أندرو تورشيا - " وكالة أخبار المرأة "

أصبحت حياة نوف العنزي الجديدة مثالا حيا على الدور الذي تلعبه الإصلاحات الاجتماعية في السعودية في دعم اقتصاد المملكة الذي يواجه صعوبات. قبل ستة أشهر حصلت نوف على أول وظيفة لتنضم إلى صفوف عشرات الآلاف من النساء في إطار مساعي الحكومة للتغلب على التحامل على تشغيلهن.
ويبلغ الراتب الذي تحصل عليه نوف، ابنة الاثنين والعشرين عاما والحاصلة على الشهادة الثانوية، 4000 ريال (1067 دولارا) في الشهر من عملها على خزينة حصول الأموال بأحد متاجر السوبرماركت في وسط الرياض.
في البداية عارضت أسرتها فكرة عملها لكنها وافقت فيما بعد، وغيّر ما تهيأ لها من دخل من الوظيفة الكثير في حياتها، حيث تقول نوف “أحصل على قدر لا بأس به من المال كل شهر وأنا لست متزوجة وليست عندي التزامات. أستطيع الذهاب إلى السينما والمطاعم والتسوق وأخذ دروس في الكمبيوتر واللغة الإنكليزية لتحسين وضعي. وأنوي أيضا شراء سيارة لقيادتها”.
ويسهم الإنفاق الاستهلاكي من جانب النساء اللائي حصلن في الفترة الأخيرة على وظائف في تعويض التأثير السلبي الكبير على النمو جراء ما اتخذته السلطات من تدابير لدعم مالية الدولة ومن نزوح العمالة الوافدة.
وربما يتوقف مدى انتعاش الاقتصاد خلال العامين المقبلين، بعد انكماشه في العام الماضي للمرة الأولى منذ 2009، إلى حد كبير على مدى الدور الذي يمكن أن يلعبه تمكين النساء وغيره من الإصلاحات الاجتماعية.
صورة متباينة
بعد عامين من إطلاق برنامج إصلاح اقتصادي للحد من الاعتماد على صادرات النفط مازال الطريق طويلا لجني فوائد هذا البرنامج. فلم يبدأ بعد تنفيذ الخطط الرامية لحفز الاستثمار المباشر في الصناعات غير النفطية، من بناء السفن إلى تصنيع أجهزة الروبوت، لأسباب منها البيروقراطية وغموض المسائل القانونية.
وانكمشت القروض المصرفية للشركات الخاصة عما كانت عليه قبل عام للشهر الثالث عشر على التوالي بفعل الضرائب والرسوم التي فُرضت لخفض العجز في ميزانية الدولة. ويبين مسح للشركات أن نمو نشاط الشركات الخاصة سجل أبطأ وتيرة منذ أغسطس عام 2009.
غير أن الإصلاحات الاجتماعية التي استحدثها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالتوازي مع الخطوات الاقتصادية تسير في طريقها، وخلال السنوات القليلة المقبلة على الأقل ربما يكون لذلك أثر إيجابي على نشاط الشركات أكبر من أثر خطط الاستثمار الطموحة لدى الرياض.
تترتب على الكثير من التدابير آثار على قطاع الأعمال. فخطط إصدار تأشيرات سياحية ستدعم قطاع الاستجمام كما أن القيود على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تفيد المطاعم بتمكين الجنسين من الاختلاط وسيستفيد الاقتصاد أيضا من الإصلاح التعليمي والقضائي.
ويؤكد محمد العقيل، رئيس مجلس إدارة شركة جرير للتسويق، وهي من الشركات الكبرى في قطاع التجزئة، أن ارتفاع معدلات تشغيل النساء يعد سببا في زيادة بنسبة 13.4 بالمئة في مبيعات الشركة العام الماضي رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويقول “انضمام النساء إلى قوة العمل يعد حقا قوة دافعة للاقتصاد”، مشيرا إلى أن الأسرة السعودية العادية يمكنها أن تزيد دخلها بأكثر من المثلين إذا اختارت الزوجة وبعض بناتها العمل.
وانطلاقا من يونيو المقبل يدخل قرار رفع الحظر الساري على قيادة النساء للسيارات حيز التنفيذ. وفي الأمد الأقصر، من المحتمل أن يؤدي السماح للنساء بقيادة السيارات إلى تعويض تراجع أعداد العمال الوافدين الذي كان له أثره السلبي على الاقتصاد. وفي الأجل البعيد توقع العقيل أن يحفز السماح للنساء بقيادة السيارات صناعات مختلفة مثل قطع غيار السيارات والتأمين على السيارات وربما الإسكان من خلال تحسين قدرة الأسر على الحركة.
تغيرات ديموغرافية
رفعت السلطات، في شهر أبريل الماضي، الحظر المفروض على دور السينما في إطار حملة لتغيير العادات الاجتماعية المحافظة وتشجيع السعوديين الذين كانوا يسعون إلى الترفيه في الخارج على إنفاق أموالهم داخل البلاد. وسيستغرق تنفيذ مشروعات تستثمر فيها الدولة المليارات من الدولارات مثل مدينة الملاهي التي ستُقام قرب الرياض وكذلك سلسلة ضخمة من المنتجعات على البحر الأحمر عدة سنوات، كما أن آفاقها التجارية يكتنفها الغموض. كما تعمل شركة، تدعمها الدولة، أيضا على إقامة البنية التحتية لمناطق الترفيه في أكثر من عشر مدن سعودية لتضم شركات خاصة أصغر يمكن إقامتها بسرعة.
وربما تتضمن هذه المشروعات العشرات من دور السينما وأماكن العروض العامة والمطاعم ومتاجر التجزئة لتصبح مراكز جديدة للنشاط الاقتصادي في المدن. وقدر مازن السديري، رئيس إدارة الأبحاث في شركة الراجحي المالية، أن الإنفاق على الترفيه والاستجمام والنشاط الثقافي والمطاعم والفنادق يبلغ ثمانية بالمئة من إنفاق الأسر أي ما يعادل 20 مليار دولار سنويا، ما يبشر بالإمكانيات التي ينطوي عليها.
ومما يحد من أي زيادة في إيرادات قطاع الترفيه رحيل الكثير من العمال الوافدين. وقد انكمش عدد العاملين الوافدين في السعودية بأكثر من 466 ألفا قبل عام ليصل إلى 10.42 مليون وافد في 2017. وقد حدث أكثر من نصف هذا الانخفاض في الربع الأخير من السنة.
في الوقت نفسه نما عدد العاملين السعوديين بنحو 102 ألف ليصل إلى 3.16 مليون في العام الماضي. وحدث أكثر من ثلثي الزيادة بين النساء العاملات اللائي زاد عددهن  بـ64 ألفا ليصل إلى 1.08 مليون.
ويشكو أصحاب الأعمال من أنه من الصعب بل والأكثر كلفة في الكثير من الأحيان العثور على سعوديين مدربين يمكن أن يحلوا محل العمالة الوافدة الراحلة حتى في مجالات مثل المطاعم.
ولا يزال الفصل بين الجنسين في أغلب أماكن العمل يحد من توظيف النساء فيما تعد الحكومة بتخفيف الأعراف الاجتماعية في بعض من مناطقها الاقتصادية الجديدة ضمن سياسة إصلاحية مجتمعية معقدة ودقيقة.
وتخصص موارد من أموال الدولة لحفز النساء على العمل ومن ذلك منحة رعاية طفل قيمتها 9000 ريال في السنة وبدل مواصلات شهري قدره 800 ريال.
ويؤكد خالد الخضير، العضو المنتدب بشركة جلوورك لتشغيل النساء في الرياض، أن الإعلان الرسمي عن عمل النساء هدف من أهداف الإصلاح الاقتصادي معناه أن الشركات لم يعد بإمكانها تجاهله. ويقول “الآن كل شركة كبرى يجري تحفيزها لأخذ هذه المسألة في الاعتبار ووضع خطة. وللمؤسسات طريق مرسوم”.
ويضيف أن العوامل الديموغرافية في صالح هذا الاتجاه. و أصبحت مساهمة النساء في الاقتصاد الآن بنحو 19 في المئة. وستؤدي مضاعفة هذا الرقم إلى انضمام مليون امرأة أخرى إلى صفوف العاملين وسط آمال وتطلعات بأن تصل هذه النسبة في يوم ما إلى المعدلات السارية في الكثير من الدول المتقدمة.