تونس ــ مريم الناصري - " وكالة أخبار المرأة "

نجحت المرأة التونسية في الحصول على مجموعة من القوانين التي تصبّ في مصلحتها، الأمر الذي يجعلها نموذجاً يحتذى به. والمجتمع المدني الذي اعترف بأهمية تلك المكاسب، يواصل نضاله لإرساء قوانين جديدة من شأنها حماية المرأة بطريقة أكبر، ولا سيّما من العنف الذي بات ظاهرة خطيرة، وفق ما تؤكد منظمات من المجتمع المدني، خصوصاً تلك التي تُعنى بحقوق المرأة.
وكان الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري (منظمة حكومية) قد أشار إلى أنّ 47 في المائة من النساء في تونس تعرّضن لنوع من أنواع العنف، في حين أشار مركز الدراسات القانونية والقضائية في وزارة العدل إلى أنّه خلال الفترة الممتدة من عام 2008 وإلى عام 2013، جرى تسجيل 28 ألفاً و910 شكاوى تقدّمت بها نساء من جرّاء تعرضهنّ للعنف، أي بمعدّل خمسة آلاف و782 شكوى سنوياً. من جهتها، أكدت وزارة المرأة والأسرة والطفولة أنّه جرى تسجيل نحو 38 ألف قضية عنف زوجي خلال الفترة الممتدة بين عام 2011 وعام 2015.
في السياق، تخصّص منظمات في تونس مراكز إصغاء للنساء ضحايا العنف، لعلّ أبرزها المركز التابع للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات. وتقول المنسقة أميرة النفزاوي إنّه "يومياً نستقبل نساء وقعنَ ضحايا العنف الزوجي أو الأسري أو في الوسط المهني وغيره، في حين تختلف أنواع العنف بين لفظي وجسدي يبلغ حدّ الاستغلال الجنسي". وتشير النفزاوي إلى أنّ "المركز يستمع إلى النساء المعنفات، لكنه لا يفتح تحقيقات على مستوى الأسرة أو مكان العمل. هو يقدّم فقط بعض التوجيهات، من قبيل توجيه هؤلاء النساء إلى متخصصين نفسيين واجتماعيين وحتى قانونيين في حال رغبت المرأة في اللجوء إلى القانون. كذلك، فإنّ المركز قد يؤمّن مساعدة في بعض المصاريف البسيطة".
وإذ تؤكد النفزاوي أنّ "ظاهرة العنف إلى ارتفاع وقد تجاوزت نسبتها 50 في المائة وفق دراسات أعدّتها جمعية النساء الديمقراطيات"، توضح أنّ "الإحصاءات التي يقدّمها المجتمع المدني وكذلك المؤسسات الحكومية لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة. والمرأة المعنّفة لا تفصح في غالب الأحيان عن تعرّضها للعنف خوفاً من تفاقم مشكلاتها".
وبعد مطالبات من قبل منظمات وهياكل رسمية بضرورة سنّ قانون يجرّم العنف ضد المرأة، جرت المصادقة في 26 يوليو/ تموز 2017 على قانون يتعلّق بالقضاء على العنف. وبعد توقيعه في 11 أغسطس/ آب من العام نفسه من قبل رئيس الجمهورية وصدوره في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، دخل هذا القانون حيّز التنفيذ في تاريخ 15 فبراير/ شباط 2018. ويهدف هذا القانون، وفق ما جاء في فصله الأول، إلى "وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة، القائم على أساس التمييز بين الجنسين من أجل تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية، وذلك باتباع مقاربة شاملة تقوم على التصدي لمختلف أشكاله بالوقاية، وتتبع مرتكبيه ومعاقبتهم وحماية الضحايا والتعهد بهم".
كذلك نصّ القانون الجديد على ضرورة استحداث آلية تمكّن قاضي الأسرة من إصدار إذن بالحماية الاستعجالي في حال وقوع عنف، مع اتخاذ جملة من الإجراءات لحماية المرأة من العنف وإنشاء مراكز للإيواء ضحايا العنف. فيما استحدثت وزارة المرأة والأسرة والطفولة خطاً مجانياً مخصصاً لاستقبال المكالمات الخاصة بضحايا العنف.
وبعد دخول القانون حيز التنفيذ، فإنّ عدد القضايا التي جرى تسجيلها لدى الوحدات الأمنية المختصة بالبحث في جرائم العنف ضدّ المرأة منذ تركيزها في تاريخ 16 فبراير/ شباط 2018، تجاوز 900 قضية على مستوى البلاد ككل، وذلك وفق الإدارة العامة للشؤون القانونية في وزارة الداخلية. وسُجّلت قضايا العنف على مستوى محافظات تونس الكبرى ونابل والقيروان وسوسة بمعدّل 30 قضية في اليوم، في حين أكّدت الوحدات الأمنية أنّ 40 قضية عنف تُسجّل في اليوم في محافظة نابل. يُذكر أنّ عدداً قليلاً يُسجّل في المحافظات الأخرى، لا سيّما في الجنوب حيث لم يتجاوز خمس قضايا في المحافظة الواحدة.
إلى ذلك، نصّ القانون على ضرورة إنشاء وحدات أمنية تختص في تلقي تلك الشكاوى والتعاطي مع هذا النوع من القضايا. وأعلنت وزارة الداخلية عن استحداث وحدتَين متخصصتَين تحت اسم "الفرق المختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة والطفل"، إحداهما تابعة لإدارة الشرطة العدلية في الإدارة العامة للأمن الوطني، والثانية تابعة لإدارة الشؤون العدلية في الإدارة العامة للحرس الوطني، إلى جانب فرق جهوية في كلّ منطقة. وهي فرق متخصصة في البحث في جرائم العنف بمختلف أشكاله المادية والمعنوية والجنسية وحتى الاقتصادية. كذلك أكّدت الوزارة أنّها تولت برمجة أيام لتدريب الكادرات والأعوان الذين جرى تعيينهم في الفرق المذكورة.
تقول حياة وهي متخصصة في تلقي شكاوى النساء المعنّفات، إنّ "الوحدات الأمنية بمعظمها لاحظت ارتفاعاً في إقبال النساء على هذه الوحدات، خصوصاً بعد دخول القانون حيّز التنفيذ، إذ بات يوفر لهنّ الضمانة والحماية قانونية". تضيف أنّ "الوحدات المتخصصة تتولى تسجيل شكوى المتضررة والبحث في القضية، مع توجيه المرأة وإرسالها إلى أحد مراكز إيواء النساء ضحايا العنف والبالغ عددها اليوم ستة مراكز".
يُذكر أنّ وزارة المرأة والأسرة والطفولة تولّت إنشاء ستة مراكز لإيواء النساء ضحايا العنف في كل من محافظات تونس وجندوبة ومدنين وصفاقس والقيروان وقفصة. وفي هذه المراكز، يُقدّم للنساء ضحايا العنف الدعم النفسي والتوجيهات الضرورية لهنّ. لكنّ ثمّة منظمات ترى أنّ العدد ضئيل جداً بالمقارنة مع حالات العنف المسجلة، مؤكدة ضرورة تكثيف الجهود بين وزارة المرأة والأسرة والطفولة ووزارة الشؤون الاجتماعية والداخلية والمجتمع المدني لتوفير مزيد من المراكز مع طاقة استيعاب تتحمّل عدد النساء اللواتي هنّ في حاجة إلى إيواء.