رابعة الختام - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

لماذا يخون الرجل؟ لا أقصد بالرجل أي ذكر ولكن أقصد الزوج فلا خيانة بدون طرف آخر يتم خداعه وكسر قلبه وجرح مشاعره، الخيانة فعل يقع على مظلوم بلا جدال، فمن يخون الأعزب وهو وحيد؟!
هاتفتني جارة قديمة لها من الحسن والمكانة الإجتماعية والمهنية والمادية أكبر نصيب، متزوجة منذ أربعة وعشرين عاما. لم تتم عامها العشرين حين أنهت أسرتها إجراءات زواجها من ابن عمها سريعا للحاق به في بلد أوروبي متحضر لاستكمال دراسته الجامعية العليا، لا تنكر أنه زواج بأتم معنى الكلمة وحرفيتها، حب منذ الطفولة، سنوات مراهقة، وصبا، وشباب، لم تنفك فيها أواصر الصلة الوطيدة، لم تخلع يوما ما على زواجها -كذبا- صفة كونه زواج صالونات، بل تدافع دائما عن كونه حبا قاوم الزمن وصمد أمام عواصفه ورياحه.
أكسبها الزمن بعض الكيلوغرامات الزائدة، لكنها ليست سمنة مقيتة مقززة، حتى زوجها كان يثني على قدرتها في الحفاظ على وزن ملائم يجعل الكثيرين يحسدونها عليه بعد سنوات من الزواج والحمل والإنجاب، ظلت ترتشف الحب من وجه الزمن كل يوم أو هكذا تقنع نفسها، مرت الحياة بهما سريعة، هانئة، هادئة، تتخللها رياح عابرة ومشكلات يتغلبان عليها بسهولة ويسر، فلا تخلو البيوت من عواصف قوية أحيانا تجتاح وتقصف كل ما يقابلها، أو ضعيفة هزيلة يمكن أن نطأطئ لها الرؤوس حتى تمر بسلام، ونتجنب ما قد تلحقه بنا من خسائر.
أنجبت فتاتين وصبيا، ثلاثتهم متفوقون في دراستهم وحياتهم الاجتماعية ولكل منهم هواية وموهبة فريدة، لم تصف حياتها بحياة عادية بل تتفنن في البوح بتفاصيل حب ومثالية تليق بأفلام سينما ستينات القرن الماضي والحقبة الثرية من تاريخ سينما الحب الدافق والمشاعر النقية قبل تلويثها بسموم تكنولوجيا قضمت من دفء العلاقات الإنسانية لصالح ساعات مهدرة أمام أجهزة ذكية في سرقة الوقت والعمر.
حصل زوجها على درجة الدكتوراه وصار أستاذا جامعيا متميزا بين أقرانه، وهي أيضا محامية معروفة نسبيا في مجتمع يقدس الوجاهات المهنية وبريق المناصب والألقاب، لم تشكُ طيلة سنوات زواجها من عواصف قوية أو مشكلات كارثية، لكنها على غير العادة بدأت تتشكك في علاقات عابرة يدخلها الزوج تصبغه مرة بلون شعر أسود فاحم يقضم من عمره سنوات تقرّبه من عمر ابنه الأكبر، ومرة أخرى تمنحه رائحة عطر قوي لا يليق بعمره ومنصبه، توصلت إلى حقيقة علاقته بامرأة أخرى، جرحها أكثر مما يتخيل، قتل أنوثتها، بعثر سنوات عمرها، حبها، تضحياتها، تركها تبكي ليل نهار.
 تتساءل كيف لهذا الرجل الذي لم تغره في شبابه شقراوات حسان في بلاد الثلج ولم تفتنه أضواء المدينة الأكثر صخبا وإثارة، أن يقع فريسة لامرأة لعوب خبرت كل أصناف الرجال، فلم تترك منهم صنفا إلا وتذوقته، كانت في أزهى عصر للفساد “طعما” لرجال مال وأعمال، وأصبحت الآن مثارا للجدل، والسخرية والتندر في كافة الأوساط، نالت شهرتها “بنهديها”، فتأكل بهما ولا تتحمل الجوع!
كيف لهذا الرجل الواعي المثقف أن ينحدر في علاقة من الممكن أن تعصف بمستقبله المهني وحياته الأسرية؟ تركت صديقتي في بحر أحزانها تتلاطمها الأمواج، وأنا بدوري أسأل نفسي بصوت يعلو ويهبط حسب حرقتي في  التساؤل الموجع، لماذا يخون الزوج زوجته التي يحبها؟ وهل لي أن أصف زوجا خائنا بالمحب؟ وهل الحب وحده حصانة ضد الخيانة؟
خلصت بعد حوار طويل مع زوج صديقتي إلى أن الحب ليس من المسلمات المضافة لتحصين الرجل ضد الخيانة، وأنه من الممكن أن يظل على عهده من الحب رغم عدم إخلاصه التام، هي المعادلة الصعبة لدى الرجل في أزمة منتصف العمر، الملل المتسرب للحياة بعد طولها واستدامتها لعقود، الرغبة في التجديد وبث مفردات طازجة في حياة لا توصف بالفشل ولكن الرغبة في إزاحة الضجر ونفض روتين الحياة، ربما أصابت الرجل بما قد يصيب البعض في هذا العمر الفارق بين الشباب ومحاولة استرجاعه وبين النضج وتغير نمط الحياة إلى ضرورات إجبارية بحكم السن.
 ربما أراد الدخول في علاقات عابرة لا تمثل خيانة ولا تعد غدرا بالأساس. يكذب على زوجته لينفي ويبدد شكوكها، ويكذب على نفسه لنيل ما ليس من حقه، يكذب على أخرى لتمنحه علاقة يظنها مختلفة.
لا أدافع عنه فكراهيتي للخيانة لا يعادلها شعور في الكون ولا توجد لها وسيلة قياس ناجعة، لكنني أحاول معرفة أسباب الخيانة بصورة متجردة عن المشاعر التعاطفية مع طرف ضد آخر.
لكنني أدعو الزوجين معا إلى فتح قنوات حوار عن العلاقة الزوجية بكافة زواياها دون خجل ولا مواربة، وإلى أن يتناقشا في مفردات العلاقة بما يقضي على أسباب الخلافات ووأد المشكلات قبل نشأتها، حتى العلاقة الحميمية تحتاج بعد فترة اعتياد إلى إعادة صياغة، وتقديم الجديد بدلا من البحث عنه في أحضان العشيقات. قد يمنحنا الاعتياد على أكل التفاح الطازج اللذيذ شعورا تمرديا يدفعنا إلى تجربة قطعة من “الطرشي البلدي” بدافع التغيير.