الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة- خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

الحديث الشريف هو المصدر الثاني للتشريع في الاسلام وهو المسمى بالسّنّة المطهرة. والسنة بالتعريف من الجذر (س ن ن) كل ما رُفع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول او فعل او صفةٍ او تقرير. والتقرير امر راه رسول الله ولم ينكره؛ أقرّه وهو الذي لا يسكت على الخطأ بحال، فبإقراره صار من السنّة المطهرة.
وحول احصاء الأحاديث الشريفة
يقول الإمام الذهبي: ((أرجّح أنه لم يصحّ من كل ما يروى عن رسول الله إلا زهاء أربعة آلاف حديث)) أو كما قال! تم التأكد من هذه الإحصائية بمشروع الشيخ صالح أحمد الشامي إحصائيات حول السنّة النبوية!
وضع الشيخ كتابه (معالم السنّة النبوية)، وهو خلاصة أربع عشر كتابا هي أصول كتب السنة وهي: صحيح البخاري: (7563) حديثا، صحيح مسلم: (3033) حديثا، سنن أبي داود: (5274) حديثا، جامع الترمذي: (3956) حديثا، سنن النسائي: (5774) حديثا، سنن ابن ماجة: (4341) حديثا، سنن الدارمي: (3503) حديثا، موطّأ الامام مالك: (1740) حديثا، مسند أحمد: (27647) حديثا، صحيح ابن خزيمة: (3079)، صحيح ابن حبّان: (7491)، المستدرك على الصحيحين للحاكم(8803)، السنن الكبرى للبيهقي: (21812) و"الأحاديث المختارة" لضياء الدين المقدسي.
يقول الشيخ إنّ مجموع أحاديث هذه الكتب الأربعة عشر هو (114194) حديثاً، ولكن مجموعها بعد حذف المكرّر أقل (28430(.
فالمكرّر يتمُّ عَدُّه من الأحاديث، فإذا روي نفس الحديث من طرق مختلفة عن نفس الصحابي عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم؛ كان داخلا في التعداد؛ وحذفُ المكرّر المقصود به هنا هو حذف تعداد الطرق،
أما إذا ورد الحديث نفسه عن صحابيّين أو ثلاثة فلن يتم حذفه، فهو ليس مكرّرا باصطلاح علم الحديث، وإنْ كان مكرّرا حقيقةً.
ولا ننسى أنّ هذه الكتب تحوي أيضا الكثير من "الآثار" عن الصحابة والتابعين والأئمة والتي ليست بأحاديث، وهي ليستْ من ضمن المحذوف، ولا الأحاديث الضعيفة، فكيف إذا حذفنا الآثار التي ليست عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم والأحاديث الضعيفة؟
** المفاجأة لم تأتِ بعد، فالأمر أبعد من ذلك بكثير ؛
ففي كتابه "معالم السنّة النبوية" ارتأى الشيخ الشامي أن يزيد من استخلاص الأحاديث وإلغاء التكرار، فالأحاديث التي عددها (28430) حديثا بعد حذف التكرار كذلك فيها تكرار هي أيضا! ذلك أنّ الحديث المرويّ عن أكثر من صحابي يُعتبر أكثر من حديث، أي بعدد الصحابة الذين رووه، فمثلا: حديث (الحرب خدعة) مرويّ عن أبي هريرة ثلاث مرّات، عند البخاري ومسلم وأحمد، فهو مكرّر اصطلاحا، فقد ورد عن الصحابي نفسه ثلاث مرات فاكتفى الشيخ بذكره مرة واحدة.
ولكنّ الحديث نفسه رواه صحابة آخرون، هم: (جابر) و(ابن عباس) و(كعب بن مالك) و(عائشة) رضي الله عنهم، ولم يتم اعتبار روايتهم للحديث تكرارا فذُكرت كل الروايات ضمن الـ (28430) حديثا، ومن ثم عمل الشيخ في كتابه "معالم السنة النبوية" على ذكر رواية واحدة من هذا الحديث،
أي أنّه حذْفٌ آخر للمكرّر فعلًا بعد أن حذف سابقا المكرّر اصطلاحا.
وبالإضافة إلى ذلك، حذف الشيخ صالح الشامي أيضا الأحاديث الضعيفة غير المحتجّ بها، وحذف الآثار عن غير الرسول صلى الله عليه وسلم.
وللتلخيص نقول: كان الجهد المبذول في كتاب (معالم السنة النبوية):
• حذف الأحاديث المكرّرة فعلا، أي نفس الحديث يرويه أكثر من صحابي. وأبقى على الأحاديث الصحيحة التي تتضمن كل الأحكام الموجودة في الباب محل البحث، والتي تشتمل على كل المعاني الواردة فيه.
• حذف الأحاديث الضعيفة.
• حذف الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة.
يقول الشيخ في عبارة مفاجئة: (وقد آتتْ هذه الطريقة أكُلَها فتقلّص عدد الأحاديث من (28430) ليصبح (3931) هو عدد أحاديث هذا الكتاب"!
حسنًا، هل انتهى الأمر عند هذه المفاجأة؟ بل ثمة إحصائيات أخرى كاشفة أوردها الشيخ صالح الشامي في كتابه:
1 - نسبة هذه الأحاديث (3931 حديثا) من مجموع أحاديث الكتب الأربعة عشر قبل حذف المكرر (114194 حديثا) هي (3.4%) ، وهي نسبة لها دلالة مهمة جدّا، وهي أنّ مجموع هذه الطرق والروايات التي تزيد عن مائة ألف يعود في الأساس إلى أقل من أربعة آلاف حديث، فهذه الكثرة من الروايات والطرق لها "نواة صلبة"، وتصبّ جميعها في هذه النواة، مما يجعلها عاملا مقوّيا لموثوقية السنة النبوية وطرق نقلها، بخلاف ما أراده المشكّكون من جعل الكثرة عامل ضعف وتشكيك!
2 - عدد أحاديث صحيحي البخاري ومسلم من بين هذه الأحاديث التي بلغتْ 3931 هو: 2131 حديثا، يعني 55% منها! وهو ما يدلّ على مصداقية ما ذكره العلماء حول قيمة الصحيحين الكبيرة.
الخلاصة
الواجب على المسلم التخلّص من عقلية الانبهار بالأساليب الخطابية العاطفية الحمقاء كأسلوب الدكتور عدنان ابراهيم، وأن يتزوّد بأدوات البحث والقراءة للاطلاع على حقائق الأمور بنفسه؛ كي لا يخدعه متحدّثٌ بمعلومات ناقصة أو مغلوطة. وكم هو محزنٌ أن تنتشر كذبة أطلقها أحدهم وهي أنّ في البخاري 600 ألف حديث، فقد ذكرها أحد الطاعنين بالسنة والتقفَها عنه من يدّعون العمق كالدكتور الشيوعي محمد شحرور، ثم يردّدها بعضهم دون تفكير، مع أنّ حقيقة هذا الرقم هو رواية تُروى عن البخاري بأنّه انتقى صحيحه من بين هذا الرقم من الروايات. بينما نحن نملك اليوم صحيح البخاري وفيه (7563) حديثا، ومع حذف المكرر والآثار والمعلّق يبقى نحو (2600) حديثا صحيحا مسندا فقط! فانظر إلى سهولة معرفة المعلومة بالاطلاع على صحيح البخاري والقراءة عنه، وكيف يطير بعضهم مع ذلك بكذبة تقول إنّ البخاري جمع في صحيحه 600 ألف حديث في 16 عامًا!
وثمة ملاحظة منهجية مهمة جدّا نستخلصها، وهي أنّه في الوقت الذي حاول فيه المشكّكون بالسنة النبوية استحضار موضوع كثرة الروايات وكونها بعشرات الآلاف للطعن بالسنّة والقدح بموثوقيّتها؛ انقلبَ عليهم ظهر المجن! فقد ظهر بالبحث العلمي الموضوعي أنّ هذه المرويّات ترجع في مجموعها إلى "نواة صلبة" لا تزيد عن 4000 حديث؛ هو أمر يزيد من موثوقيّة السنة وحجّيّتها، ويدلّ على وجود "هيكل" متماسك من السنة، تفيض إليه الطرق كلّها وتتعاضد لتثبيته وتأكيده. فانظر إلى تلك الجهود العلمية الضخمة التي قام بها علماؤنا المسلمون فحفظوا سنّة نبيّهم صلى الله عليه وسلم، ثم انظر إلى الكلام السطحي المتهافت الذي يصدر من بعض من يُحسبون على أهل الفكر اليوم، وهو في الواقع نَسْفٌ لمصداقيّتهم العلمية، بعد أن استخفّوا بعقول متابعيهم كلّ هذا الاستخفاف!
السنة اذن هي المصدر الثاني وتأتي مؤكدة للقران الكريم ومفسرة وشارحة؛ ومقيّدة ومخصصة له ومشرّعة ابتداء بل وناسخة أحيانا.
(بالتصرف من بحث للأستاذ محمد صبرة.