عمر عاصي - ألمانيا - " وكالة أخبار المرأة "

لا نكشف سراً إن تحدَّثنا عن كراهية النقاب في ألمانيا، بل على العكس تماماً، فالحديث في مجالٍ كهذا بات أشبه بـ»موضة إعلامية»، لها مواسمها، ولها أبطالها. والأكيد أن هناك كثيرين يرفضونها ولا يرون فيها إلا حملة للتحريض ضد الإسلام والمسلمين، كالكاتب الألماني «يورغن تودنهوفر»، وهو ليس وحده ضد حملات كهذه، فمن الألمان مَن لا يرى في المنتقبة إلا كُلَّ «خير»!
لنفترض الآن أنك تكره النقاب.. أغمِض عينيك قليلاً، وتخيّل نفسك تملك حانوتاً للعطور في مدينة ميونيخ الألمانية، وهي أحب المُدن إلى قلب السائح العربي بعد لندن، ثم ترى العرب يطوفون أسواق المدينة بلا كللٍ ولا مللٍ، وتقرأ في الصُّحف الألمانية أن الواحد فيهم إن خرج للتسوق فإنه لا يعود إلا وقد تسوّق بحوالي 367 يورو كل يوم -كما تقول الإحصائيات- أي ما ينفقه الطالب الألماني في شهر كاملٍ تقريباً، تخيَّل! كيف سيكون شعورك وأنت ترى هذه السائحة تقترب من حانوتك؟ ألن تبتسم في وجهها وتُرحب بها أجمل ترحيب، حتى لو كانت بالحجاب أو النقاب؟
النُّكتة أن بعض التجَّار يعلمون جيداً أن أكثر من يرتدين النقاب في ألمانيا، لسن من المُهاجرين، ولكنهن السائحات الخليجيات، وهن من أغنى السيّاح، وأكثرهن استعداداً لدفع المبالغ الطائلة مقابل العطور والساعات والملابس والأحذية، حتى إن بائعة ألمانيّة سُئلت عن السيّاح العرب فقالت: إنهم يعيدون الحياة إلى المتجر.. إذا دخلوه!
ولك أن تقرأ مقالة «زيارة من الصحراء Besuch aus der Wüste» في مجلّة «الألمانية السهلة»، وستدرك جيداً عمّ أتحدث؛ حيث يُذكر هناك أن أحد فنادق مدينة ميونيخ الفاخرة لديه مستشار عربي كي يُساعد إدارة الفندق في طلب رضا السيّاح العرب، وكيف توضع لهم سجّادات الصلاة، وإشارة يعرفون من خلالها اتجاه القبلة، وهذا غير تزويد غُرفهم بحوالي 100 قناة عربية، وإتاحة الفرصة لهم للحصول على 35 صحيفة عربية، ولا ننسى تقديم الوجبات الشرقية لهم.. ومن أجلهم كذلك يتم توظيف شخص ناطق بالعربية في كل قسم، وكل هذا طلباً لراحة العرب!
ليس الأمر ينحصر في ميونيخ ولا في فنادقها، فإن زُرتَ مدينة كولونيا -كولن- الألمانية، يُمكنك أن ترى «أهلاً وسهلاً» عند مدخل الكثير من المتاجر الألمانيّة، ولا نقصد أحياء المهاجرين، بل متجرٌ للذهب والفضّة عند كاتدرائية مدينة كولن مثلاً. أو حتى عند متجر للشوكولاتة في قلب محطة القطارات المركزية، كُتب على ورقة عند مدخل المحل بحروفٍ عربيّة جذابة: «لدينا شوكولاتة بلا كحول»!
أيضاً، في مدينة دوسيلدورف، الحاضرة الألمانية الأكثر أناقة، هناك شارع يُدعى «صالة الملوك Königsallee»، وفيه متاجر لأغلى السلع العالمية، كساعة يد تصل تكلفتها إلى أكثر من 55 ألف يورو مثلاً، ويكاد يستحيل أن تدخل الشارع في أشهر الصيف ولا ترى العرب هناك، والتجّار الألمان يقدّرون ذلك جيداً؛ ولذلك يحترمون كل رغباتهم وشروطهم «الدينية» كما جاء في أحد التقارير، سواء كنا نتحدث عن توفير سجاجيد للصلاة، أو توظيف العرب، أو إزالة الخمور من الغرف، وانتهاءً بتعليق اللافتات العربية في أرقى الشوارع الألمانية!
لي صديقٌ ترعرع في مدينة دوسيلدورف، نصحني يوماً بزيارة الشارع قائلاً: «إذا أردت أن ترى النفاق يوماً، فما عليك إلا زيارة «صالة الملوك»، فهناك لا تجد أولئك الذين يحرّضون ضد النقاب ليل نهار؛ بل على العكس تماماً، هناك يُحترم النقاب جداً، وما إن تمر «منتقبة» حتى يبتسم لها الموظف مُرحّباً، بأن حللتِ أهلاً ووطئت سهلاً!
لعل صديقي بالَغَ يومها، ولكننا جميعاً نعرف أن «المصالح» تفعل أكثر من هذا.. وأشنع!