د. سهيلة زين العابدين حماد - السعودية - " وكالة أخبار المرأة "

تبيّن لنا من الحلقتيْن الماضيتيْن أنّ نساءً عالمات من المشرق والمغرب العربيين أسهمن في بناء الحضارة الإسلامية والحركة العلمية جنبًا إلى جنب مع أشقائهن الرجال، فكنَّ يتعلمنَ منهم، ويُعلمْنَهم على مدى ما يقارب ألف عام، ثمّ أخذ دورهن ينحسر تدريجيًا حتى بلغ مبلغه عندما فرضت الدولة العثمانية العزلة على ولاياتها على مدى ثلاثة قرون، وأوجدت الحرملك، وأقصت النساء عن المشاركة في الحياة العامة، وحرمتهن من التعليم، وتفشّت الأمية بينهن، واستأثر الرجل بعلوم الدين والفتوى، ورافق هذا الانحسار التعتيم على هذا الدور المشرق من تاريخ المرأة المسلمة ليستقر في الأذهان أنّها خُلقت لخدمة الرجل ومُتعته، وليس من حقها أن تتعلم وتعمل، إلّا بإذنه الذي يُحدد لها ما تتعلمه، والمجالات التي تعمل فيها، وحتى إن أذن لها بالفتوى يُقصِر فتواها على الحيض والنفاس. فنحن عند متابعتنا لمساهمات العالمات في الفتوى حتى القرن العاشر الهجري، لم تكن قاصرة على الفتوى في أمور الحيض والنفاس، وإنّما كانت فتاواهن عامة، فمثلًا : السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تفتي في الفرائض، وربع الأحكام الفقهية أُخذت منها، ويؤكد هذا قوله تعالى:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)[التوبة:71]، فالله الخالق جل شأنه لم يُحدد ممارسة النساء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يخص شؤون النساء، وإنّما جعله عامًا مثلهنّ مثل أشقائهن الرجال، فلماذا يريد المخلوق فرض وصايته على المرأة، فيُحدّد لها ما تُفتي به، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل مناهج كليات الشريعة وأصول الدين التي تدرسها الطالبات قاصرة على أحكام الحيض والنفاس، أم يدرسن ما يدرسه الطلبة الذكور؟ ولماذا لا تُقصر فتوى الرجال في أمورهم فقط، ولا يفتون في أمور النساء؟
ممّا يؤسف له حقًا أنّ النظرة الدونية للمرأة نتيجة مفاهيم خاطئة وقع فيها الخطاب الديني المُنجز المُفسّر من قبل البشر حرمت المرأة من كثير من حقوقها الدينية والعلمية والتعليمية والسياسية والمدنية، وأقصتها عن المشاركة في الحياة العامة وحرّمت عليها ممارسة القضاء والفتوى وتعليم الرجال وإجازة العلماء، وسيطرة الفكر الإخواني خلال عقود مضت على مناهج التعليم في جميع مراحله رسّخت هذه النظرة الدونية للمرأة.
الذي يهمنا في الأمر هو تأهيل النساء للفتوى حتى لا يكنّ مجرّد حافظات لأقوال كم كبير من علماء قرون مضت، ويبنين فتاواهنّ عليها، نحن نريد عالمات فقيهات مجتهدات. وفي رأيي من أهم الشروط التي ينبغي توفرها في المفتي والمُفتية على حد سواء بعد العلم بما يُفتيان به، والعدالة في الأقوال والأعمال، وسلامة المسلك، والورع ورصانة الفكر وجودة الملاحظة، والتَّأني في الفتوى، والتَّثبُّت فيما يُفتِيان به: أن توافق فتاواهما العصر والمكان الذي يُفتيان فيه، وأن يجتهدا في فتواهما، وأن لا يكونا مجرّد حافظيْن وناقليْن لفتاوى علماء لقرون خلت أصدروا فتاواهم بما يوافق مجتمعاتهم وعصورهم آنذاك، وأن يعيدا قراءتهما للقرآن الكريم ويفهماه جيدًا، ولا يجتزئان الآيات من سياقها، وأن يتأكدا من صحة الأحاديث التي يستندان عليها في فتاواهما. فهناك أحكام فقهية في كتب تراثنا استندت على مفاهيم خاطئة لبعض الآيات القرآنية، وعلى أحاديث ضعيفة وموضوعة وشاذة ومُفردة، ولا يتسع المجال لذكر نماذج من تلك الأحكام، وقد سبق وأن بيّنتها في عدة دراسات ومقالات