ياسمين بيسين كاسينو - لندن - " وكالة أخبار المرأة "

واظبت طيلة العقد الماضي على حضور ورش عمل لمساعدة النساء في التغلب على إحدى المشكلات المستشرية في كل مكان في العالم، وهي مشكلة التفاوت في الأجور.
وكان منطمو هذه الورش يرون أن تعليم النساء التفاوض والاعتداد بالنفس هو السبيل للقضاء على هذه المشكلة، وهذا يعيد إلى الأذهان انتشار دورات الدفاع عن النفس في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي للقضاء على مشكلة التحرش والاغتصاب.
إلا أننا بتحميل ضحايا التمييز مسؤولية التفاوت في الأجور وإلقاء اللوم عليهن بسبب اختياراتهن، نكون قد ارتكبنا خطأ جسيما.
    كيف تجعل نفسك أكثر جاذبية وتأثيرا؟
    كيف أصبح "الابتكار" ضرورة ملحة لنجاح الشركات والمؤسسات؟
    ست سمات شخصية "تؤهل أصحابها للنجاح"
وقد تبيّن لي من خلال بحث أجريته مؤخرا أن التفاوت في الأجور يبدأ قبل هذه الاختيارات والمفاوضات بسنوات طويلة. فقد اكتشفت أن المراهقات يتقاضين أجورا أقل من نظرائهن من الذكور منذ سن 14 و15 عاما.
وقد اعتمدت في هذا البحث على نتائج دراسة وطنية مطولة أجراها مكتب إحصاءات العمل الأمريكي على عينة من الشباب من جميع أنحاء الولايات المتحدة، لرصد الاتجاهات العامة في المجتمع، وحاورت 35 شابة عملن كجليسات أطفال، و25 سيدة عملن في قطاعي البيع بالتجزئة والخدمات بالولايات المتحدة.
وبحثت في ردود أفعال أصحاب العمل عندما تتفاوض الشابات والفتيات على الأجور. واكتشفت أن التفاوض ليس هو الحل الأسهل لمشكلة التفاوت في الأجور في مجال رعاية الأطفال. فعندما تتفاوض الفتيات على الأجر، يفقدن ثقة صاحب العمل ويثرن استياءه، ومن ثم تقل فرصهن في الحصول على زيادة في الراتب.
علاوة على ذلك، فإن البعض يعتقد أن التفاوض على الراتب يتعارض مع العطف والرأفة وهما الصفتان اللتان يجب أن تتحلى بهما مقدمات الرعاية للأطفال. فقد تبدو الفتيات اللائي يطالبن برفع أجورهن، على سبيل المثال، في نظر صاحب العمل، أقل اكتراثا بالآخرين، ومن ثم لا يصلحن للعمل ضمن فريق.
وسأسرد بعض الأساليب الأخرى لمعالجة هذه المشكلة، ولكن علينا في البداية ألا نلقي باللوم على النساء، أي ضحايا التمييز، وأن ندرك أن المؤسسات هي المسؤولة عن هذا الإخفاق في تحقيق المساواة في الأجور، ولا نحمل الأفراد مسؤولية الفشل بسبب عجزهم عن التفاوض.
غياب المعلومات
يعد نقص المعلومات واحدا من التحديات الكبرى التي يواجهها الموظف أو الأجير عند التفاوض على الأجور، وقد ذكرت لي الكثيرات من الشابات أنهن لم يكن على علم بمعدلات الأجور السائدة في المجالات التي تقدمن للعمل بها.
وبالرغم من الثورة المعلوماتية التي يشهدها العالم في الوقت الراهن، فإن المعلومات المتوفرة عن الأجور لا تزال شحيحة. فنحن في حاجة إلى زيادة الإفصاح عن معدلات الأجور، حتى تتمكن النساء من الحصول عليها.
ويعاني من مشكلة نقص المعلومات تحديدا العاملون المستقلون، مثل جلساء الأطفال. ولا يوجد إلا القليل من المواقع التي توفر معلومات عن الرواتب، مثل "غلاس دور"، الذي ينشر معدلات الأجور وفقا للبيانات التي يذكرها العاملون بالمجال، ولا تتوفر دائما معلومات عن أجور العاملين المستقلين في جميع المجالات.
غير أن هذه المعلومات عن معدلات الأجور السائدة في المجال لا غنى عنها في المقابلات الشخصية. فإذا بدأ الموظف في التفاوض بمبلغ أقل من معدلات الرواتب السائدة في المجال، سيحصل بالتأكيد على أجر أقل مما يستحقه، مهما أجهد نفسه في النقاش مع رب العمل.
تعلم مهارة التفاوض
لكن نقص المعلومات ليس العائق الوحيد أمام الفتيات للحصول على الراتب المناسب، إذ أن الفتيات تشرّبن القيم والمعايير الثقافية في المجتمع التي تنكر على النساء التفاوض على المال.
وقالت الكثيرات من الشابات اللاتي تحدثت معهن إنهن لا يتبادلن المعلومات مع صديقاتهن وأصدقائهن حول معدلات أجور جلساء الأطفال.
وبوسعنا في المقابل أن نشجع على تبادل المعلومات بصراحة ووضوح، ونحث أطفالنا على مناقشة الأمور المالية. والغريب أن جميع جلساء الأطفال الذين تحدثت معهم، على قلتهم، كانوا يعرفون معدلات الرواتب السائدة في المجال وتناقلوها فيما بينهم، ولكنهم أخفوها عن نظرائهم من الإناث.
هل هذا يعني أن شبكات الأصدقاء تفيد الذكور ولا تفيد الإناث؟ في الواقع، لا تتناقل الفتيات في الغالب مع صديقاتهن المعلومات ذات الصلة بالأجور، بل إن شبكة الأصدقاء تمنع في الغالب الفتيات من التفاوض لزيادة أجورهن. وذكرت إحدى جليسات الأطفال أنها كانت تعتني بحفيدة عرّابتها (أمها بالمعمودية) وتحرجت من أن تطلب منها زيادة في الأجر.
توصيف وظيفي موحد للجنسين
لا تتوقف في رأيي مشكلة فجوة الأجور بين الجنسين على التفاوت في الرواتب، بل تتعداه إلى واجبات ومتطلبات الوظيفة. والحل هو أن نضع توصيفا وظيفيا موحدا للجنسين.
فإذا طلبت من الأباء أن يصفوا المهام المطلوبة من جليس أو جليسة الأطفال، سيقولون العناية بالطفل في غيابهم. ولكن التفاوت بين الجنسين في الواجبات والمسؤوليات بدا جليا منذ الوهلة الأولى.
وبينما كان يُعهد لجليسات الأطفال بأعمال المنزل الخفيفة، ويكلفن بمهام خارج المنزل وداخله، ويطهين للأسرة ويساعدن الأطفال في الفروض المدرسية أو مشروعاتهم، فإن جلساء الأطفال نادرا ما يُطلب منهم تنفيذ مهام إضافية. ولهذا فإن الإفصاح عن الوصف الوظيفي بصراحة ووضوح لا يقل أهمية عن الإفصاح عن معدلات الأجور.
وفوق ذلك، ثمة تفاوت أيضا بين الذكور والإناث في طول ساعات العمل المتوقع أن يقضيها جليس أو جليسة الأطفال في المنزل.
فبينما كان جلساء الأطفال من الذكور يعملون للساعات التي يتلقون عنها أجرا فقط، ويغادرون المنزل في الموعد المحدد، فإن جليسات الأطفال كن يعملن لساعات إضافية غير مدفوعة الأجر، إذ كان الآباء يتحدثون عادة معهن لنصف ساعة بعد انتهاء الساعات المطلوب منهن تأديتها عن مواضيع شتى.
وهذا التباين في ساعات العمل غير مدفوعة الأجر يدل على أن وقت الرجال أثمن من وقت النساء، لأن الناس لا يقدرون قيمة وقت النساء كتقديرهم لوقت الرجال.
المقابلة الشخصية
وثمة فروق أيضا في الطريقة التي عرض بها أصحاب العمل المزايا والتوقعات على المتقدمين للعمل أثناء المقابلة الشخصية. إذ سأل أصحاب العمل في أغلب الحالات جلساء الأطفال عن الأجر المتوقع، في حين بادروا بتحديد الأجر لنظرائهم من الإناث.
ربما يبدو هذا الفرق طفيفا، ولكنه يدل على أن أصحاب العمل يتقبلون التفاوض على الأجر من الذكور ولا يستسيغونه من الإناث.
كما لاحظت أن أصحاب العمل، أو الأباء في هذه الحالة، كانوا أكثر صراحة مع الذكور منهم مع الإناث، في عرضهم للمزايا الأخرى التي سيحصلون عليها، مثل مصاريف الانتقال.
هذا لا يعني أن النساء ينبغي أن يمتنعن عن التفاوض على أجورهن، ولكننا بحاجة إلى النظر عن كثب إلى ردود الأفعال عندما تتجرأ المرأة على التفاوض. وبدلا من أن ننظم ورش عمل للعاملين، لعل الوقت قد حان لتنبيه أصحاب العمل والمديرين إلى تحيزاتهم.