مي السيد - " وكالة أخبار المرأة "

من منا لم يحلم بالطيران؟ جميعنا فعل، حتى أولئك الذين يهابون الطيران، يتسابقون لركوب الأُفعوانيات من أجل الشعور به فقط. 
كان يومًا عاديًا في الحادي والعشرين من مايو/آيار عام 1932، حتى حلقت طائرة صغيرة في سماء الأطلنطي بين هاواي والولايات المتحدة الأمريكية تقودها امرأة. كانت هذه المرأة هي «إميليا إيرهارت» أول امرأة تحلق بطائرتها بمفردها، وأول من وضعت العديد من سجلات الطيران، ودافعت عن حقوق السيدات اللاتي تتيح لهن الولوج في مجال الطيران. لماذا كان الطيران تحديدًا في حياة إميليا؟
البدايات المتخبطة
ولدت «إميليا ماري إيرهارت – Amelia Mary Earhart» في أتشيسون، كانساس في ـ24 يوليو/تموز 1897، في عائلة يعمل الوالد فيها محاميًا في السكك الحديدية، وانتسبت والدتها إلى عائلة ثرية. ارتبطت الطفلة إيرهارت بالطبيعة، وأحبت المغامرة كثيرًا حتى أصبحت جزءًا منها فيما بعد. كانت محبّة أيضًا لهوايات غريبة بالنسبة لفتاة صغيرة آنذاك مثل لعب كرة السلة، وتعلمت كيف تصلح السيارات. لكن، أتى الإدمان لينهي كل شيء حسن في حياتها، فإدمان والدها للكحول أفقدهم متعة حياتهم، وكافحت الأسرة ماديًا وسط ذلك كله.
أكملت إميليا دراستها الثانوية في شيكاغو عام 1916، بعد أن حصلت والدتها على ميراثها من عائلتها، والذي مكّنها من حضور دروس أولية في الجامعة في أوغونتز، ريدال في بنسلفانيا. وفي زيارة لشقيقتها في كندا، وجدت أنه من الأفضل رعاية الجنود المصابين خلال الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1918 تركت الجامعة لتصبح ممرضة مساعدة في تورونتو، كندا في الصليب الأحمر. وفي سماء كندا، كانت تقضي إميليا وقتها في مراقبة الطيارين، وفي أحد المطارات المحلية أثناء تواجدهم في تورنتو أيضًا.
بعد انتهاء الحرب، عادت إلى الولايات المتحدة، والتحقت بجامعة كولومبيا في نيويورك لتدرس الطيران، وبدأت رحلاتها التدريبية مع الطيار «نيتا سنوك – Neta Snook»، أول سيدة تلتحق بجامعة الطيران في فرجينيا. ثم حلقت بأول رحلة طيران لها في كاليفورنيا في ديسمبر/كانون الأول عام 1920 برفقة الطيار «فرانك هوكس»، أحد طياري الحرب العالمية الأولى.
في العام 1921، اشترت أول طائرة لها طراز «Kinner Airster» -كما يشتري أحدهم سيارة مثلًا-، وفي منتصف العشرينات من القرن العشرين انتقلت إلى ماساتشوستس حيث أصبحت ناشطة اجتماعية في دار للمهاجرين في بوسطن تدعى «دار دينيسون»، وواصلت اهتمامها بالطيران.
لأجل الطيران
كان هناك العديد من المروجين الذين يسعون لفتح المجال أمام السيدات للتحليق بالطائرات في المحيط الأطلسي، فكانت إميليا ضالتهم التي يبحثون عنها.
في إبريل/نيسان عام 1928 اختيرت للرحلة، وفي الـ17 من يونيو/تموز 1928، غادرت إميليا على متن طائرة مائية من نيوفاوندلاند، كندا يقودها كل من «ويلمر ستولتز، ولويس جوردون»، وهبطوا في ميناء بوري، ويلز في الـ18 من يونيو/حزيران 1928. أصبحت إميليا وقتئذٍ شخصية نسائية عالمية معروفة في مجال الطيران.
كتبت عن الرحلة التي قطعت الأطلسي في مدة زمنية بلغت 20 ساعة و40 دقيقة، وقامت بإلقاء العديد من المحاضرات في هذا المجال في أماكن متفرقة عبر الولايات المتحدة. ثم تولى الناشر آنذاك «جورج بالمر بوتنام» الحملات الدعائية لها، قبل أن يصبح زوجها في العام 1931، والذي ساعدها في تنظيم الرحلة التاريخية لها، لكنها استمرت في حياتها المهنية باسم عائلتها قبل الزواج «إيرهارت». قامت برحلة تحليق أخرى بالطائرة «autogiro» على ارتفاع قياسي بلغ نحو 5613 مترًا فوق سطح الأرض.
رحلتها التاريخية
عازمة على تحقيق الأفضل بعد أن منحتها رحلة الأطلسي عام 1928 شهرة واسعة، كررت الأمر ذاته. انطلقت بطائرتها «لوكهيد فيجا – Lockheed Vega» بمفردها في الحادي والعشرين من مايو/آيار عام 1932، من «هاربر جريس، نيوفاوندلاند» في كندا إلى «لندنديري» في أيرلندا الشمالية، في رحلة استغرقت وقتا قياسيًا خلال 14 ساعة و56 دقيقة فقط، على الرغم من وجود مشاكل فنية في طائرتها، وواجهت الطقس العاصف عبر الأطلسي، ولم تتمكن من الهبوط في وجهتها التي حددتها في باريس.
في العام 1935، صنعت إميليا تاريخًا آخر لسجلات طيرانها، بعد أن حلقت بمفردها في رحلة خطيرة في مسار يمتد لمسافة 3875 كيلومتر من هاواي إلى كاليفورنيا. غادرت إميليا بطائرتها أيضًا من «هونولولو» إلى أوكلاند في رحلة استغرقت 17 ساعة وسبع دقائق. وفي وقتٍ لاحق من العام ذاته؛ أصبحت إميليا أول شخص يحلق بمفرده في رحلة أخرى من لوس أنجلوس إلى مكسيكو سيتي.
النساء يحلّقن بالطائرات أيضًا
من خلال تجربتها، حرصت إميليا على تشجيع السيدات لرفض المعايير الاجتماعية التي تقيّد عملهن، ونصحتهن بمتابعة مختلف الفرص في مجال الطيران، كما أعطت العديد من التشجيع والنصائح اللازمة لسيدات ذلك الوقت.
وفي محاولة لتحقيق أي شيء لهؤلاء النسوة، ساهمت إميليا في إنشاء مؤسسة جميع روّادها من الطيارين الإناث، وأصبحت إميليا أول رئيس لهذه المؤسسة التي عرفت فيما بعد باسم مؤسسة «تسعة وتسعين – Ninety-Nines». كما أقامت مشروعًا خاصًا في العام 1933 لتصميم وحياكة ملابس «المرأة التي تعيش بنشاط»، لتشجيع السيدات على العمل بشكلٍ عام.
في الأول من يونيو/حزيران عام 1937، حلقت إميليا إيرهارت بطائرتها من طراز «لوكهيد إلكترا» ذات المحركين برفقة الطيار «فريد نونان – Fred Noonan» الذي كان بمثابة ملّاح الرحلة، في رحلة طويلة قاطعة نحو 47 ألف كم عبر المحيط الأطلسي من ميامي إلى الوجهة الشرقية إلى محطتهم «لايز، غينيا الجديدة». خلال الرحلة، قاما بالعديد من عمليات الهبوط والتزود بالوقود قبل الوصول. وفي الـ29 يونيو/حزيران، عند هذه المرحلة، كانت إيرهارت ونونان قد قطعا مسافة 35 ألف كم.
في الثاني من يوليو/تموز من نفس العام، اتجه الطياران إلى جزيرة هاولاند. رحلة شاقة صعُب فيها تحديد الجزر، والاتصالات المتقطعة بين إيرهارت وخفر السواحل في إتاسكا بالقرب من الجزيرة. في وقت متأخر من الرحلة، كانت كلمات إميليا تفيد بأن وقود الطائرة على وشك النفاد. وبعد ساعة، أرسلت رسالة مفادها أنهما يحلقان بشكلٍ عشوائي (شمالاً وجنوبًا)، وكان ذلك آخر اتصال تلقّاه خفر السواحل في إتاسكا.
تكهنات كثيرة قيلت حول مصير الطائرة وربّانها، لكن أول الأقاويل كانت سقوطها في المحيط الهادئ على بعد 160 كم من الجزيرة، لذا أجريت عمليات بحثٍ مكثفة عن الطيارين، حتى تم إيقافها بعد فقدان الأمل في العثور عليهما في الـ19 من يوليو/تموز 1937، ليعلن زوجها هذا التاريخ الذي فقد فيه زوجته إميليا في المحيط. نشر زوجها بعد ذلك رسائل ومخطوطات كانت ترسلها له إميليا خلال الرحلة، وكانت هذه الرسائل الصغيرة آخر ما تبقى منها.
المحيط يكشف عن أسراره!
نُشرت دراسة في مجلة «فورنسيك أنثروبولوجيا – Forensic Anthropology» أجرتها جامعة فلوريدا، تفيد بالعثور على حفريات عظمية، يرجح عودتها بصفة كبيرة إلى إميليا. تقول الدراسة، إنه في العام 1941، عثر فريق بريطاني كان يستكشف الجزيرة من أجل معرفة مدى صلاحيتها للسكن أم لا على جمجمة بشرية، حذاء امرأة، أداة بحرية كان يستخدمها فريد نونان، وزجاجة من المشروب العشبي «البينديكتين»، وهو شيء كانت تفضله إميليا وتحمله معها.
كما عثر الفريق على مجموعة من 13 عظمة تم إرسالها للتحليل والدراسة، حيث خلُصت النتائج بأنها عظام تعود إلى ذكر. جدالات كثيرة بين المتخصصين في الطب الشرعي، فيقول الدكتور «جانتز» المشارك في الدراسة، إنه بسبب أن الطب الشرعي كان لا يزال في مراحله المبكرة، فإن الدكتور هودليس الذي خلص لهذه النتيجة آنذاك، قد يكون مخطئًا.
وبسبب فقدان العظام لخصائصها وتحللها بشكلٍ يصعب داسته، قام فريق البحث في الدراسة باستخدام صور تاريخية لتحديد مدى تطابق أجسام إميليا وفريد مع رواسب الهيكل العظمي الذي عثر عليه. كما تم الاستعانة بمتخصصين في الأزياء التاريخية لتحليل الملابس مثل طول السروال الذي عثر عليه، وشكل الخصر المميز لسراويل إميليا.
انتهت الدراسة بأن هذا التحليل يكشف أن الرفات والعظام التي عثر عليها في جزيرة «نيكومورو» تعود إلى امرأة ​​من أصل أوروبي (كما كانت إميليا)، تتشابه مع صفات إميليا إيرهارت بنسبة 99%. وحتى يكون القول الفاصل في هذه القضية أكيدًا، لا زالت الدراسات جارية، وسيتم هذه المرة محاولة إعادة تشكيل وجه الجمجمة التي عثر عليها، لمعرفة هل ملامحها تقارب إميليا أم لا.
أخيرًا؛ النساء يصنعن المعجزات دائمًا، وعلى الرغم من التقدم الذي نلحظه في الوقت الحالي من تقدم السيدات في أغلب المجالات، إلا أن العوائق لا تنتهي، ورحلة كفاحهن في المجتمعات لا تزال طويلة.