إسلام آباد ــ صبغة الله صابر - " وكالة أخبار المرأة "

 للمرة الأولى في تاريخ باكستان، تجتمع مئات النساء من قبائل البشتون في مدينة سوات التي يحكمها الجيش الباكستاني بعد استعادتها من حركة طالبان في عام 2009، ليطالبنَ بحقوقهنّ. والأمر ليس هنا فحسب، إذ إنّه وفي التحرك الأخير للقبائل الذي شهدته إسلام أباد ومدن أخرى، كان للمرأة دور أكبر من السابق، الأمر الذي يشير إلى أنّها بدأت تقاوم الأعراف والتقاليد من أجل الحصول على حقوقها.
لبنى خان ناشطة باكستانية كان لها دور فعّال في اعتصام البشتون في العاصمة الباكستانية إسلام أباد والذي استمر ثمانية أيام تقريباً قبل أن يتوصّل المعتصمون إلى توافق مع الحكومة. تقول خان إنّ "المرأة البشتونية عاشت تحت وطأة العادات والأعراف، وآن الأوان لكي تقاوم من أجل حقوقها وتخرج من المنزل". تضيف خان أنّ "الأعراف ليست وحدها المشكلة، بل ما فعلته الحكومات في منطقة القبائل عموماً، كنقل الحرب إليها وجعلها ميدان صراع بين القوى العالمية والمحلية، ثمّ تهميشها بالكامل كأنّها ليست جزءاً من هذه البلاد. كلّ تلك مصائب جعلت المرأة أكبر الضحايا".
وتدعو الناشطة جميع نساء القبائل إلى الخروج ورفع أصواتهنّ، ليس فقط من أجل محاكمة قتلة أبنائهنّ بل من أجل الحصول على حقوقهنّ في التعليم والصحة، مشيرة إلى أنّ "دور علماء الدين والزعامة القبلية هو الأهمّ في هذا المجال وعليهم أن يدركوا أنّ تطوير هذه المنطقة غير ممكن إلا بتطوير أوضاع المرأة".
لبنى خان لم تكن الوحيدة التي رفعت صوتها من على منبر ذلك الاعتصام في إسلام أباد، بل ثمّة نساء أخريات شاركنَ في الصفوف الأمامية. وهو أمر لم يكن متوقّعاً من المرأة القبلية التي تعيش بطريقة نمطية تحكمها الأعراف والتقاليد التي لا تسمح لها حتى الخروج عند الضرورة، فكيف بالذهاب إلى المدرسة والجامعة والخروج في تظاهرات واعتصامات ضد الحكومة والسلطة.
وكانت مشاركة النساء في الاعتصام سبباً لمواصلة الشباب التحرّك حتى موافقة الحكومة على مطالبهم. على سبيل المثال، رضوانة بي بي (72 عاماً) التي اشتهرت بـ"الأم" في الاعتصام، كانت تقف على المنبر وتنادي الشباب وتحثّهم على "الصمود من أجل الحق". وعندما خاطبت النساء قالت: "أيتها القبليات لا بدّ من أن تقفنَ إلى جانب إخوانكنّ ولا بدّ لهؤلاء أن يقفوا إلى جانبنا حتى نغيّر معاً أوضاع المنطقة التي ظلمها القريب والبعيد".
في السياق، قامت تظاهرة في مدينة سوات شاركت فيها النساء بكثافة وسط إجراءات أمنية مشددة، وقد طالبنَ بحقوقهنّ، وأبرزها معرفة مصير أبنائهنّ المفقودين. وقد أطلقت النساء هتافات طالبنَ من خلالها الجيش بتزويدهنّ بمعلومات حول أبنائهنّ. وشدّدنَ على أنّه في حال كان أبناؤهنّ متورطين في أعمال عنف، فلا بدّ من مثولهم أمام المحكمة بدلاً من إبقائهم في سجون من دون أن يعرف ذووهم عنهم أيّ شيء.
من هؤلاء النساء امرأة فقدت ابنَيها وصرّحت لوسائل الإعلام من دون أن تذكر اسمها بأنّها "مستعدة للموت من أجل ابنَيّ المفقودَين"، شاكرة كلّ النساء المتظاهرات. وذكرت أنّ "قوات الجيش أوقفت قبل عامَين اثنَين من أبنائي بدعوى شبهة التعاون مع المسلحين. لكنّني حتى الآن لا أعرف ما الذي حلّ بهما". أضافت: "إذا كانا ضالعَين في أعمال عنف، لماذا لا يمثلان أمام المحكمة؟".
بعيداً عمّا قالته تلك المرأة، فإنّ مثل هذا الكلام وخروج النساء إلى الشارع في مدينة سوات التي تقطنها قبائل البشتون المحافظة يمثلان تطوّراً كبيراً، إذ إنّ القبائل لم تكن تسمح في السابق للمرأة بالخروج مهما كان السبب، أمّا اليوم فتخرج المئات وإلى جانبهنّ رجال يحمونهنّ. وتؤكّد لبنى خان أنّ "نساء القبائل أدركنَ أنّ الخروج من المنزل ضرورة ولا بدّ منه للحصول على حقوقهنّ".
ويبدو أنّ الحكومة أدركت الوضع إذ إنّه وبعدما توصلت إلى اتفاق مع المعتصمين، أعلن الجيش أنّ نساء منطقة القبائل يستطعنَ الحصول على حقوقهنّ بعد الاستحصال على بطاقة الهوية. يُذكر أنّ المرأة في السابق كانت تحصل على مساعدات عبر بطاقة خاصة تسمى بطاقة المساعدات الخاصة، لكنّه من الآن فصاعداً سوف تكون بطاقة الهوية أساساً للتعامل معهنّ. وقد رحّبت بذلك الجهات المعنية بأمور القبائل، خصوصاً أنّ إحصائية سابقة كانت قد أفادت بأنّ "60 في المائة من نساء القبائل محرومات من الهوية، وهذا أمر يمثّل عقبة أساسية في سبيل تطوير أوضاعها وتحسينها".
وتعليقاً على قرار الجيش، تقول الناشطة في مجال حقوق المرأة سمرين خان وزير إنّ "هذه خطوة مهمة في تغيير أوضاع المرأة القبلية التي تحكمها الأعراف والعادات والمحرومة من أدنى حقوق الحياة، كالتعليم والصحة وغيرهما". تضيف أنّ "الخطوة من شأنها أن تشجّع النساء على استخدام حقهنّ في الانتخابات، وهي تفتح لهنّ بذلك الطريق في مجالات كثيرة".