نهى الصراف - لندن - " وكالة أخبار المرأة "

يعرف الشعور بالحسد أغلبنا ربما عندما تتم ترقية صديق أو زميل حقق بعض النجاح في عمله أو أنه حصل على منزل أكبر، أو صديقة حققت حلم حياتها أو ارتبطت بشخص يحبها، ثم الكثير من الخير والسعادة اللذين قد يصيبان الآخرين في محور محيطنا الاجتماعي وبدلا من أن نشعر بالسعادة لسعادتهم، نبدو مكتئبين وغاضبين، وكأن جزءا في داخلنا يرغب برؤيتهم فاشلين!
ليس من المفترض أن نفكر بهذه الطريقة ونشعر بالحرج حيال مشاعرنا الغاضبة.. ولا نستطيع بالتأكيد البوح بها لأصدقائنا الآخرين، لكنها موجودة، بشدة، باستمرار وقد تأكل من المخزون الإيجابي في داخلنا.
يتحدث الدكتور روبرت ليهي أستاذ الطب النفسي في كلية الطب بجامعة ويل كورنيل الأميركية ومدير المعهد الأميركي للعلاج المعرفي، عن طبيعة الحوار الداخلي الذي قد يراود أي شخص يشعر بهذه الطريقة، وكأنه يخاطب فيه نقيصة في شخصيته “أفكارك التي تضج بالحسد تجعلك تفكر، إنهم لا يستحقون مني هذا، يعتقدون بأنهم تفوقوا عليّ؟ ربما هم كذلك، لا أستطيع أن أجاريهم، أتمنى أن يفشلوا!”، ثم ينتقل الحوار الداخلي إلى الفكرة السيئة التي تحملها عن نفسك فتقول “هذا يؤكد كم أنا سيء وحقود، أواصل فشلي، وسينظر لي الآخرون وكأنني خاسر على الدوام، إذ كان بإمكاني أن أنجح وأفعل مثلهم ولكنني فاشل”. وهكذا، فإن هذا الشخص سيسأل نفسه بالتأكيد؛ أي نوع من الأشخاص أنا الذي لا أتمنى النجاح للآخرين؟
ويجيب ليهي “أنت شخص عادي”، الحسد طبيعة بشرية تلازم الإنسان منذ طفولته، فالطفل يشعر بصورة أفضل إذا ربح في اللعب على أقرانه وسيشعر بالارتياح أكثر إذا خسر أصدقاؤه لعبهم أو حطموها، ويمكن للبالغين أن يشعروا بنفس المشاعر وغالبا ما نشعر بالإحباط كوننا لم نكن الرابحين ويتملكنا الغضب والحسد تجاه الأشخاص الذين ينجحون ويتفوقون علينا، فنحكم على عالمنا هذا بأنه غير عادل وبأننا سلبنا حقوقنا من دون مبرر.
على أن مشاعر الحسد تتنوع وفق الزاوية التي ننظر للأشياء من خلالها؛ فهناك الحسد العدائي وهو أكثر أنواع الحسد شيوعا، حيث يتسبب نجاح الآخرين في شعورنا بالفشل وعدم قدرتنا على تحمل فكرة أن نكون أخفقنا في الوقت الذي نجح فيه الآخرون، لذلك نبدأ بالتشكيك في أسباب نجاحهم وقد يكون من وجهة نظرنا غير مشروع أو لم يحصل بالطرق المشروعة، فيأخذنا الحسد إلى زاوية مظلمة حيث تحدونا الرغبة في أن يفشل هؤلاء فقط لنثبت لأنفسنا بأنهم لم يكونوا أهلا للنجاح، وربما نشعر ببعض الارتياح وقد نشمت في دواخلنا.
في حين يوصف بعض أنواع الحسد بأنه حميد، وهو نوع محايد من الحسد، حيث نقدم إعجابنا بالشخص الذي يحقق نجاحا ونعبّر له عن مشاعرنا بكل حيادية، في الوقت الذي نتمنى فيه أن نحقق نجاحا مماثلا لأنفسنا، أو على الأقل أن نتعلم شيئا من تجربته.
أما النوع الثالث من الحسد، فهو الأكثر تداولا في مجتمعاتنا، إنه الحسد الذي يسبب الاكتئاب لصاحبه، الحسد الصامت الذي يأكلنا من الداخل ويستنفر مشاعرنا السلبية فنجاح الآخر يعكس بالضرورة فشلنا، هذا هو الأمر ببساطة. إلا أن العديد من الأشخاص يختبرون الشعور المشترك بالحسد العدواني والاكتئابي، فيمكن أن يشعر أحد ما بالاكتئاب بسبب ترقية حصل عليها زميله في العمل، ثم يتمنى في وقت لاحق ألا يستمر هذا الزميل بالنجاح أو أن يحدث شيء ما يؤكد فشله وأن ما حدث لم يكن سوى مصادفة أو خطأ.
ويؤكد ليهي أننا نحسد الأشخاص الذين نستطيع أن نقارن أنفسنا بهم، أناس يقعون في محيط دائرتنا الاجتماعية؛ زملاء عمل، أصدقاء وأشقاء، هذا لأننا نشعر بأن ما حققوه يقع ضمن مستوى إمكاناتنا وتحيط به الظروف المادية والاجتماعية والنفسية عينها، لهذا فإننا قد نصل إلى شعور مرير بتأنيب أنفسنا بمعنى أن نطرح سؤالا يشبه كثيرا السؤال الذي تطرحه أم على صغيرها المشاكس “ماذا ينقصك لتجعل فلانا يتفوق عليك، أنت تجلس بجانبه في مقعد الدراسة ووالده يعمل مع والدك في نفس المكان وتتقاضى مصروفا يوميا بقدر ما يتقاضى، فلماذا يتفوق هو بالذات؟”.
ولهذا، كثيرا ما نضع اللوم على أنفسنا حين يقع حسدنا للآخر الند لنا، في إطار يشوبه الإحساس بالظلم فقط لأنه يتساوى معنا في الموقع والفرصة، في حين لا يبدو بأن شخصا يحصل على جائزة نوبل يثير أي مشاعر بالحسد من جانبنا لأنه لا يشاركنا المستوى والإطار الذي نتحرك ضمن أبعاده.
أما إذا كان الشعور بالظلم يصاحبه شعور بوهم التفوق على الآخرين حتى مع عدم القدرة على تحقيق الأهداف، فإنها تعد إحدى الحيل النفسية التي تحدث عنها عالم النفس ألفرد أدلر؛ حيث تتعارض فيه مشاعر الشخص بالاستعلاء مع شعوره بالدونية، فإذا لم يستطع الشخص أن يؤدي أداء أفضل من شخص آخر معتمدا على فضائله الشخصية، فسيحاول تدمير شخص آخر أو مجموعة أخرى للحفاظ على حالة التفوق إن وجدت.
وتوصف عقدة الاستعلاء بكونها إحدى الطرق التي يستخدمها الشخص الذي يشعر بمركب الدونية للإفلات من الصعوبات التي يواجهها. فيدعي أنه أكبر من ذلك وهو في الحقيقة ليس كذلك، وهذا النجاح الكاذب يعوض حالة الدونية التي لا يمكنه تحملها.
ويعمد بعض الناس إلى انتقاد الشخص الذي أمامهم ويحاولون التقليل من شأنه، ليشعروا بالتفوّق عليه، وذلك لإحساسهم بالنقص.