بيروت ــ عصام سحمراني - " وكالة أخبار المرأة "

يشهد تاريخ البرلمان اللبناني أنّ 10 نساء فقط كنّ من أعضائه. ربما يختلف الوضع اليوم، فالفرصة متاحة أمام عشرات المرشحات لاختراق الهيمنة الذكورية، وتأكيد حضور المرأة ولو من دون إقرار الكوتا
في لبنان، تناضل المرأة من أجل الظفر بحقوقها، وهو نضال مستمر منذ عقود، لكنّها بالكاد تصل إلى تلك الحقوق، فإذا حصلت على حقّ واحد استمر التمييز تجاهها في العديد من المجالات الأخرى، لا سيما في المشاركة السياسية. حق الاقتراع والترشح قائمان منذ أمد بعيد، لكن في ظلّ النظرة النمطية لا تحظى المرأة بكثير من الفرص للترشح عبر القوى السياسية المسيطرة عادة. وإذا ما برزت امرأة في منصب برلماني، لم تكن غير ابنة فلان أو زوجة فلان أو شقيقة فلان.
تقترب الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها يوم السادس من مايو/ أيار المقبل، وتحتفي القوى السياسية التقليدية بدخول المرأة إلى قوائمها كما لم يكن من قبل، بل يمتد الاحتفاء إلى وزارة الداخلية والبلديات، وهي الجهة المكلفة بتنظيم الانتخابات، التي نشرت إعلانات ضخمة على الطرقات تشير إلى الرقم غير المسبوق للمرشحات النساء في كونه رقماً مميزاً أيضاً وهو 111 امرأة مرشحة مع إقفال باب الترشيحات أواخر الشهر الماضي. وتصل نسبة المرشحات النساء من العدد الكلي الأولي للمرشحين والذي بلغ 976 مرشحاً ومرشحة، إلى 11.3 في المائة. لكن، مع إقفال اللوائح مع نهاية يوم السادس والعشرين من مارس/ آذار الماضي، تبيّن أن عدد المرشحات تدنى إلى 86 مرشحة من أصل 583 مرشحاً، أي ما نسبته 14.75 في المائة ممن بقوا في السباق الانتخابي.
مع ذلك، ليس طريق المرشحات سالكاً، إذ إنّ القانون الانتخابي الجديد لم يلحظ الكوتا النسائية. وبقي تمثيل النساء رهناً بالأحزاب الأوفر حظاً التي شكلت قوائمها الانتخابية من دون نساء تقريباً، فالمرشحات الأكثر هن على قوائم "المعارضة" التي لا حظوظ كبيرة لها في الاختراق. وصحيح أنّ النظام النسبي مختلف عن الأكثري الذي كان سائداً في ما مضى، لكنّ التاريخ يشهد أنّ الناخبين لا يؤيدون وصول النساء إلى البرلمان، إذ تسيطر النظرة النمطية تقليدياً في ما يتعلق بحقوق المرأة. هذه المرة قد يكون التمييز ضد النساء قائماً في عدم انتخاب لائحة تضم عدة مرشحات (خصوصاً اللائحة النسائية بالكامل)، أو عدم إعطاء المرأة في لائحة تضمها الصوت التفضيلي.
نساء البرلمان
تجدر الإشارة إلى أنّ 10 نساء فقط وصلن إلى مجلس النواب عبر التاريخ في لبنان، ابتداء من انتخابات فرعية عام 1963 وصولاً إلى آخر انتخابات عام 2009. وهن ميرنا البستاني (1963 انتخاب بالتزكية)، ونايلة معوض (1991 تعيين)، ومهى الخوري أسعد (1992)، ونهاد سعيد (1996)، وبهية الحريري (1992)، وغنوة جلول (2000)، وجيلبرت زوين (2005)، وستريدا جعجع (2005)، وصولانج الجميّل (2005)، ونايلة تويني (2009).
والملاحظ في هذه القائمة أنّه باستثناء غنوة جلول فإنّ كلّ الأسماء الأخرى هي لنساء من بيوت سياسية تقليدية وقد وصلت النساء إلى مجلس النواب على هذا الأساس.
كذلك، يلاحظ أيضاً أنّ ثلاث طوائف لبنانية فقط تمثلت بنساء في المجلس حتى اليوم، أكبرها الموارنة (7 نساء)، ثم السنّة (2)، ثم الروم الأرثوذكس (1).
والملاحظة الثالثة أنّ النساء اللواتي وصلن إلى المجلس من بيت سياسي، تقف مآسٍ خلف وصولهن، فالبستاني مات والدها بحادث طائرة، وسعيد ترشحت أول مرة لخلافة زوجها المتوفي، والخوري أسعد ورثت العمل السياسي لشقيقها (غيث الخوري اغتيل عام 1985)، وجعجع بدأت العمل السياسي خلال فترة سجن زوجها (رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع) التي استمرت 11 عاماً، والجميّل اغتيل زوجها (بشير الجميّل عقب انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1982)، وتويني اغتيل والدها خلال ولايته النيابية (جبران تويني اغتيل عام 2005، فورث مقعده والده غسان تويني الذي تخلى عن الترشيح عام 2009 لصالح حفيدته). وحتى الحريري فقدت لاحقاً شقيقها رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في الاغتيال المعروف عام 2005.
الكوتا
خلال فترة إعداد القانون الانتخابي الحالي، حصل أخذ وردّ، أراد بعض الأطراف أن يظهر كأنّه كبير وجوهري، حول كوتا نسائية لا تقلّ عن 30 في المائة، في الترشيح وفي مقاعد البرلمان المرتقب. انتهى كلّ شيء إلى لا كوتا نسائية. مع ذلك، انبرى رئيس الحكومة سعد الحريري للتأكيد في أكثر من مناسبة على أنّ تيار المستقبل الذي يرأسه، سيعتمد الكوتا، وإن لم تمرّ في القانون الانتخابي. ونقلت صحيفة "المدن" في التاسع عشر من يونيو/ حزيران 2017 عن "مصدر قيادي في المستقبل" أنّ الحريري "كرر هذا الأمر في أكثر من إفطار في الفترة الماضية. ما يعني أنّ هذا الموقف رسمي رغم عدم صدور تعميم عن التيار في هذا الشأن". تابع أنّ "الرئيسين (رئيس البرلمان، وحركة أمل) نبيه بري والحريري كانا من أشد المطالبين بتطبيق الكوتا النسائية في نقاشات المجلس النيابي وليست المواقف الأخيرة للحريري إلا ترجمة لقناعاته".
انتهى الكلام وجاء موعد تشكيل القوائم الانتخابية. أعلنت قائمة المستقبل في دائرة بيروت الثانية "المستقبل لبيروت"، فضمت امرأة واحدة من أصل 11 مرشحاً من بينهم الحريري نفسه ورئيس الحكومة السابق تمام سلام ووزير الداخلية نهاد المشنوق. المرشحة المرأة الوحيدة في هذه القائمة هي رولا الطبش الجاردوي. وبذلك، يبقى وعد الكوتا بعيداً جداً عن القائمة التي وعد بها الحريري، إذ لم تتجاوز حصة المرأة 9 في المائة، بدلاً من 30 في المائة وما فوق.
أما مرشحو حركة أمل التي يرأسها بري، فقد وصل عددهم في الدوائر الستّ التي تشارك فيها الحركة، إلى 16 مرشحاً يقودهم بري بالذات، ومن بينهم امرأة واحدة فقط هي وزيرة الدولة للتنمية الإدارية عناية عز الدين في دائرة صور الزهراني، أي بنسبة 6.25 في المائة فقط من مرشحي "أمل".
من جهته، أدلى رئيس الجمهورية ميشال عون، بتصريحات مماثلة لكن من دون أن يلزم تياره (التيار الوطني الحر) بكوتا محددة، فقد أسف لعدم تضمن القانون الجديد كوتا نسائية، لكنّه لفت إلى أنّ "تعويض ذلك ممكن من خلال إقبال النساء على الترشح إلى الانتخابات النيابية"، وأمل في أن "تعمد الأحزاب إلى ترشيح نساء على اللوائح التي ستشكلها لخوض الانتخابات". لكنّ حصيلة النساء من بين مرشحي التيار كانت 2 من أصل 46 مرشحاً، أي ما يعادل 4.3 في المائة فقط.
مرشحات
بالرغم من عدم اعتماد الكوتا النسائية، شجع السجال حولها بالإضافة إلى اعتماد القانون النسبي للانتخابات، في ترشح النساء الـ111 ولو أنّ بعضهن انسحبن بعد ذلك، أو أبعدن عن الحصيلة الأخيرة للمرشحين لعدم تمكنهن من الدخول في لوائح انتخابية يشترطها القانون، فبقيت 86 امرأة. توزعت المرشحات على المحافظات التاريخية الخمس بواقع: 27 في جبل لبنان، و26 في بيروت، و17 في الشمال، و9 في البقاع، و7 في الجنوب.
بعض اللوائح الانتخابية ضمّ أكثر من امرأة، من قبيل لائحة "لبنان حرزان" في بيروت الثانية التي ضمت امرأتين من أصل 11 مرشحاً، ولائحة "كلنا بيروت" في الدائرة نفسها التي تناصف ما بين الجنسين إذ تضمّ أربع نساء (نهاد يزبك، زينة مجدلاني، فاطمة مشرف، ندين عيتاني) من أصل ثمانية أعضاء فيها. وحدها لائحة "نساء عكار" انفردت عن جميع اللوائح في مختلف الدوائر في كونها مكونة بالكامل من النساء، ولو أنّها تركت مقعداً شاغراً فيها. هذه اللائحة التي تضم غولاي أسعد، وسعاد صلاح، ورلى مراد، وماري الخوري، ونضال سكاف، تخوض معركة سياسية وجندرية، وتطرح نفسها كبديل حقوقي مدني يهتم بالدرجة الأولى بحقوق النساء والتنمية في المنطقة.
تواصلت مع تجمع لوائح "كلّنا وطني" التي تترشح عن المجتمع المدني. فتبيّن أنّ التجمع يغطي بلوائحه 9 دوائر من أصل 15، هي دوائر جبل لبنان الأربع، والدائرتان 2 و3 في الشمال، ودوائر بيروت الأولى، وزحلة، والجنوب الثالثة. عدد مرشحي لوائح كلّنا وطني 66 مرشحاً من بينهم 19 امرأة أي ما نسبته نحو 29 في المائة. وتضم لائحة "كلنا وطني" في بيروت الأولى 3 نساء من أصل 8 مرشحين.
بدورها، تعلم المرشحة عن صور في دائرة صور الزهراني، المحامية لينا الحسيني، أنّ اللائحة التي انضمت إليها تواجه لائحة السلطة التي يتزعمها رئيس البرلمان نبيه بري، لكنّها تشدد في حديثها ، على أنّ الناس بدأوا يشعرون بالحاجة إلى التغيير. هي ناشطة اجتماعية وحقوقية بشكل عام، تناضل لتعزيز الحقوق، سواء للمرأة أو لغيرها، لكنّ الإجحاف الواقع في حق المرأة وتهميشها في المجتمع وفي النصوص يحتّم العمل من أجل حقوق متساوية بين الجنسين.
الحسيني امرأة وحيدة مرشحة في لائحة "معاً نحو التغيير" غير المكتملة التي تضم 6 أعضاء. تقول إنّ عدد المرشحات الأوليّ جيد جداً ويشجع النساء على إعداد أنفسهن للفترة المقبلة، ما سيفتح الآفاق أمام مزيد من عمل المرأة في الشأن السياسي. تعتبر الحسيني المولودة عام 1975، والمنتسبة إلى نقابة المحامين منذ عام 2003، أنّ مقولات نمطية مثل "المرأة عدوة المرأة" ليست صحيحة أبداً في الزمن الحاضر: "المرأة تقدمت في مختلف المجالات العلمية والمهنية، وباتت المرأة مناصرة للمرأة، إذ لا يفهم المرأة وتهميشها إلّا المرأة ".
تجدر الإشارة إلى أنّ عدة نساء مرشحات هذا العام إلى الانتخابات هن من بيوت سياسية وزعامات تقليدية أيضاً، شأن النائبتين الحاليتين بهية الحريري وستريدا جعجع، والمرشحة ميشيل تويني بدلاً من شقيقتها النائبة الحالية نايلة تويني، وميريام سكاف أرملة النائب الراحل الياس سكاف.