عمان - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

"اذا اقترب المتهم من المشتكية بعد أن سكبت مادة الكاز على نفسها وإمساكه للقداحة وإشعالها لعدة مرات بمحاذاة ملابس المشتكية والطلب منها أن تحرق نفسها ولم يمنعها من سكب الكاز على ملابسها فإن هذه الأفعال تشكل أركان وعناصر جنحة حمل إنسان على الانتحار خلافاً للمادة 339/ب من قانون العقوبات." هذا ما خلص اليه قرار محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 651/2007 هيئة خماسية والصادر بتاريخ 24/6/2007.
إن قرار المحكمة يؤكد على أن العنف ضد النساء والفتيات قد يدفع بهن الى الإنتحار أو محاولة الإنتحار، كما جاء في دراسة حديثة صادرة عن جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن" وبدعم من منظمة أوكسفام حملت عنوان "الإنتحار في الأردن من منظور النوع الاجتماعي" والتي سيتم نشر تفاصيلها تباعاً.
وتشير "تضامن" الى حادثة أخرى تمت في بداية عام 2013 في مدينة العقبة جنوب الأردن، حيث تم الادعاء بأن الفتاة أقدمت على الإنتحار بشربها مادة سامة وبوشرت التحقيقات الاولية وجمع المعلومات التي أكدت وجود خلافات عائلية بين المتوفاة وذويها ليعترف عندها شقيقها بقيامه بوضع مادة اللانيت السامة داخل كوب ماء وإجبار المغدورة على تناوله رغماً عنها لوجود خلافات عائلية فيما بينهما وبعلم والده.
هذا وأشار التقرير الإحصائي الجنائي لعام 2017 والصادر عن إدارة المعلومات الجنائية الى إرتفاع جرائم الإنتحار في الأردن خلال عام 2017 بنسبة 8.33% مقارنة مع عام 2016، حيث وقعت 130 جريمة خلال عام 2017 مقارنة مع 120 جريمة خلال عام 2016. علماً بأن الأرقام حول الجرائم أعلاه لا تعكس بالضرورة الأرقام الفعلية للجرائم المرتكبة، خاصة وأنها في مراحلها التحقيقية ولم يصدر بها أحكام قطعية عن المحاكم المختصة.
الإنتحار الكامل بين الإناث في الأردن خلال آخر 5 سنوات
أكدت إدارة المعلومات الجنائية (وهي الجهة الوحيدة التي لديها أرقاماً تفصيلية عن حالات الإنتحار ومحاولات الإنتحار في الأردن) على أن الأردن شهد خلال الأعوام 2012-2016 بحدود 527 حالة إنتحار منها 157 حالة إنتحار لإناث و 370 حالة إنتحار لذكور ( 29.8% لإناث و 70.2% لذكور).
فيما شهدت الـ 7 أشهر الأولى من عام 2017 حدوث 83 حالة إنتحار منها 27 حالة لإناث و 56 حالة لذكور (32.5% لإناث و 67.5% لذكور) ، وهو ما يشير الى إرتفاع نسبة الإناث اللاتي ينتحرن مقارنة مع معدل الخمس سنوات السابقة.
وبتوزيع عدد حالات الإنتحار بين الإناث حسب الفئات العمرية، فإننا نجد بأنه وخلال خمس سنوات (2012-2016) كانت الفئة العمرية 18-27 عاماً هي الأعلى حيث وقعت 57 حالة إنتحار وبنسبة  36.3%، تلاها الفئة العمرية 28-37 عاماً وبعدد 44 حالة إنتحار وبنسبة 28%، تلاها الفئة العمرية أقل من 18 عاماً بعدد 27 حالة إنتحار وبنسبة 17.2%، ومن ثم الفئة العمرية 38-47 عاماً وبعدد 21 حالة إنتحار وبنسبة 13.4%، وأخيراً الفئة العمرية أكثر من 48 عاماً وبعدد 8 حالات إنتحار وبنسبة 5.1%.
هذا وقد إرتفعت نسبة المنتحرات في الفئة العمرية 18-27 عاماً خلال أول 7 أشهر من عام 2017 حيث وصلت الى 40.7% من حالات الإنتحار بين الإناث.
ولم يكن هنالك إختلافات بين الذكور المنتحرين مع الإناث المنتحرات من حيث الفئات العمرية 18-27 عاماً و 28-37 عاماً حيث كانتا الأعلى أيضاً بين الذكور (35.6% بعدد 132 حالة إنتحار و 23.2% بعدد 86 حالة إنتحار على التوالي)، إلا أن الفئة العمرية 48 عاماً فأكثر كانت في المركز الثالث حيث بلغ العدد 59 حالة إنتحار وبنسبة 15.9%.
فيما كانت الفئة العمرية 28-37 عاماً الأعلى بين المنتحرين الذكور خلال 7 أشهر من عام 2017، فكان عدد الحالات 21 حالة وبنسبة 37.5% من مجموع حالات الإنتحار بين الذكور.
محاولات الإنتحار بين الإناث في الأردن خلال آخر 5 سنوات
كما شهد الأردن خلال الأعوام 2011-2016 بحدود 2182 محاولة إنتحار منها 1357 محاولة إنتحار لإناث و 825 محاولة إنتحار لذكور ( 62.2% لإناث و 37.8% لذكور).
فيما شهدت الـ 7 أشهر الأولى من عام 2017 حدوث 300 محاولة إنتحار منها 189 محاولة إنتحار لإناث و 111 محاولة إنتحار لذكور (63% لإناث و 37% لذكور) ، وهو ما يشير الى ثبات نسبة الإناث اللاتي يحاولن الإنتحار (على إرتفاع بالتأكيد) مقارنة مع معدل الخمس سنوات السابقة.
وبتوزيع عدد محاولات الإنتحار بين الإناث حسب الفئات العمرية، فإننا نجد بأنه وخلال خمس سنوات (2011-2016) كانت الفئة العمرية 18-27 عاماً هي الأعلى حيث وقعت 648 محاولة إنتحار وبنسبة  47.7%، تلاها الفئة العمرية 28-37 عاماً وبعدد 290 محاولة إنتحار وبنسبة 21.4%، تلاها الفئة العمرية أقل من 18 عاماً بعدد 279 محاولة إنتحار وبنسبة 20.5%، ومن ثم الفئة العمرية 38-47 عاماً وبعدد 96 محاولة إنتحار وبنسبة 7.1%، وأخيراً الفئة العمرية أكثر من 48 عاماً وبعدد 44 محاولة إنتحار وبنسبة 3.3%.
هذا وقد إرتفعت نسبة محاولات الإنتحار في الفئة العمرية 18-27 عاماً خلال أول 7 أشهر من عام 2017 حيث وصلت الى 52.9% من محاولات الإنتحار بين الإناث وبعدد 100 محاولة من أصل 189 محاولة إنتحار.
ولم يكن هنالك إختلافات في محاولات الإنتحار ما بين الذكور والإناث من حيث الفئات العمرية جميعها، حيث كانت الفئة العمرية 18-27 عاماً و 28-37 عاماً الأعلى أيضاً بين الذكور (49% بعدد 404 محاولات إنتحار و 24.4% بعدد 201 محاولة إنتحار على التوالي)، فيما كانت الفئة العمرية 48 عاماً فأكثر الأقل في محاولات الإنتحار بين الذكور حيث بلغ العدد 45 محاولة إنتحار وبنسبة 5.5%.
فيما كانت الفئة العمرية 18-27 عاماً الأعلى بين محاولات الإنتحار بين الذكور خلال 7 أشهر من عام 2017، فكان عدد الحالات 44 محاولة وبنسبة 39.6% من مجموع محاولات الإنتحار بين الذكور البالغة 111 محاولة.
وبتحليل الأرقام أعلاه يتضح لنا بأن هنالك حوالي 1.4 محاولة إنتحار يومياً في الأردن. فكيف يتم التعامل مع هذه الحالات. وما هي الخدمات التي تقدم لهم وعلى وجه الخصوص الإناث منهم؟ علماً بأن الأرقام لا تبين بشكل واضح فيما إذا كانت محاولات الإنتحار لأول مرة أم أنها محاولات متكررة لنفس الأشخاص.
أسباب ودوافع الإنتحار في الأردن
صنفت إدارة المعلومات الجنائية في مديرية الأمن العام أسباب ودوافع الإنتحار ومحاولات الإنتحار ضمن 10 تصنيفات مختلفة ، إلا أن تلك التصنيفات قد تتداخل فيما بينها، وبعضها قد لا يكون معبراً عن الأسباب الحقيقية للإنتحار. فمثلاً هنالك تصنيف "خلافات شخصية" و تصنيف "خلافات عائلية" وتصنيف "أمراض ومشاكل نفسية"، فتحت أي تصنيف سيكون حال من تُقدم على الإنتحار من الإناث بسبب إعتداء أحد أفراد الأسرة عليها جنسياً، ودخولها في حالة نفسية سيئة، وهي دائمة الخلاف مع من إعتدى عليها.
لا بل أكثر من ذلك فإن هذه التصنيفات لا تبين وبشكل واضح حالات الإنتحار أو محاولات الإنتحار بين الإناث الناتجة عن العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهي بالتالي ستؤدي حتماً الى إتخاذ إجراءات وقاية وحماية وحتى إجراءات علاجية وتأهيلية لا تنصب على الأسباب الحقيقية للإنتحار ومحاولاته.
ولا تظهر الأرقام الواردة من إدارة المعلومات الجنائية "الدوافع" مفصلة حسب الجنس، وإنما تشمل الجنسين الذكور والإناث.
إن حوالي 28% من دوافع الإنتحار بين الذكور والإناث في الأردن تعود لأمراض ومشاكل نفسية خلال خمس سنوات (2012-2016)، ومن ثم "الخلافات العائلية" وبنسبة 20.7%.
أسباب ودوافع محاولات الإنتحار في الأردن
خلافاً لدوافع الإنتحار، فإن "الخلافات العائلية" تتصدر دوافع محاولات الإنتحار وتقارب النصف خلال خمس سنوات (2012-2016)، فقد بين الجدول أدناه بأن 47.1% من الذين حاولوا الإنتحار ذكوراً وإناثاً كانت الخالافات العائلية دافعهم الرئيسي.
ويعود السبب في تصدر "الخلافات العائلية" هو أن حوالي 62% من الذين يحاولون الإنتحار هم من الإناث، مما يؤكد من جديد على أن العنف القائم على النوع الاجتماعي يعد من أهم الأسباب التي تدفع بالإناث الى محاولة الإنتحار.
وتراجعت نسبة الذين حاولوا الإنتحار خلال خمس سنوات بسبب "الأمراض والمشاكل النفسية" لتصل الى 329 محاولة وبنسبة 15%.
وإذا كان من المقبول وجود دوافع "مجهولة" في حال الإنتحار الكامل، إلا أن ورود ذلك في محاولات الإنتحار تبدو مستغربة، ولا بد للتحقيقات والعلاج النفسي من الوصول الى الأسباب التي دفعت بالشخص ذكراً أم أنثى الى الإقدام على محاولة الإنتحار، خاصة وأن الأرقام تشير الى إرتفاع أعداد الذين حاولوا الإنتحار لأسباب مجهولة خلال السنوات الماضية، حيث كانت أعدادهم لا تتجاوز الثلاثة عام 2012 ووصلت الى 43 عام 2016، وهي في تزايد إذا علمنا بأن خلال أول 7 أشهر من عام 2017 كان هنالك 40 محاولة إنتحار بأسباب مجهولة.
من جهة ثانية ذات علاقة أكد مسح السكان والصحة الأسرية  لعام 2012 الى أن حوالي 2410 نساء متزوجات واللاتي تتراوح أعمارهن ما بين (15-49) عاماً من أصل حوالي أحد عشر ألف إمرأة شملها المسح ، أفدن بتعرضهن للعنف الجسدي منذ العمر 15 عاماً من قبل أشخاص محددين ضمن العائلة وهو ما يطلق عليه العنف الأسري ، أو من قبل أشخاص آخرين خارج إطار العائلة. 
تشمل قائمة مرتكبي العنف ضد المتزوجات كل من الزوج الحالي ، الزوج السابق ، الأب ، الأم ، الأخ ، الأخت ، زوج الأم / زوجة الأب ، أقارب آخرين ، المعلم ، ذكور آخرين ، إناث آخريات ، آخرون.
إن ثقافة الصمت التي تسيطر على العديد من المتزوجات تعرضهن الى المزيد من أعمال العنف المرتكب من أقرب الأشخاص اليهن وتماديهم في إرتكابه ، وتعود هذه الثقافة لأسباب متعددة منها إعتقادهن بأن مصير مجهول قد يواجهنه في حال قيامهن بتقديم شكوى للجهات المختصة ، وضعف معرفتهن القانونية و / أو الخطوات الواجب إتباعها عند تعرضهن للعنف خاصة إذا نتج عنه إصابات وجروح جسدية قد تعرض حياتهن للخطر ، بالإضافة الى الأضرار النفسية والمعنوية.
ويبين المسح بأن الأزواج الحاليين والأخوة والآباء هم أكثر الأشخاص إرتكاباً للعنف الجسدي ضد المتزوجات من الزوجات والأخوات والبنات ، حيث أفادت 56.9% من المتزوجات بتعرضهن للعنف الجسدي من قبل أزواجهن الحاليين ، وأفادت 27% منهن بتعرضهن للعنف الجسدي من قبل الأخوة ، و 21.2% منهن تعرضن للعنف الجسدي من قبل الآباء.
"تضامن" تطالب بإستراتيجية شاملة للوقاية من الإنتحار في الأردن
إن عدم وصول الأشخاص خاصة النساء والفتيات الى الموارد والخدمات الصحية أو حتى الوصول الضعيف اليها، يتعبر بيئة خصبة لتنامي الرغبة بالإنتحار. كما وتعاني النساء بشكل خاص من ظاهرة الإنتحار عندما ترتفع مستويات التمييز والعنف وعدم المساواة بين الجنسين في الدول التي ينتمين اليها، كما وتؤدي الإحباطات الناجمة عن تراكم وتزايد الشعور بالتهميش والعزلة الى التفكير بالإنتحار ومحاولة تنفيذه مرة تلو الأخرى.
ويعتبر من الوسائل الناجحة في الحد من حالات الإنتحار التقليل من المواد والأدوات الأكثر شيوعاً وإنتشاراً في تنفيذ الإنتحار كالمبيدات الحشرية والأسلحة النارية والوصول الى الأماكن المرتفعة أو الجسور. كما أن الإنتحار لا يرتبط دائماً بعوامل نفسية أو مرضية، وإنما قد يحدث لأشخاص يتمتعون بصحة نفسية جيدة.
وتدعو "تضامن" الى إعداد إستراتيجية شاملة للوقاية من الإنتحار في الأردن تشارك في صياغتها وتنفيذها مختلف الجهات ذات العلاقة ويتم من خلالها توحيد الجهود التي تبذلها كافة الأطراف المعنية. وتعتقد "تضامن" بأن حماية النساء والفتيات من الإنتحار سيبدأ فعلاً عندما يتمتعن بحياة خالية من العنف والتمييز، ويشعرن بالمساواة بين الجنسين، وعندما يحصلن على مستويات عادلة من الخدمات الصحية والإجتماعية، وعندما يشاركن بفعالية بمختلف المجالات السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية.