فيصل عبدالحسن - " وكالة أخبار المرأة "

يُعد الاكتئاب من أصعب الحالات التي يواجهها أطفال العائلات التي لا تنعم بالوفاق بين الأب والأم، لأنَّها تؤدي إلى الانتحار في الكثير من الحالات. والعديد من هذه الحالات حدثت بين أطفال كانوا لا ينعمون بجو أسري سعيد، ولم يعيشوا في سلام، كما أوصى الباحثون والمشرفون على الصحة النفسية.
وعادة ما تقع المشكلات بين الزوجين بسبب الضغوط النفسية التي يواجهها الأب والأم في العمل، والحياة اليومية أو معاناة الأم من تربية الأطفال، وتدني مستواهم الدراسي، والفقر، ولاختلاف وجهات النظر في معالجة مشاكل الأسرة بسبب تفاوت مستوى تعليم الطرفين، وهو عامل يلعب دوراً مؤثراً في إذكاء المشاكل اليومية بين الأب والأم، أو بسبب مرض مزمن للأب أو الأم أو لطفل من أطفالهما. هذا فضلا عن مشاكل أخرى تحصل بسبب تدخل أطراف عائلية من عائلتي الأب والأم في حياة الزوجين. وتكون مثل هذه المشاكل مؤثرة جداً على الصحة النفسية للأطفال، خصوصاً إذا اتّخذت شكلاً عنيفاً يتخلله الصراخ، والضرب والسباب والكلمات النابية، وتكرَّرت المشادَّات العنيفة.
وتشير دراسة التي أجراها فريق أميركي من جامعة ستانفورد في سان فرانسيسكو، إلى أنَّه حالما يعلو صوت الأب الغاضب أو الأم الغاضبة بشأن مسألة عائلية ما يتعرض الأطفال لصدمات نفسية، وبالخصوص في حالة تكرُّر هذه المشادَّات العنيفة بينهما.
والأصوات المتشنجة تؤثر على نفسية الأطفال سواء أكانوا شهوداً عليها أم أثناء نومهم، فهي ترفع درجة توترهم، وتخلق لديهم ما يسمى بـ”الاستيقاظ الفجائي”. ويصاب قسم منهم نتيجة ذلك بالتأتأة، وصعوبة النطق، والتبول اللاإرادي، والانطوائية، وكلما كبروا كبرت معهم كوابيس النوم. ومعظمهم سيكونون من ضعاف الشخصية، لا يستطيعون إدارة شؤونهم الخاصة أو العامة بأنفسهم، وهم عرضة خلال المراهقة للإدمان على المخدرات والكحول.
وقادت البحث الأكاديمية جولي ليثكوت هيمز، وشمل 80 طفلاً من 60 أسرة من مختلف الشرائح الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة والغنية. وحرص الباحثون على اختيار عينة متنوعة الخلفيات؛ فمِنَ الآباء والأمهات مَنْ هُو من أصحاب الشهائد العليا (20 بالمئة)، ومنهم من هو متوسط المستوى العلمي (30 بالمئة) ومنهم من هو أقل من ذلك (50 بالمئة).
ووجد فريق البحث، أن 3 بالمئة فقط من أطفال الأسر التي حظيت بتوافق زوجي من المجموعة الأولى أصيبوا بالقلق النفسي، بينما ارتفعت النسبة لدى الفئتين التاليتين إلى 5 و7 بالمئة. وتوصل إلى أن 90 بالمئة من المشاكل التي كانت تقع بين الزوجين في الفريق الأول كان يجري حلها بنقاش هادئ من قبل الزوجين على مائدة الطعام، وبحضور أطفالهما، وعادة ما يصل الزوجان المتفاهمان إلى حلول مُرْضِية للطرفين.
وكان ذلك السلوك ينعكس إيجابياً على حالة أطفالهم النفسية، بينما الفريق الثاني كانت نسبة حل مشاكله بطريقة التفاهم الهادئ 70 بالمئة أما الفريق الثالث فكانت نسبة حل المشاكل بالشكل الرصين والهادئ 50 بالمئة.
وأوصى الباحثون الآباء والأمهات بضرورة التواصل أمام الأطفال بطريقة إنسانية لكي يحتذي الأطفال حذوهما في المستقبل، وذلك من خلال التحدث باحترام وهدوء، وطرح الحلول التوافقية التي ترضي الطرفين بشكل ودي وحضاري، وعند التوصّل إلى أيّ منهما المخطئ عليه أن يعتذر، ويعد بعدم تكراره ارتكاب الخطأ ليكون قدوة للأطفال الذين سترسخ في أذهانهم المناظرة بين الأب والأم.
وأكدت الدراسة على ضرورة تجنيب الأطفال -قدر الإمكان- موضوعات لا تناسب أعمارهم كالمصاعب الحياتية، والاقتصادية، التي يواجهها الأب في عمله أو الأم في عملها، خصوصاً عند تسريح أحدهما من العمل أو تسريحهما معاً، لأنَّ ذلك سيخلق لديهم حالة الخوف من المستقبل، والأذى المجهول القادم الذي ستتعرض له الأسرة. فالأطفال عادة ما يدفعون ثمن ذلك من مستقبلهم، واستقرارهم النفسي، وسيجعلهم معرضين لحياة عاطفية قلقة غير واثقة بالمستقبل.
وأشارت هيمز -وهي أيضاً مؤلفة كتاب “كيف نربي طفلاً ناضجاً”- في أحد بحوث كتابها إلى “أنَّ الكثير من السعادة تنتظر أولادنا إذا وفرنا لهم الجو العائلي السعيد، وعلمناهم الكياسة في التعامل مع بعضنا البعض، وكيف يمكننا أن نجعل من يومنا سعادة خالصة بالرغم من المشكلات التي يواجهها كل أب وأم في العالم. فالتشنجات والمشادَّات بين الزوجين لا تحل المشاكل بل تزيدها تفاقماً، وتنذر بضحايا جدد لها في المستقبل من بينهم أطفالهما، الذين سيجعلون طريقتهما السيئة في التعامل مع بعضهما البعض منهاجاً لحياتهم القادمة”.
ومن جانبه شدد المعالج النفسي، الدكتور عبدالكريم عطا، في هذا الصدد على ضرورة أن ينعم الأطفال بجو أسري هادئ، وخال من المشاكل أو إثارة مخاوفهم من المستقبل، لأنَّ ما سيخلفه عدم الانسجام الزوجي من أضرار نفسية سيسبب لهم زيادة هرمون التوتر أو ما يسمى بالكورتيزول. فيظهر تأثير ذلك عليهم لاحقاً كالصداع، ويتسبب أيضاً في نضوب إفرازات الغدة الكظرية. وهذا النقص يتسبب في افراز كميات زائدة من البرولاكتين، المسببة لحساسية الجسم المفرطة وزيادة الوزن والحزن الذي يؤدي بدوره إلى انخفاض فرز هرمون السيروتونين، الذي يتسبب نقصانه في الاضطراب والاكتئاب الحادّ.
وأضاف عطا “من خلال متابعتي لمشاكل المراهقين التربوية التي تقع في بلداننا العربية وجدت أنَّ معظم مشاكل المراهقين النفسية ناتجة -بسبب مباشر أو غير مباشر- عن عدم انسجام الأب والأم ومشاجراتهما العنيفة على مرأى من أطفالهما. وظن الأطفال وقتها -حسب تصورهم- أنَّهم كانوا سبب هذه المشاجرات. فولّدت لديهم شعوراً بالذنب، وميلاً إلى الهروب من الواقع، والتوتر النفسي. وسلك الكثير منهم في فترة مراهقتهم طريق الإدمان على المخدرات، والعدوانية، والتصرفات العنيفة، وبعضهم اقترف الجرائم وأقدم على الانتحار”.
وشدد الخبراء على أن الوفاق الزوجي ضّروري لتجنيب الأطفال الاضطراب الاكتئابي الحادّ، خلال فترة من فترات الطفولة بداية من عمر الخمس سنوات وهي فترة مهمة في حياة أي طفل، يتكون فيها مستقبله النفسيّ، والاجتماعي، وخلالها من الضروري أن يمنح الأب والأم الفرصة لنمو الأطفال نموا نفسيّا سليما بضبط تصرفاتهما.