زكي الصدير - السعودية - " وكالة أخبار المرأة "

لا يقدّم كتاب “صوت خلف النافذة” للباحثة السعودية هند السليمان استقصاء لتاريخ النسوية، ولا يسعى لتقديم قراءة تحليلية للفكر النسوي، بل يقترح من خلال فصوله ومقالاته تلمس مجالات لفهم طبيعة العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع السعودي انطلاقا من المنظور النسوي.
تحدد السليمان “النسوية” في كتابها الصادر حديثا عن دار عرب للنشر والترجمة بلندن، بثلاثة ملامح أساسية: الهدف الساعي إلى تمكين المرأة، وعلاقتها بالرجل بوصفها “آخر”، والأنوثة. والهدف النسوي -في رأيها- يتمثّل في تمكين المرأة، هذا التمكين الذي يتعدّى في حقيقته فئة محددة إلى كونه فلسفة مجتمعية وحراكا مستمرا. وبالتالي فالمرأة -بحسب السليمان- تمثل عبر موقعها “فكرة” يمكن أن تنطوي تحتها جميع الفئات المهمّشة في المجتمع.
أما الملمح الثاني الذي تناوله الكتاب فيشير إلى أن العلاقة بين المرأة والرجل علاقة تكاملية، بمعنى إن كانت المرأة هي الجنس الآخر، فالرجل هو الجنس الآخر بالنسبة إلى المرأة، وكل يُعرف بآخره. وتستنتج السليمان من ذلك أن اللاتكافؤ “الجندري–الجنسي” المتأصل في المجتمع هو إشكالية نظام ثقافي لا جريرة رجل بذاته. وفي الملمح الثالث والأخير تخلص الكاتبة إلى أن وعي المرأة بذاتها وفق التصور النسوي لا يشترط إنكار الأنوثة، فالمرأة والرجل مختلفان على المستوى السيكولوجي دون أن يمنح هذا الاختلاف لأحدهما أفضلية على الآخر.
وتوضح السليمان في مقدمة الكتاب أن النسوية وفق التحقيب الزمني لها تشكّلات عبر موجات ثلاث رئيسية، وتشير إلى أن بعض الدارسين يحددها بأربع وبخمس، فيما أصوات أخرى تعلن نهاية النسوية مع نهاية الموجة الثالثة اكتفاء بها.
وتقول السليمان “الموجة الأولى للنسوية، والتي لم تعرف بهذا المسمى، كانت في عام 1968، وهناك من يعد البداية الرسمية للموجة الأولى من خلال اتفاقية سينيكا فولز عام 1848 في مدينة نيويورك، حيث برزت بشكل كبير المطالبات بحق المرأة في التعليم والعمل وحضانة الأطفال ومشاركة الزوج عند الطلاق. والموجة الثانية ابتدأت منذ مطلع الستينات حتى مطلع الثمانينات، وهنا تحول التوجه في استحصال حقوق المرأة من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي والثقافي. ويمكن تحديد الموجة الثالثة للنسوية ما بين عامي 1990 و2008، وقد تأثرت هذه الموجة بالرؤية المابعد حداثية وبالتفسيرات المابعد–بنيوية”.
وتضيف “إن بعض الباحثين يعلنون أن نهاية الموجة الثالثة هي نهاية النسوية ذاتها. إضافة إلى هذا، يتوجه عدد من العاملات في مجال دراسات المرأة أو الجندر ممّن يقدمن طروحات نسوية إلى رفض هذا المسمى ‘نسوية’، أو كما يعلنّها ‘نحن لسنَ نسويّات’، لا رفضا للفكر النسوي ذاته، ولكن إعلانا لموته”.
وتحاول السليمان من خلال مقدمتها التاريخية للكتاب أن تحدد ملامح النسوية في المجتمع المحلي السعودي وذلك بالاستناد إلى أبرز القضايا التي صاحبت كل موجة من الموجات النسوية، وأيضا تسعى من خلال فصول الكتاب إلى إلقاء الضوء على أهم قضايا النسوية السعودية، ومدى بعدها أو قربها أو امتزاجها بتلك الموجات النسوية العالمية.
وتقول الكاتبة “في مجتمعنا، وبسبب العولمة ودخول النساء بشكل كبير في مجال التعليم، والعمل، وتأثير موجات الابتعاث، والأهم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، أسهم ذلك في إحداث تغييرات كبيرة في المجتمع السعودي وطبيعة العلاقات بين الأفراد، وكذلك التصورات حول الذات. هذا الأمر، جعل الحراك النسوي هنا أشبه بانفجار ثقافي، وإن أردنا تصويره بصريا، فالمشهد أقرب إلى طوفان صاعد على نحو مفاجئ”.
وتتابع “الظهور للحراك النسوي في السعودية تم في وقت يعلن فيه الباحثون الغربيون موت النسوية، لاكتمال متطلبات مراحلها. ومن هنا، فإننا سنجد في الحراك النسوي المحلي ملامح تلك الموجات دون تحديد لملمح يحصر الحراك في مرحلة محددة”.
وتطمح السليمان إلى أن يكون الكتاب أحد الأصوات النسوية المعبرة عن المرحلة الزمانية والمكانية الحالية للخطاب النسوي السعودي، وفي سبيل تحقيق ذلك تناولت عبر مقالات متعددة مفهوم النسوية مفصّلة إياه من خلال خمسة أبعاد رئيسية.
وحددت السليمان البعد الأول بعنوان “النسوية والخطاب” مستقرئة طبيعة الخطابات النسوية وما تتضمنه من تصورات فكرية حول الوضع النسوي الحالي وإمكانات تغييره. أما البعد الثاني فتناولت فيه موضوع النسوية والآخر عبر قراءة لطبيعة العلاقة المرتبكة مع الآخر، وتحديدا الرجل من منظور نسوي. والبعد الثالث ركّزت فيه على موضوع النسوية والمنتج الثقافي وذلك عبر تفكيكها لكيفية حضور الخطاب في النصوص والأعمال الفنية بعيدا عن التنظير المباشر. واهتمت السليمان في البعد الرابع من الكتاب بالقضايا المرتبطة بالنسوية مثل الرأسمالية وتأثيراتها على علاقة المرأة بجسدها، والتحرش وتعريفه وتمييزه عن الغزل، بينما ركّزت في البعد الخامس والأخير على النسوية والاشتغال الحقوقي.
الجدير بذكره أن الباحثة هند السليمان من مواليد مدينة بريدة بالسعودية، وحاصلة على الدكتوراه في علم النفس الإكلينيكي من جامعة مارشال بأميركا، وهي أستاذة جامعية وأخصائية نفسية مرخصة. وإن بعض المقالات الواردة في الكتاب نشرت في عدد من الصحف والمجلات العربية ومواقع التواصل الاجتماعي ما بين الأعوام 2014 و2017. كما تجدر الإشارة إلى أن الكتاب تم فسحه في السعودية أثناء معرض الكتاب الماضي، ثم تمّ إلغاء الفسح من جديد دون أن تصرّح الجهات الإعلامية السعودية عن الأسباب.