شيماء رحومة - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

كشفت العديد من الدراسات والبحوث أن 80 بالمئة من النساء العربيات المصابات بمرض الإيدز (السيدا)، أو ما يعرف بفيروس نقص المناعة المكتسبة، أصبن بالمرض من خلال زواج شرعي بسبب امتناعهن عن طلب ممارسة الجنس الآمن مع أزواجهن أو مطالبتهم بإجراء تحاليل للتأكد من سلامتهم، حتى أن أغلب العائلات تستسهل تزويج بناتها دون خضوع الزوجين للفحوص الطبية السابقة للزواج والاكتفاء بالحصول في أحيان كثيرة على شهادة طبية بطرق غير شرعية.
وتأتي النتائج السنوية إحياء لليوم العالمي لمكافحة الإيدز الموافق للأول ديسمبر من كل عام، لتؤكد ارتفاع معدلات المصابات في كل من أفريقيا والشرق الأوسط، لا سيما وأن احتمال تعرض المرأة للإصابة بفيروس الإيدز يكون ضعفي احتمال إصابة الرجل من شريك مصاب.
ولهذا شدّدت الجمعية العامة للأمم المتحدة على أهمية إحيائه، وذلك للتوعية بمخاطر هذا المرض ومخاطر انتقاله عن طريق استعمال أدوات حادة ملوثة أو ممارسة جنسية دون اتخاذ طرق وقائية مناسبة أو عبر استعمال معدات وأدوات طبية ملوثة، إلى جانب الإرشاد بطرق التعامل السليم والصحيح مع المصابين بالمرض أو الحاملين للفيروس الناقل له، حيث يعاني العديد منهم من التمييز وأحيانا من الاضطهاد لكونهم مصابين.
ارتفاع عدد الحالات
أسفرت آخر الدراسات المتابعة للإيدز عن نتائج متباينة بين عدد من الدول العربية، ففي حين شهد بعضها ارتفاعا في عدد المصابين على غرار العراق الذي زادت فيه المخاوف من تفشي المرض بسبب التقاليد الاجتماعية التي تمنع بعض المرضى من إجراء الفحوصات الطبية، فيما أعلن المغرب أن مؤشر تفشي المرض بين المغربيات عرف نسقا متصاعدا.
كما جاءت مصر، وفقا للتقرير السنوي للأمم المتحدة لعام 2017، في المركز الرابع بمنطقة الشرق الأوسط بعد إيران والصومال والسودان.
وجاء بيان وزارة الصحة المصرية عن العام ذاته، ليكشف وجود 6882 مصابا، بينهم 1239 سيدة، غير أنه لا يزال هناك خلاف بين الأمم المتحدة ووزارة الصحة المصرية حول عدد المتعايشين مع المرض (الإيدز).
وبينما يشير تقرير الأمم المتحدة إلى وجود أكثر من 11 ألف مصاب، وهو رقم قليل مقارنة بعدد السكان الذي تجاوز المئة مليون نسمة، فإن وزارة الصحة تؤكد أنهم لا يزيدون عن 7 آلاف حالة فقط، وبين هذا وذاك يظل المرض ينهش أجساد حامليه، وهم يعيشون في عزلة يصعب الخروج منها.
وأوضح فتحي أبوالعينين، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة، أن  الإيدز تتفاوت نسبته من مجتمع إلى آخر، وإن كانت تتزايد في الدول الأكثر فقرا خصوصا دول أفريقيا.
ولفت أبوالعينين إلى أن التقديرات الرسمية لحاملي المرض في مصر لا تزال متفاوتة، وإن كانت تشير رسميا إلى وجود 7 آلاف مصاب، منهم نحو ألفي سيدة، أي أن عدد الرجال يساوي أكثر من ثلاثة أضعاف عدد النساء.
وكانت الصدمة شديدة على (م.ر) عندما تلقت اتصالا هاتفيا من أحد مخبار التحاليل الطبية ليبلغها المتصل بضرورة حضور زوجها لأمر مهمّ، وجاءت ببالها تكهنات مصحوبة بقلق، لكن زيارة الزوج إلى المخبر قطعت عليها كل التكهنات، ليأتي الزوج في ما بعد بخبر لم تكن تتوقعه، ووقع على أذنيها كالصاعقة عندما سألته “خير؟”، فرد “أنا مصاب بالإيدز”.
لم يكن أمام الزوجة سوى إخفاء هذا الأمر عن أهلها، لا سيما وأن لديها طفلة عمرها أربعة أعوام، وقالت، إنها بمجرد أن علمت بالخبر أسرعت لإجراء تحاليل طبية في أحد المستشفيات الحكومية، واكتشفت أن المرض نقل إليها في حين لم تصب طفلتها، وبرغم اعتراف الزوج بأن المرض انتقل إليه عبر علاقة عابرة بطريقة غير شرعية، فإنها لم تجد طريقا للخلاص.
وتساءلت ماذا يمكن أن تفعل بعد أن أصيبت هي أيضا، وفضّلت العيش من أجل ابنتها بل وغفرت لزوجها الخطيئة كي تسير الحياة، لكنها عاشت معاناة كبيرة عندما أصيبت بالزائدة الدودية، واحتاجت لإجراء عملية جراحية.
بينما كان الألم يشتد عليها وذهبت إلى أحد المستشفيات، رفض الطبيب إجراء العملية بعد أن اعترفت له بأنها مصابة بالإيدز، ولم تجد حلا سوى الإسراع إلى مستشفى آخر، وأخفت على الطبيب المرض كي يوافق على إجراء العملية، وبرغم اعترافها بأن فعلتها قد تتسبب في نقل المرض إلى أشخاص آخرين، إلا أنها فضّلت الكذب على الموت.
وفي حين تعيش السيدة الثلاثينية مأساة يومية، خرجت (أ.ن) من هذا العذاب وقررت العودة إلى بيت أهلها فور أن صارحها زوجها بأنه يحمل مرض الإيدز، وانتقل إليه بالطريقة نفسها لا سيما وأن ظروف عمله اضطرته إلى العيش بإحدى الدول الأفريقية، غير أن السيدة صاحبة الـ(25 عاما)، تعاني من الحيرة.
وإلى الآن لم تخبر أهلها بسبب تركها بيت الزوجية، وصرحت، بأنها تخشى عليه من الفضيحة، فضلا عن أنها تعيش في قلق دائم خوفا من أن يكون نقل إليها المرض، لدرجة أنها إذا أصيبت بجرح بسيط تهرول لتطهير الجرح، خوفا من إصابة أحد من أفراد أسرتها.
ورغم مدة الزواج التي لا يزيد عمرها عن شهور قليلة، إلا أنها استعانت بإحدى صديقاتها، تعمل طبيبة، لمساعدتها على إجراء تحاليل طبية للتأكد من عدم إصابتها بالمرض، وإذا ظهرت النتيجة إيجابية، فإنه ليس لديها من حل سوى العودة إلى منزل زوجها.
وأكد أبوالعينين، أن هذه النظرة قاسية وتؤدي إلى انعزال المريض، لذا لا بد من تغييرها ودعم المريض اجتماعيا ونفسيا، ومحاولة إيجاد الطرق المناسبة ليتعايش مع المجتمع، لأن الانعزال الشديد يمكن أن يفضي إلى الانتقام من المجتمع، والبحث عن أي فرصة لنقل العدوى إلى أكبر عدد من أفراده.
وعادة ما يحجم المريض عن الاعتراف بمرضه للآخرين، ورغم إقرار البرلمان العراقي عام 2012 راتبا شهريا لمريض الإيدز قدّر بنحو 400 دولار، فإن بعض المصابين، ومراعاة للتقاليد الاجتماعية وخوفا من نظرة المجتمع، يرفضون إجراء فحوصات طبيعة تمهيدا لبدء مرحلة المتابعة الصحية.
اضطهاد مضاعف
انفتاح الشباب على العلاقات الجنسية العابرة بالإضافة إلى ارتفاع نسب مستهلكي المخدرات بالمجتمعات العربية سهلا انتشار مرض الإيدز دخل عائلاتهم، لأن إصابة المرأة تسرّع نقل الفيروس إلى بقية أفراد العائلة، خصوصا عن طريق الحمل دون أن تعرف أنها مصابة بمرض يسهل انتقاله إلى الجنين. ولذلك  فإن محاولات
الحد من تأثير فيروس الإيدز ينطلق أساسا من معالجة قضايا المرأة على الصعيد العالمي والوطني. وبحسب منظمة اليونيسيف فإن النساء يشكلن حوالي نصف المصابين بالإيدز على مستوى عالمي.
وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة لمحاربة الإيدز في الجزائر، إلى تسجيل نحو عشرة آلاف حالة مؤكدة إلى غاية العام الماضي.
ولا تستبعد المنظمة العالمية وجود حالات أخرى ناجمة عن تأخر ثقافة الكشف، وارتباط المرض بمسألة أخلاقية، وإلى ارتفاع عدد الإصابات لدى النساء في السنوات الأخيرة لدرجة تساوى فيها مع عدد إصابات الرجال، بعدما كان الفارق بين الجنسين ثلاثة أضعاف.
وكشف عثمان بوروبة، رئيس جمعية “الجزائر إيدز”، أن غالبية النساء المصابات بمرض الإيدز خلال السنوات الأخيرة هن ضحايا لانتقال العدوى إليهم من طرف أزواجهن، وأن الجزائر تحصي نحو ألف إصابة سنويا، فيما تم تسجيل أكثر من 400 حالة إصابة بالمرض خلال العام الماضي.
وأكدت ليلى (38 عاما)، تتلقى العلاج بمستشفى القَطَّار بالعاصمة بعد أن تأكدت من إصابتها منذ سنوات، أنه “على عكس الأحكام المسبقة والنظرة الاجتماعية السلبية للمرأة المصابة بالسيدا، كونها إنسانة منحرفة أخلاقيا وممتهنة للبغاء، فإن حالتها والكثير من الحالات ناجمة عن عدوى نقلها الزوج بسبب غرائزه”.
وأضافت “إصابة المرأة بالإيدز تكون مضاعفة، واحدة عضوية والثانية اجتماعية، فنظرة وكلام أهل الزوج دفعاني لطلب الطلاق، والعودة إلى بيت الأهل بمرضي، وإذ تتكفل المستشفيات بعلاج ومتابعة المرضى، فإن الأحكام القاسية وتعاليق الشارع لا علاج لها، فحتى أقرب الناس ينقلبون عليك، إلا من يعرف استقامتك وعفتك”.
ويرى بوروبة أن “الأحكام المسبقة والنظرة الدونية لازالت تلف المصاب بالإيدز، ويكون الأمر أكثر مرارة إذا كان مرتبطا بالمرأة، لأن الانطباعات الأولية تتجه كلها نحو الانحراف الأخلاقي والعلاقات الجنسية غير الشرعية، في حين تؤكد الإحصائيات، أن العدوى تنتقل بواسطة الدم وببعض الأدوات الصحية، وباستهلاك المخدرات في العموم، وأن نصف المصابات أصبن من طرف أزواجهن”.
وشددت رشيدة (26 عاما)، على أن للمرض امتدادات وآثارا اجتماعية ونفسية كبيرة، فعلاوة على المفاهيم النمطية التي يحملها الناس عن المصابة، فإنه يحطم العلاقات الأسرية ويهز الثقة بين الزوجين.
وقالت “شخصيا خدعت في زواجي، فأهل الزوج أخفوا علي وعلى عائلتي إدمان ابنهم للمخدرات، وإذ لا أجزم بعلمهم بإصابته أم لا، فقد نقل إلي العدوى بعد الزواج، واكتشفت إصابتي خلال تحاليل الحمل، وتأكدت أن تعاطيه للمخدرات هو سبب الإصابة، لقد كانت الصدمة شديدة وقوية، لم استطع معها التفكير في البقاء معه ومع أهله في بيت الزوجية، لأنه دمّر حياته وحياتي معا”.
صمود ومقاومة
أضافت رشيدة “فكّرت بالانتحار لمحو العار الذي ألبسني إياه، لكن شقيقتي وقفت إلى جانبي وأقنعتني وأقنعت العائلة بتقبل الأمر الواقع، لكن رغم ذلك مازالت الإصابة سرا عائليا، لأننا نقيم في منطقة محافظة، والمشكلة أن والدي صار هو الآخر مرتبكا في رفض من يطلبون يدي للزواج، لأنهم يعتبرون الأمر طلاقا عاديا ولا يعرفون الحقيقية، وفي كل مرة يتحجّج بأنني أرفض الزواج الآن، وكم سيستمر السر وإلى متى سيتم إخفاء الحقيقة”.
ودعا ميشيل سيدبي، المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس الإيدز، في يناير الماضي إلى القضاء على التمييز ضد حاملي الفيروس.
وجاء ذلك في كلمة له بالمغرب، خلال مشاركته بالمؤتمر الوطني الثاني عشر لجمعية محاربة الإيدز في الدار البيضاء (غربا)، مؤكدا أن “الصراع الحقيقي، هو القضاء على ظاهرة التمييز ضد حاملي الإيدز”.
وشدد إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان (حكومي)، على أن حاملي الفيروس مازالوا يعانون من التمييز والنظرة السلبية من المجتمع.
وأضاف “على مدى 30 سنة حاولت جمعية محاربة الإيدز (غير حكومية) العمل على توعية وتحسيس المجتمع بضرورة مؤازرة حاملي الفيروس”.
وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز إلى وجود 22 ألف شخص متعايش مع الفيروس بالمغرب، كما كشفت عن ألف إصابة جديدة تقريبا و700 وفاة سنويا.
وكشفت دراسة صادمة أجرتها وزارة الصحة المغربية عن إصابة 22 ألف مغربي بالإيدز إلى حدود سنة 2016، 39 بالمئة منهم من النساء، وأفادت بأن 70 بالمئة من المغربيات المصابات بهذا الداء انتقلت لهن العدوى من أزواجهن.
وقال خالد فتحي، طبيب اختصاصي في أمراض النساء والتوليد، إن هذا الرقم الذي كشفت عنه وزارة الصحة تقديري انطلاقا من معادلات حسابية دقيقة.
وأكدت سميرة رابحي، الأستاذة بكلية الطب والصيدلة بمدينة فاس المغربية، أن إصابة الزوجة المغربية بمرض فقدان المناعة المكتسبة يمكن إرجاعه إلى اعتمادها الكلي في نفقات البيت على الزوج مما يجعله متسلطا وشاعرا بالقوة، فيرفض بالتالي استخدام الواقي الذكري في العلاقات الحميمية، بالإضافة إلى مشكلة مدى إخلاص الزوجين لبعضهما البعض، مؤكدة أن الهشاشة الاقتصادية وأحيانا الأمية لا تساعد الزوجة على حماية نفسها من المرض.
وأعلنت الجمعية المغربية لمحاربة الإيدز، أن 65 بالمئة من المصابين في المغرب بفيروس فقدان المناعة المكتسبة يجهلون إصابتهم، نظرا لعدم قيامهم بالفحوصات الخاصة بالكشف المبكر، وأبرزت أن الفئات الهشة داخل المجتمع هي الأكثر عرضة للفيروس، فيما تبقى جهة سوس ماسة الأكثر تسجيلا للإصابة به.
وقالت رابحي إنه لحماية المرأة من داء الإيدز يجب التركيز على الرجل وذلك بطلب المرأة شهادة طبية قبل الزواج تتم عبر فحص سريري لاختبار كشف فيروس داء المناعة المكتسبة، مؤكدة أن الوعي بهذا الأمر مطلوب في العلاقة الزوجية قبل إبرام العقد.
أما بخصوص تعامل المجتمع المغربي مع المرأة المصابة بالإيدز فهي معاملة تتسم عموما بالقسوة، إذ أن كل مغربية تصاب بالمرض تعتبر بشكل آلي عاهرة، وفقا للخبير المغربي في التحليل النفسي جواد مبروكي.
وأضاف مبروكي أن هناك حالات مسكوت عنها، وحتى المرأة العاهرة في حد ذاتها رغم إصابتها بالمرض فهي من يتحمل الإنفاق على عائلتها، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء سؤالها عن مصدر دخلها ولا عن حالتها الصحية.
وأكد فتحي أن هذا المرض لا يزال يعتبر من الطابوهات ولا يتم تناوله بكثافة، سواء داخل الأسر أو في الأماكن العامة والمريضات يفضلن الانزواء بجمعيات ولا يتحدثن عن مرضهن، لأنهن يخفن من الوصم بأنهن يتحلين بسلوكيات غير سوية وهذا خطأ بما أن هناك طرقا أخرى للإصابة بالمرض غير الاتصال الجنسي المباشر، كما يعانين أيضا من التمييز والإقصاء الاجتماعي.
وسبق للجمعية المغربية لمحاربة الإيدز أن كشفت أن نسبة الإصابة بهذا المرض في صفوف النساء تضاعفت 4 مرات في أقل من الـ20 سنة الماضية، حيث أن النسبة التي كانت في حدود 8 بالمئة في نهاية التسعينات ارتفعت لتناهز 37 بالمئة من أصل 24 ألف مصاب بالمغرب في الوقت الراهن.