أمينة خيري - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

الوجه الآخر للشهر الكريم لم يعد التلفزيون في المطلق، بل بات المرأة والأطفال وقيم الأسرة في التلفزيون. السنوات القليلة الماضية شهدت نمواً واضحاً لظاهرة تعيين شرطة موسمية طوال أيام شهر رمضان المبارك، مهمتها الرصد والنبش، وغايتها الإيقاع بالمجرمين، وهدفها تلميع صورة المرأة والحفاظ على حياة الأطفال وتقليم ما يلحق بشجرة الأسرة من أضرار أو أفعال من شأنها أن تلحق مزيداً من التشويه بها.
لقد أيقظ تشويه صورة المرأة عبر تنميطها في أدوار الساقطة، أو مكسورة الجناح، أو قاتلة الأزواج، أو الراضية بهواية الزوج تبديل الزوجات، صحوة مدافعين أو بالأحرى مدافعات عن حقوق المرأة في مصر في السنوات القليلة الماضية. ولما كان شهر رمضان هو الموسم السنوي للتفجّر الدرامي وبرامج المقالب والترفيه التي كثيراً ما تلجأ إلى إضافة توابل الإساءة إلى المرأة جذباً للمشاهد، أو إثارة للقيل والقال، أو تأجيجاً لمهاترات دونية المرأة، فقد أصبح عمل لجان رصد صورة المرأة وحماية الطفل ودعم الأسرة سمة رمضانية أصيلة.
رمضان هذا العام يشهد تدشين تحالفات أغراضها «أخلاقية» وسمتها الرصد والمتابعة إما للتشهير بالعمل المسيء للنساء، أو تحصيل الغرامات من المنتهكين لقواعد الأخلاق حيث المشاهد غير اللائقة أو الألفاظ الخادشة للحياء التي قد تعرّض الأسرة المصرية للأخطار.
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أعلن تشكيل لجنة رصد لتجاوزات الدراما والبرامج الرمضانية، ومعها المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي لحقوق الإنسان ودار الإفتاء ومؤسسة الأزهر الشريف، وصندوق مكافحة الإدمان وعلاجه.
لجنة أخرى بدأت عملها مع بداية رمضان، وهي «لجنة رصد صورة المرأة في الدراما والإعلانات والبرامج» طوال الشهر، شكلتها لجنة الإعلام في المجلس القومي للمرأة، ومهمتها كما تؤكد رئيستها الدكتورة سوزان القلليني، تحليل مضمون ما يقدّم على الشاشة للخروج بتقرير عن المعالجة الإعلامية لصورة المرأة وقضاياها وملامح هذه الصورة ، وذلك مقارنة بالكود الإعلامي «الأخلاقي» الذي وضعته لجنة الإعلام، لتناول كل ما يخص المرأة في الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية.
يذكر أن اللجنة أصدرت عقب رمضان الماضي تقريراً صادماً جاء فيه أن الصورة السلبية للمرأة تصدّرت نحو 56 في المئة من الأعمال الدرامية، وأن نحو 76 في المئة من مشاهد العنف ضدها أبطالها رجال، إضافة إلى تصدير صورة سلبية لعمل المرأة في مجالات بعينها مثل التمريض، حتى أن النقابة تقدّمت ببلاغ للنائب العام ضد المسلسلات المسيئة للمهنة.
ويبدو أن الإساءة للمرأة عبر الشاشات التلفزيونية الرمضانية بلغت درجة من الانتشار دفعت «مركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي» ومنصة «ولها وجوه أخرى» النسوية ومركز «هردو لدعم التعبير الرقمي» إلى إطلاق تحالف لرصد الأعمال الدرامية المصرية من منظور نسوي.
وأعلن القائمون على أمر التحالف أن الجهود التي بذلت على مدار العقود الأربعة الماضية لرصد صورة النساء والرجال في الشاشات التلفزيونية وتقويمها، لم يسفر عما هو مأمول لإحداث تغيير حقيقي في صورة المرأة النمطية. التحالف الجديد أوضح أنه سيتفادى القصور في منهجيات العمل السابقة، سواء الوقوع في براثن معاداة حرية الفن والإبداع، أو اقتصار التركيز على الالتزام بحقوق المرأة من دون أي اعتبارات تجارية أو إبداعية أو فنية، ومن دون فهم لماهية الصناعة ودراسة الأسباب التي تدفع صنّاع الدراما إلى اتخاذ مسلك الإساءة للمرأة أو تنميطها.
ولن يقتصر التحالف الجديد عمله على الرصد، بل سينظّم لقاءات مع صناع الدراما التي تراعي النوع الاجتماعي، والعمل معهم على إيجاد حلول منطقية وغير نمطية تحافظ على التوازن بين حرية الإبداع والرأي وبين حقوق النساء وضرورة مجابهة التنميط والتسليع الذي تتعرّض له المرأة في غالبية صورها على الشاشة.
كما يهدف التحالف إلى إجراء مقارنة بين دراما 2017 و2018 للتعرّف إلى الفروق بينهما، وذلك في ضوء ما أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسي من أن عام 2017 كان «عام المرأة المصرية». والغرض من المقارنة هو الإطلاع على مدى تأثير اعتبار العام الماضي عاماً للمرأة، وإن كانت دراما رمضان قادرة على التعبير عن مطالب النساء والفتيات أو على نقل حجم العنف الواقع عليهن.
وبينما ضيفات الفنان رامز جلال، الذي أصبح نجم برامج المقالب الرمضانية، يصرخن ويتفوهن بأقبح الألفاظ والشتائم ضمن البرنامج المذاع على الشاشة عقب انطلاق مدفع الإفطار، ثم يصف ضيفاته بألفاظ وصفتها «خريطة التحرش» المصرية بأنها التحرش عينه، وأنها تحض وتشجع على التحرش بالإناث، وتحوي كماً هائلاً من الألفاظ الجنية الصريحة. وبينما الفنان محـــمد رمضان في مسلسل «نسر الصعيد» يسب غريمه بوصفه بأنه «امرأة» تتوالى العروض الرمضانية، ويتوالى عمل لجان الرصد والمتابعة بغرض التقويم والتنبيه وربما عقاب المسيء.
وعلى رغم الأخطار التي يحملها مثل هذا العمل «الشرطي» في الرصد والمتابعة من انتهاك لحرية الإبداع والفن تحت شعار الحفاظ على الأخلاق العامة، أو تنصيب أحدهم مسؤولاً عن الأخلاق والسلوك القويم، وهي عبارات مطاطية قابلة للتغيير وفق القائم عليها، إلا أن مثل هذه اللجان والتحالفات لفتت انتباه مشاهدات ومشاهدين إلى فكرة كانت غائبة طوال عقود، ألا وهي الأعمال التي قد تسيء إلى المرأة أو الرجل، وحق المشاهد في التعبير عن تضرره من مشهد هنا أو لفظ هناك أو قيمة متدنّية يروّج لها.
من جهة أخرى، فإن تحالف «مرايات» الذي أطلق قبل أيام لن يكتفي بالرصد وإصدار التقارير المقارنة، بل سيسعى للتأثير على صناع القرار من خلال عرض الرصد المقارن للدراما التلفزيونية وإظهار مدى التباين بين ما طرحته الدولة في خطتها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، واستعادة حقوق النساء وبين ما تقدّمه الشاشات. كما سيحض صناع الفنون السمعية والبصرية على تضمين أعمالهم مبادئ المساواة بين الجنسين، والبُعد عن التنميط ورفض الأفكار التسليعية والتشيئية للنساء والرجال على السواء.
كما أعلن التحالف عن تواصله مع صناع الدراما، لا سيما من النساء، وحضهن على تبنّي خطاب نسوي حقوقي يدعم ويساهم في النهوض بأوضاع النساء والفتيات في مصر، ويرفض أشكال العنف والتمييز الواقع عليهن.
ويطرح بعضهم تساؤلاً حول قدرة الدراما «النظيفة» والمثالية والمراعية لحقوق النساء والأطفال والأسرة على تحقيق نسب مشاهدة عالية واجتذاب المعلنين.