حوار- عائشة الجيار - الكويت - " وكالة أخبار المرأة "

«تصاب المرأة بالاكتئاب ضعف الرجل، وذلك لعوامل بيولوجية، واجتماعية تعانيها أكثر من الرجل» هذا ما تؤكده د. مريم العوضي الأستاذة المساعدة في قسم الطب النفسي بكلية الطب في جامعة الكويت، وصاحبة التخصص النادر في الصحة النفسية للمرأة. في حوارها التالي  توضح لنا العوضي في البداية الفرق بين عيادة الطبيب النفسي والاستشاري النفسي، وتحدد لنا الأعراض التي تشير الى أن لدينا مريض اكتئاب في المنزل على حافة الخطر.
ما الأمراض النفسية التي يجب أن يذهب الشخص وهو مريض بها للطبيب النفسي وليس للمرشد أو لاستشاري نفسي؟
– أي مرض نفسي بشكل عام اذا وصل لدرجات خطرة، يفضل عرض المريض على الطبيب النفسي، مثل أن يصبح المريض خطرا على الآخرين، أو على نفسه، وتراوده أفكار انتحارية، أو عدوانية، أو يهدد بإيذاء نفسه أو الآخرين. أيضا حالات الإدمان، والفصام الذي لا يميز الشخص فيه بين الواقع والخيال. كل هذه الأمراض لابد أن تكون في عيادة الطبيب النفسي وليس مختص العلاج السلوكي.
أعراض واضحة
* كيف نكتشف أن هناك فرداً في الأسرة مثلا أو صديق، يحتاج لاستشارة طبيب نفسي، ما الأعراض التي يمكن أن نلاحظها؟
– هناك بعض الأعراض الواضحة، مثل أن تبدأ شخصية هذا الفرد تتغير، بعد أن كان اجتماعيا يصبح منعزلاً، لا يخرج من غرفته، وبدأ وزنه في النزول أو قد يزيد، ويهمل مظهره، وتقل ساعات نومه، واذا كان طالبا نجد درجاته تنخفض، وإذا كان موظفا فهو لا ينتج في وظيفته. أما المراحل المتطورة فتبدأ عندما تراوده أفكار انتحارية أو يردد تهديدات بالانتحار.
> في حالة التهديدات بالانتحار، في الغالب يتعامل مع الشخص المحيطون به على أنها مزحة، أو أنه تهديد غير جدي، ويتجاهلون تلك الإشارات.
– هذا حقيقي، لذلك أفضل أن نأخذ التهديد على محمل الجد ونذهب بالشخص للمستشفى النفسي أو عيادة طبيب نفسي، وإن يتضح أنه تهديد زائف، ولو تكرر، على أن يصدق وينتحر الشخص، وهذه رسالة للآباء والأمهات لا تتجاهلوا الإشارات التي يرسلها الأبناء عن مرضهم النفسي.
النساء أكثر اكتئاباً
* تخصصك في مجال الصحة النفسية للمرأة، لماذا هناك فرع في الطب النفسي لدراسة المرأة دون الرجل؟
– أثبتت الدراسات أن المرأة أكثر عرضة للمرض النفسي من الرجل، فهي معرضة ضعف الرجل للإصابة بأمراض اضطراب المزاج والقلق، وذلك بسبب التغيرات الهرمونية التي تحدث بعد الحمل والولادة، وقبل الدورة الشهرية، وعند انقطاعها، المرأة بشكل عام عليها ضغوط أكثر من الرجل، ومحاولاتها المستمرة للموازنة بين البيت والاولاد والزوج والعمل والضغوط المادية، كلها ضغوط تمارس عليها أكثر من الرجل. والعوامل الاجتماعية في مجتمعاتنا الشرقية تزيد هذه الضغوط على المرأة بحكم «عيب وحرام»، وبفرض قيود على المرأة بخلاف الرجل، واذا وضعنا كل هذه العوامل مع التغييرات البيولوجية نجد أن المرأة أكثر عرضة للمرض النفسي، لذلك تم تخصيص فرع في الطب النفسي للصحة النفسية للمرأة.
* هل صحيح من الناحية النفسية أن المرأة أكثر حساسية من الرجل، ومن السهل أن تعبر عن عواطفها وحزنها؟
– من الناحية النفسية نتكلم عن الشخصية بغض النظر عن النوع، فهناك نساء أقوى من الرجال، وهناك رجال حساسيتهم أكثر من النساء، لكن الفرق في طرق التعبير عن العاطفة، المرأة من السهل أن تبوح عن عواطفها بالبكاء أو الحزن وهي تعلن عن اكتئابها بذلك، في حين الرجل مختلف يعبر بعصبيته، فالرجل المكتئب يعبر عن مشاعر اكتئابه بالعصبية، ولا يتحمل أي شيء ونجده يثور لأتفه الأسباب، لكن الاثنين يكون مرضهم واحدا الاكتئاب وطرق التعبير مختلفة.
ما أكثر الاضطرابات النفسية التي يعانيها الرجال والنساء في الكويت، وخاصة النساء؟
– بشكل عام يعاني الرجال والنساء في الكويت اضطرابات المزاج والقلق، والاكتئاب، وهناك اكتئاب ثنائي القطب، وأمراض القلق مثل الرهاب الاجتماعي، والوسواس القهري، ويضاف لها اكتئاب ما بعد الولادة للنساء.
بالنسبه لاكتئاب ما بعد الولادة، أصبحنا نسمع عنه كثيراً، هل هو «دلع» من بعض النساء؟
– نعم، سمعت هذا الكلام، ويقولون من قديم الزمن النساء يحملن ويلدن، وأيضا منذ قديم الأزل هناك من تبتر ساقه ويموت، ولم نكن نعلم أن مرض السكري سبب ذلك، إذاً عندما يظهر حديث عن مرض لا يعني أنه لم يكن موجودا، بل تعريفه وتعريف أعراضه وأسبابه وطرق علاجه هو الذي أصبح معروفا لنا.
هل حبة الدواء فعلاً ممكن أن تغير حالة مريض اكتئاب مقبل على الانتحار؟
طبعاً، لأنها تغير الجانب البيولوجي الذي يؤثر فيه بشكل كبير، وهذا هو الجانب الخاص بي، لكن إذا كانت هناك عوامل اجتماعية، مثل الزوجة التي تهان من قبل زوجها وبشكل يومي، فقد تأخذ العلاج الدوائي وتتحسن، ولكن تستمر البيئة المحيطة السيئة بها.
مسببات الاكتئاب
* مرض الاكتئاب يصيب الأغنياء والفقراء، ويصيب أيضاً المدمنين على العمل والعاطلين، فما سبب الاكتئاب؟
– أي السيناريوهات الأربعة التي ذكرتها ليست سبباً في الاكتئاب، فلا العمل ولا البطالة، أو الغنى أو الفقر، بل الاكتئاب يحدث نتيجة عدم توازن هرمونات محددة بالمخ، وهي «سيروتونين» و«نورادرينالين»، ويكون ذلك لأسباب وراثية، وللأسف، التاريخ المرضي النفسي لا أحد يذكره، بينما لو مرض مثل السكري الكل يعرفه ويعرف انه قد يورث، وكذلك الاكتئاب والأمراض النفسية.
وأتذكر أن مريضا سألني ذات مرة «كيف أكون بالنسبة للآخرين الشخص القوي ويعتمدون علي، وتحملت أشياء في حياتي، لا يستطيع غيري تحملها وفجأة أسقط فريسة لمرض الاكتئاب!»، والخطأ هنا والذي أخبرته للمريض أنه يربط المرض بالقوة، فهل إذا كنت قوي البنية لا تصاب بالأمراض مثل السكر والضغط؟!
جلسات «أونلاين» وتطبيقات ذكية
* تستخدمين خدمة أونلاين مع المراجعين، هل هذه الخدمة وفرت أماناً أكثر لمن يهابون الذهاب لعيادة الطبيب النفسي؟
– لقد تأثرت حياتنا بالتكنولوجيا، وأستخدم تطبيق سكايب مثلا لإجراء جلسات مع المراجعين، فقد تكون المراجعة زارتني في المرة الأولى، وبعد ذك سافرت للدراسة، فنستمر في جلساتنا من خلال السكايب، ولكن هذا لا يعني أن جلسات أونلاين هي بديل عن الحضور الفعلي في العيادة، فأنا أرفض الوصمة القديمة عن الذهاب للطبيب النفسي، وقد تغيرت هذه النظرة كثيراً، لكن هناك حالات مثلا لديها رهاب اجتماعي وتفضل جلسات أونلاين، أو تكون هناك ضرورات أجدها لإجرائها أونلاين.
استخدام التطبيقات الذكية في العلاج النفسي أمر جديد، ونصحت به متابعيك في الانستغرام، حدثينا عن ذلك؟
– نعم هناك تطبيقات ذكية مفيدة جداً، ونصحت بها المتابعين، فمثلا هناك تطبيقات تتعلق بالتأمل، أو «الميدتيشن»، مثل Headspace:GuidedMedition وهو تطبيق بسيط جدا لا يحتاج الا ان تستخدمه لمدة عشر دقائق يوميا، ويعلمك التنفس الصحيح والاسترخاء، وهناك تطبيق آخر لمن يعانون مشكلات في المزاج والقلق واسمه Pacifica-Stress&Anxity.
هناك أيضاً تطبيقات أخرى مثل MoodLook وهي مثل تدوين لحالة مزاجنا اليومي، وهناك بعض التطبيقات على شكل فقط وجوه (حزين، مبتسم، غاضب) والهدف هو تسجيل حالتنا المزاجية ومقارنتها بعد أسبوع مثلاً، ولنعرف كم تحسنت حالتنا المزاجية أو العكس، والتدوين اليومي يختلف عن الاعتماد على الذاكرة التي قد تخونك، في حين التدوين يستطيع تتبع حالتك المزاجية.
هل تؤيدين تدوين الشخص مشاعره وما يريد أن يتحدث عنه في يوميات خاصة به؟
– هذا ما أنصح به الجميع، البعض يفضل الحديث عن مشاعره لصديق أو لشخص آخر ويجد الأمر أسهل وأكثر راحة، لكن هذا لن يحدث كل يوم، من أين ستأتي بشخص يستمع لك يوميا، وهل تستطيع ان تبوح له عما بداخلك بكل شفافية، إذاً أن تكتب تدويناتك لنفسك هو الأفضل على الاطلاق، أن تخرج كل ما هو مكبوت بداخلك، من احباط، من اكتئاب، من قلق، او حتى احلام وامنيات ومشاعر تبهجك، نتائجه رائعة، ولن تلاحظها في الأيام الأولى من تدوينك، لكن ستشعر بفائدتها العظيمة على صحتك النفسية ومزاجك العام بعد أن تتحول لعادة يومية لك.
مفاهيم خطأ
* ما أهم التحديات التي تواجهينها مع المرضى عندما تكتبين لهم أدوية؟
– التحدي هو في تصحيح مقولات خطأ، لكنها للأسف راسخة، وعلينا تغييرها مثل «أدوية الأمراض النفسية تسبب الإدمان»، أو «إذا توقفت عن الأدوية ستسوء الحالة أكثر من الأول»، أو «أن آثارها الجانبية خطرة وستسبب لك الخمول والنوم لفترات طويلة»، ولدحض هذه المفاهيم أجلس مع المريض عشر دقائق وأشرح له عن الدواء وأهميته وآثاره، وأعتقد أن الصعوبة التي أواجهها لا يواجها أي طبيب في تخصص عضوي آخر عندما يكتب وصفته الطبية، لذلك أؤكد أن أدوية الطب النفسي تطورت مثل باقي أدوية الطب ونسبة أمانها عالية، وأي آثار جانبية تكون مثل أي أدوية أخرى.
ربما أي شخص يريد أن يتحسن دون الاعتماد طويلا على علاج نفسي؟
– فعلا هذه نظرة البعض، وأحدهم قال لي «أريد أن أصبح أفضل من دون دواء»، هل مريض الضغط أو السكري يمكن أن تتحسن حالتهم من دون دواء، وكما تقبل المجتمع أهمية تناول الدواء طوال العمر لبعض الأمراض المزمنة، الأمر نفسه مع بعض الأدوية النفسية.
وصمة الملف النفسي
* الملف النفسي أمر مزعج لكثير من المرضى، كيف ترين هذا الأمر؟
– هناك بعض الأدوية غير متوافرة في الصيدليات الخاصة، وعلى المريض أن يحصل عليها من صيدلية المستشفى الحكومي، ولكن قبلها عليه أن يفتح ملفا نفسيا في المستشفى، وهذا الأمر مرفوض للبعض، وعندما تسأل عن السبب يكون «حتى لا يؤثر في مستقبله الوظيفي»!، ولكن لإذا كان هناك مريض يعاني اضطرابات نفسية، فكيف يعمل في السلك العسكري ويمسك سلاحا بيديه؟!، وجاءت لي مريضة ذات مرة رافضة ان تفتح ملفا لأنها على خلاف مع زوجها وقد تُطلق، وتخاف إذا كان لها ملف نفسي في المستشفى أن يسحب منها حضانة الأبناء، وأحب أن أوضح أنه في هذه الحالة تشكل المحكمة لجنة، وتفتح ملف المريضة، فإذا كانت مثلا تعاني اضطرابات نوم، أو قلقا ما تؤثر في حضانتها، لكن إذا كانت حالة ادمان، أو ذهان أو عنف وعدوانية فكيف تبقى معها حضانة الأبناء؟!
لذلك نحتاج لتغيير النظرة نحو وجود ملف للمرضى في الطب النفسي، ونتعامل معها مثل الملفات في أي مستشفى لأمراض أخرى.
هل يمكن أن يصاب طفل بالمرض النفسي ويحتاج لدواء؟
– نعم، وعلى الأهل ملاحظة ذلك وعدم التردد في اصطحابه لطبيب نفسي وإعطاؤه الأدوية المناسبة لحالته، فالأطفال يصابون مثل الكبار ولأسباب وراثية، وقد تكون من أجيال سابقة، مثل أمراض الوسواس القهري، فهناك طفل جلده تأثر من كثرة غسله بالماء فهو يمكث ساعات في الحمام، وعلامات الأمراض النفسية واحدة عند الكبار والاطفال، لكن قد ينكر أولياء الأمور الأعراض على أطفالهم خوفا من شعورهم بالذنب، وقلت لإحدى الأمهات ذات مرة «لا تشعري بالذنب مرض ابنك الصغير ليس قصورا منك، بل هو وراثي»، وارتاحت الأم بعد سماعها ذلك وبدأ ابنها العلاج الدوائي.
فكرة العلاج الجماعي نراها في الأفلام الأجنبية وهي جديدة على المجتمع الكويتي، حدثينا عنها؟
– لقد بدأت «قروبات» العلاج الجماعي قبل عام، وكانت مع 5 أمهات يعانين اكتئاب ما بعد الولادة، ولمدة 5 أسابيع، وكانت الطريقة مفيدة جدا لهن، لذلك منذ فترة قريبة بدأنا في جلسات علاج جماعية منفصلة، مجموعة للرجال، ومجموعة للنساء، من مراجعي العيادة، ونشكل مثل حلقة نتشارك فيها التجارب ونكون داعمين، ولا يكون لي دور كطبيبة، وتكون الجلسة مرة واحدة شهرياً ومدتها من ساعة الى ساعتين، ومجانية أيضاً. ولقد لامس المشاركون فيها مدى الفائدة منها وهي طريقة علاج متبعة عالمياً.
* ما أعراض مرض اضطراب ثنائي القطب؟
– هو حالة شديدة من اضطراب المزاج، يكون اكتئاب مع هوس شديد، ويبدأ الشخص بالتصرف بين هذين العرضين، التفكير يكون أسرع من الطبيعي، قليل النوم مثل أن ينام ساعتين، ورغم ذلك ينتج كأنه نام لثماني ساعات، لديه ثقة زائدة في النفس، قراراته سريعة جداً ومتهورة، واذا تحدث لا تستطيع مقاطعته، ومن أعراض تهوره في الإنفاق، مثلا نجد موظفة معاشها 700 دينار، وتأخذ قرضا قيمته 30 ألف دينار، وتنفقه خلال عطلة الأسبوع!
الشخص الذي يعاني اضطرابا ثنائي القطب، يعاني تهيؤات أنه يملك قدرات خاصة، مثل أنه يقرأ ما يفكر فيه الآخرون. وفي هذه الحالات لا يعالج الشخص على أنه مريض اكتئاب فقط، بل يحتاج لأدوية منظمات المزاج.
* الفرق بين كآبة ما بعد الولادة واكتئاب ما بعد الولادة
– كآبة ما بعد الولادة تمر بها كل النساء من تغيير الحالة المزاجية، بسبب تغيير الهرمونات وتشعر بالتعب والإرهاق والرغبة في البكاء، وتستمر هذه الحالة نحو عشرة أيام وتزول، وهذه الحالة لا يكون للطفل علاقها بها، أي أن الأم لا تعاني مشكلة مع ارتباطها بطفلها.
اكتئاب ما بعد الولادة تكون المشكلة بعدم ارتباط الأم بطفلها، وتشعر أنها أم غير جيدة، ولا تستطيع أن تقوم بهذا الدور بشكل صحيح، والأمور التي قد تفرح أي أم طبيعية من طفلها لا تفرحها، ويبدأ وزنها في النزول، وتهمل نفسها ولا تأكل ولا تنام. وهذه الحالة قد تكون بدأت معها منذ حملها، لكن أي امرأة تستطيع أن تفصح عن مشاعرها تجاه جنينها، فهي تخشى ممن حولها والحكم عليها بأنها سيئة، وإذا صرحت بذلك فستجد من حولها يقولون لها «احمدي ربنا غيرك يتمنى طفل»، أو «تعوذي من ابليس واستغفري ربك» وفي الواقع هي تحتاج لعلاج طبي ودواء لتغيير حالتها البيولوجية وضبط هرموناتها.
القبس