج في سن مبكرة، وحرمانها من الميراث وإجبارها على الخضوع لفحص العذرية، وإخضاعها للختان وحرمانها من الدراسة والعمل.
كسر حاجز الصمت
ترى المستشارة النفسية السعودية نوف شفلوت أن العنف النفسي الذي تتعرض له المرأة متعدد الأشكال ومسكوت عنه اجتماعيا، محذرة من وقع هذا النوع من العنف على نفسيتها.
وأكدت شفلوت في حديثها أن المعاملة السيئة والاعتداءات اللفظية والإهانات والسلوكات البغيضة الناجمة عن الحسد والغيرة، يمكن أن تخلف للمرأة صدمات نفسية مثل القلق والاكتئاب المزمن واضطرابات ما بعد الصدمة، وهذه الاضطرابات ليس من السهل علاجها وإعادة التأهيل النفسي لكل من تعرض لها.
وشددت شفلوت على أن التعامل العدواني مع المرأة محرم شرعا ومنبوذ عرفا ويجب تكاتف الجهود لوضع حد له، داعية النساء المعنفات إلى عدم الصمت على حقهن وتتبع الجناة عدليا، حتى يردعن كل من تسول له نفسه الاعتداء على أي امرأة مستقبلا.
ومع أن معظم الدول العربية سنت في السنوات الأخيرة قوانين تجرم مختلف أشكال العنف ضد المرأة، إلا أن هذه القوانين مازالت عاجزة عن توفير الحماية اللازمة للنساء من هذا الشكل الخفي للعنف والممارس ضدهن على نطاق واسع.
وأكد الدكتور الصحبي بن منصور، مؤرخ تونسي، أن أخطر أنواع العنف هو العنف النفسي لأن نقيضه وهو الجسدي لا يستغرق إلا فترة العلاج والنقاهة، بينما العنف النفسي له آثار دائمة، ومن الصعب معالجتها.
وقال بن منصور “تعيش المرأة العربية عامة على وتيرة واسعة وعلى إيقاع شبه يومي للعنف النفسي، إما داخل الأسرة وإما في العمل والمجتمع. ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة منها أولا اعتبارها كائنا ضعيفا وتابعا للرجل، وهذه الصورة لا يمكن إنكارها، إلا أنه يقع في الغالب إخفاؤها باسم التحضر والمعاصرة، وتلك طبيعة سلوك المجتمعات الذكورية”.
واستدرك “لكن ذلك لا ينفي وجود حالات تواطؤ وصمت مجتمعي تخدم الرجل رغم ترسانة القوانين الحافظة لحقوق المرأة ولكرامتها وحرمتها الجسدية”.
وأضاف “لا يجب أن نغفل طبعا عن مصادر أخرى للعنف النفسي ضد المرأة، مثل التمييز على أساس جهوي أو فئوي أو أيديولوجي أو ثقافي أو اقتصادي… إلى جانب أن حرمانها من مواطن شغل رغم توفر الكفاءة أو الشهادة العلمية، هو شكل من أشكال العنف الذي يربك الحالة النفسية للمرأة وتكون له عواقب وخيمة ليس على جسدها فحسب وإنما أيضا على محيطها العائلي”.
وأوضح “ما ينبغي التأكيد عليه في هذا الصدد هو أن أخطر مصادر العنف النفسي المسلط على المرأة هو المتمثل في ابتزازها والضغط عليها في مراكز العمل، أي التحرّش الجنسي بها، إلى جانب محاولة تلويث شرفها عن طريق نسج الإشاعات وحبك المكائد المغرضة للنيل من سمعتها إما حسدا وإما انتقاما”.
وتابع “الدين الإسلامي انتبه إلى هذه الآفة فاتخذ ضدها حزمة من الإجراءات العامة والخاصة، منها ضرورة تجنب سوء الظن والنهي عن النميمة والفتنة والتحلي بروح التبين من الخبر الذي يصل من فاسق، حتى لا يصاب قوم بجهالة فيصبح المنجر وراء الخبر الكاذب نادما، ولنا في السيرة النبوية خير مثال على العنف النفسي الذي تتعرض له المرأة وتتوسع دائرة أذاه إلى زوجها ووالدها وبقية عشيرتها وأفراد مجتمعها”.
وعلل رأيه قائلا “أقصد حادثة الإفك التي استهدفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والتي برأها الله منها في سورة كاملة بالقرآن الكريم، ولهذا كان عقاب من يمارس العنف النفسي ضد المرأة تطبيق حدّ القذف عليه، مما يسلبه حقوقه المدنية مثل سقوط شهادته”.
السعودية تشهد قرارات ثورية في مجال حقوق المرأة
وواصل “للأسف ساءت أخلاق الناس وصار العنف النفسي مسلطا وبشكل يومي على المرأة سواء من خلال امتهانها في ومضات الإعلانات أو من خلال انتهاك خصوصياتها، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي التي لا تحكمها أي ضوابط أخلاقية. فكم من صديق أو صديقة ينشر لهذه الفتاة أو المرأة صورا في أجواء فرحة عائلية أو بين أصدقاء أو بملابس نوم أو حتى في حمام عمومي… بهدف تشويه صورتها أو سمعتها والدافع إلى هذا هو بلا شك الانتقام أو الحسد”.
 ودعا بن منصور إلى ضرورة مقاومة ظاهرة العنف النفسي ضد المرأة عن طريق تكريس الوعي بأهمية الأخلاق والمبادئ التي حث عليها الله تعالى في القرآن، بالإضافة إلى إيجاد أرضية تشريعية مفصلة ودقيقة تتصدى لهذا الصنف من العنف وتتخذ إجراءات ردعية لقمع كل من يحاول المس من حرمة المرأة وشرفها.
صدى أصوات الضحايا
لا توجد إحصائيات دقيقة حول حجم الظاهرة في أغلب البلدان، إلا أن صدى أصوات ضحايا العنف وصل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ومؤخرا انتشر على تويتر هاشتاغ #أنقذو_المعنفة_إيما_الزهراني، تضامن فيه العشرات من المغردين مع امرأة سعودية تعرضت للعنف الجسدي واللفظي على يد والدها.
وقالت المغردة عنود التميمي “لا يوجد مكان في العالم تخاف فيه المرأة من النظام والقانون أكثر من خوفها من المُعنف”.
فيما تعاطفت مغردة مع إيما بقولها “بالأمس تقف إيما مع ضحايا التعنيف واليوم هي الضحية وكذلك قد نكون نحن، مادام القانون متخاذلا ويعطي للذكور السلطة فهذا الشيء لن ينتهي ولن يتوقف، الموضوع صعب جدا بسبب المماطلة في حل مأساة النساء مع التعنيف وبلاغ التغيب الكيدي”.
وغرد عبدالله بن سعد آل معيوف قائلا “لا تزال وزارة العمل تقف شبه مشلولة في معالجة قضايا التعنيف! هذا التعاطي الضعيف مع هذه المشكلة المجتمعية العميقة سيفاقم المشكلة، ولن يحدث الردع لأصحاب القلوب المريضة، يجب معالجة الخلل أولا عند الجهات المعنية بالتعنيف قبل معالجة مشكلة التعنيف ذاتها”.
ورغم أن السلطات السعودية أقرت في عام 2013 قانونا يمنع كافة أشكال العنف الجنسي والبدني سواء داخل المنزل أو في مكان العمل، إلا أن ذلك لم يحل دون ارتفاع حالات العنف ضد المرأة.
ومع وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد، شهدت السعودية خلال السنوات القليلة الماضية قرارات ثورية في مجال حقوق المرأة.
لكن يبدو أن الحلول لا تكمن فقط في سن المزيد من القوانين، بل في وضع حد لنظام الوصاية الذي لا يزال يمثل عائقا كبيرا أمام تطبيق القانون.
وكانت الدكتورة مها المنيف، مديرة برنامج الأمان الأسري، قد أكدت في تصريحات سابقة لها أن معدل العنف ضد المرأة في السعودية متوسط مقارنة ببقية الدول العربية، قائلة “نسبة تعرض المرأة السعودية للعنف تقدر بـ40 بالمئة وتنحصر بين العنف الجسدي والسلطة والتحكم والعنف الاقتصادي والعنف النفسي”، ودعت المنيف إلى إلغاء نظام الوصاية، باعتباره السبب الرئيسي للعنف ضد المرأة.
وانتقدت منظمات معنية بحقوق الإنسان بشدة نظام الوصاية، الذي يعطي الولي حق التدخل في كامل تفاصيل حياة المرأة، ما يجعل الكثيرات عاجزات عن اتخاذ قرارات مصيرية بأنفسهن، وبسبب هذا النظام تتعرض العديد من النساء للإيذاء وللعنف، ويجبرن على تسليم رواتبهن إلى الأوصياء الذكور، أو يمنعن من الزواج أو يرغمن على الزواج بمن لا يرغبن فيه.
وترى الأخصائية الاجتماعية السعودية أماني عبدالرحمن العجلان أن المواقف الاجتماعية في السعودية مختلفة في طريقة التعاطي مع النساء، بل ومنقسمة حول مجموعة من القضايا المتعلقة بحقوق المرأة. وهذا ليس انقساما في صفوف المجتمع، بقدر ما هو تباين في الرؤى من منطقة إلى أخرى، وحتى من قبيلة إلى أخرى.
وقالت العجلان “العنف المادي والنفسي ضد المرأة ظاهرة عالمية، لكن بالنسبة للمجتمع السعودي، فالأمر ليس مستفحلا إلى درجة كبيرة، فقد اطلعت منذ سنوات على دراسة تؤكد أن نسبة العنف ضد المرأة السعودية هي دون متوسط المؤشر العالمي، وهذا راجع إلى أن الأغلبية العظمى في المجتمع السعودي تعامل المرأة بناء على ما جاء في القرآن والسنة وتعتبر نفسها مستوصية بالنساء خيرا”.
وأضافت “أود أن أشير إلى أن العنف ضد المرأة يختلف حسب المناطق، فمثلا في بعض المناطق السعودية مكانة المرأة عالية جدا وحقوقها وكرامتها مصانة، وفي مناطق أخرى العكس تماما، فقد تكون حقوقها منتهكة ووضعها النفسي مدمرا، وكذلك مثل هذا الأمر قد يختلف من قبيلة إلى أخرى من نفس المنطقة، فمثلا في قبيلة معينة ينظر إلى المرأة على أنها عار ويحرمونها حتى من الميراث، لكن أحيانا في القبيلة المجاورة لها يتنادى الناس بأسماء أمهاتهم أو أخواتهم”.
وأوضحت “النساء في بعض المناطق يتعرضن للظلم ويحرمن من أبسط حقوقهن لأسباب تتعلق بالفهم الخاطئ والمتشدد للدين، في حين تعامل المرأة بشكل عام في أغلب مناطق السعودية بكل تبجيل واحترام”.
وتابعت “أكبر المظالم التي تعرضت لها المرأة السعودية بالسابق هي النظرة السلبية لعملها في المجال الصحي التي سادت بسبب الفكر الصحوي خلال الثمانينات، إذ كان عمل المرأة كطبيبة أو ممرضة يعتبر عيبا كبيرا، وتحرم بسببه من الزواج، رغم أن كلية الطب كانت مفتوحة للفتيات منذ السبعينات”.
وشددت على أن سلسلة الأنظمة في السعودية ما قبل 15 عاما كانت قاصرة وغير داعمة لحقوق المرأة، وهو ما يجعل الكثيرات لا يتقدمن بشكاوى ضد المعنّف ويلتزمن الصمت، لأنهن يدركن تماما أن القانون كان لا يقف في صفهن، وتكمن المشكلة الأكبر في أنه من الصعب على المرأة أن تقاضي والدها أو شقيقها، احتراما للأعراف الاجتماعية، مما يجعلها تتحمل أحيانا أكثر من طاقتها بسبب ما تتعرض له من حيف أسري واجتماعي مضاعف.
واعتبرت العجلان أن جزءا من العنف المادي والنفسي الذي تواجهه المرأة قد تكون هي نفسها مسؤولة عنه بسبب التزامها الصمت إزاء ما تتعرض له من انتهاكات.
قصور في التشريعات
يرى البعض من الخبراء أنه ليس من السهل القضاء على العنف الممنهج ضد المرأة، في ظل وجود ثقافة التمييز ضد الأنثى والنظرة الدونية لجنسها، علاوة على التواطؤ المجتمعي الذي يحصن الجاني ويبقي المرأة رهينة لهذا العنف.
وأشارت المحامية السعودية أمل عمر إلى أن العنف النفسي يمكن أن يترك تبعات نفسية وصحية جسيمة على المرأة، مشابهة لتلك التي يتركها العنف الجسدي وربما أكثر بكثير.
وقالت عمر “تكمن خطورة العنف في شكليه المادي والنفسي في أنهما ينكلان بالمرأة وقد يصل الأمر إلى حد إزهاق روحها عمدا، كما هو الشأن في حالات جرائم (الشرف)، وذلك لأن بعض المجتمعات العربية تضمن في قوانينها تبريرات وأعذارا لجرائم الشرف من أجل تخفيف العقوبة على الجناة”.
وأضافت “هناك قصور في تشريعات وقوانين البعض من الدول العربية، إذ يغلب عليها التمييز وعدم المساواة بين الجنسين، ما يجعل المرأة دائما في موقع الضعف والرجل في موقع القوة، ورغم أن تلك الدول قد صادقت على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) إلا أن معظمها تتحفظ على بعض بنودها معلقة ذلك على عادات مجتمعها وخصوصيته وديانته”.
واعتبرت عمر أن القضاء عاجز عن تقدير تعويض الضرر النفسي، مؤكدة أن جبر الضرر يقتصر في الغالب على العنف الجسدي، في حين أن الضرر النفسي لصيق بالضرر الجسدي حتى وإن لم يتم إثبات ذلك من قبل الجهات المختصة.
ودعت عمر في خاتمة حديثها إلى إصدار قوانين وتشريعات تصون كرامة المرأة وتحفظ حقوقها وتحميها من جميع أشكال العنف، مشددة على ضرورة تمكينها في جميع المجالات أسوة بالرجل حتى لا تكون دائما في وضع الضعيفة فيتسلط عليها.