سهى أبو شقرا - " وكالة أخبار المرأة "

عند التفكير بالتابوهات، وما هو محرّم وممنوع، تتبادر للذهن عناوين جاهزة، ويسهل التكهن بها أكثر حين تتعلق بالنساء. لكن كيف بدأت مبادرات كسر التابوهات، وكيف تمكنت بشجاعة وجرأة من الخروج عن المألوف لاكتساب حقّ أو رفع ظلم، أو تغيير عادة أو تقليد صار أضيق من القدرة على احتماله؟
من الصعب الإحاطة بالمحرمات كافة لأنها مسألة لا تخضع لقياس عام، فما هو محرم في مجتمع نجده مباحاً في غيره، والعكس صحيح. لكن بالبحث عن أكثر القضايا التي تؤرق النساء وتسبب لهن الأذى الجسدي والنفسي، نجد خلفها صراعاً مضنياً ومزمناً بين الممنوع والمسموح، والحلال والحرام، والمحافظة والتحرر من التقاليد والأعراف.
لا شك أن المرأة تمكنت من كسر حواجز مجتمعية غير متوقعة، لكن الباقي كثير، والعناوين القليلة التي نطرحها تقابلها أخرى تستحق المعالجة، منها مثلاً الزواج المختلط بين الأديان والأعراق، والمساكنة، والإنجاب خارج الزواج، والخيانة الزوجية، وتعدد الزوجات، والانتحار، والختان وغيرها...
تابوهات عديدة صار الحديث عنها ممكناً، وتهيأت الظروف المساعِدة للمجاهرة برفضها أو الدعوة إلى تغييرها نرصد لكم بعضها.
الإعلان عن التعرض للتحرش والاغتصاب
لحقت النساء العربيات بالحملة العالمية #MeToo التي اعتمدت وسم #أنا_أيضا. وشاركت مثل باقي نساء العالم بعرض تجاربهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن التحرش والاعتداء الجنسي، ليس رفضاً لما يجري معهن في العمل والشارع والبيت فقط، وإنما للتأكيد أيضاً أن عدم إثارة القضية وعدم المجاهرة بها لا تعني أنها غير موجودة، وأن السكوت لا يعني "الرضى".
الحملة العالمية أُطلقت في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017 في الولايات المتحدة الأميركية، في أعقاب فضيحة المنتج الأميركي، هارفي وينستين، الجنسية التي هزّت هوليوود. لكن الفضيحة تبعتها فضائح جرفت معها فنانين وسياسيين وأكاديميين ومنظمات دولية وجمعيات خيرية ومؤسسات دينية وشخصيات مرموقة، وبدا الحال كأن العالم بأسره ضالع بالفضيحة، إما معتدٍ وإما معتدى عليه، وإما متواطئ بصمته.
حجم المشاركات والاعترافات التي ملأت الفضاء الافتراضي ووسائل الإعلام كان دليلا على مدى استسهال إهانة النساء، والتعدي على كرامتهن. أما الأنكى فكان سهولة تكذيب المعترفة بتعرضها للعنف أو الظلم أو الإهانة أو الاعتداء، ومحاولة تبرئة المعتدي في أكثر من قضية شهدها العالم في الآونة الأخيرة.
الاعتراف العلني بالتعرض للتحرش أو الاغتصاب ليس سهلاً، خصوصاً في المجتمعات الشرقية. حيث الأحكام الجاهزة تطلق على المرأة حتى لو كانت الضحية، تعتبرها مخطئة دوماً في حال تعرضت لأي اعتداء من أي نوع. فهي مصدر "الفتنة"، وكل شيء فيها "عورة"، ووجودها بحدّ ذاته يحرض الرجال على النيل منها.
والحملة المشار إليها سبقتها حملات في أكثر من دولة عربية، وتكاد تكون الحملات المصرية هي الأقوى، حيث بدأت المجاهرة بها والتبليغ عنها بعد أعمال التحرش والاغتصاب التي طاولت نحو 92 فتاة وامرأة في ميدان التحرير عام 2011.
ربما تفيد المعارضة والمجاهرة، وتساهم في صياغة قوانين ترهب المعتدين. لكن القوانين وحدها لا تكفي، والأهم تغيير الثقافة وتصحيح المفاهيم.
الحيض بين الصمت والمجاهرة
تبدو الحملة النسائية في الهند #happytobleed على وسائل التواصل الاجتماعي التي أطلقت في ديسمبر 2015، من أقوى حملات الفضاء الافتراضي التي يزداد زخمها، وتهدف بحسب موقع الحملة إلى كسر المحظور بشأن فترة الطمث، واعتبار المرأة الحائض "نجسة". الحملة تكافح ضد التمميز الجنسي الذي تتعرض له النساء أثناء دورتهن الشهرية، وتسعى لفرض الاعتراف بأن الحيض أمر بيولوجي وليس عيباً.
كسر القواعد وإثارة مسألة الحيض ومصاعبها ليست مجرد حديث عن "عيب"، وإنما هدفها التأكيد على أن جسد المرأة مسألة تخصها وحدها، وليست قضية مجتمعية عامة. والمجتمعات التي تتسلط على أفكار النساء وتشكل وعيهن وفقاً لقيمها ومعتقداتها، تتسلط على جسد المرأة لتجعله رمزاً للخصوبة والأمومة وانبعاث الحياة تارة، وتحط من قدره وتصوره على أنه رمز القذارة ويستحق العزل تارة أخرى.
مسألة الحيض التي تربطها بعض المجتمعات بالقذارة والعار والاشمئزاز، هي في جانبها المعاكس أمر له علاقة بالصحة الجسدية والنفسية وبالنظافة والشخصية، هي فترة صعبة ومؤلمة جداً لبعضهن، ومزعجة ومحرجة لأخريات، وهي تؤثر على المرأة داخل البيت وخارجه على حدّ سواء.
تقول أستاذة علم الصحة النفسية لدى النساء في جامعة سيدني الغربية، جين يوشير، إن "تأثير الآراء الدينية والتعاليم له دوره، والعديد من الديانات في العالم مثل الإسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية تشير إلى أن المرأة في الحيض تكون نجسة، ومنها ما يقترح عزلها خلال أيام الحيض".
والمرأة في الهند تُعزل في تلك الفترة وتُمنع من لمس الطعام أو إعداده للآخرين حتى لأهل بيتها، وتُحرم عند الهندوس من دخول المعابد، وفي غرب النيبال وفقاً لتقليد شوبادي (حظرته المحكمة العليا عام 2005 لكنه لا يزال يمارس)، تُعزل الحائض في حظائر خارج مسكن العائلة، حتى أن عددا من الفتيات وجدن ميتات بسبب اعتداء حيوان شرس، أو إقدامهن على الانتحار خلال العزل.
وفيما تمنع الفتيات في دول عربية من مناقشة مسألة الحيض أو التعبير عن ضيقهن أو تعبهن خلال أيام الدورة الشهرية، نجد وسائلها الإعلامية تعرض الإعلانات عن الفوط الصحية بأساليب مضللة تصور أن حياة الفتيات ستكون زهرية وبيضاء ومشرقة بفضل تلك المنتجات.
ويرتبط بمسألة الحيض أيضاً الجانب الصحي والوقائي. وقد انطلقت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا حملة #PadManChallenge التي تطالب بإتاحة الفوط النسائية للفتيات والنساء، منطلقة من خلفية أن 18 في المائة فقط من النساء في الهند تتاح لهن إمكانية الحصول على تلك الفوط المعقمة والنظيفة. والهدف منها كسر الصمت عن حاجة أساسية من حاجات النساء، والتي يعتبرها المجتمع من التابوهات.
السفور ورفض الحجاب الإلزامي
لا يتوقف الجدل بخصوص الحجاب والسفور، وحدود الحشمة والقيود على ملابس النساء. من النقاب إلى الحجاب، ومن لبس العباءة أو الشادور، وصولاً إلى حملات معارضة فرض غطاء الرأس.
أبرز الحملات وأحدثها ضد الحجاب الإلزامي بدأت في شوارع إيران قبل أكثر من شهرين، ولا تزال مستمرة حتى الآن، واعتقلت جراءها عشرات النساء بسبب خلعهن الحجاب في الشوارع والساحات العامة.
لكن حدود الشدة واللين في تحديد طبيعة الحجاب ومواصفاته، أو شكل اللباس المفروض تسير وفق محددات السلطة التي "تتساهل" أو "تتزمت" وفقاً لمقتضيات الحراك المجتمعي الذي تواجهه، فتخرج للناس بفتاوى تناسب المرحلة.
وجاءت في هذا السياق الفتوى الأخيرة التي أصدرها عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية والمستشار في الديوان الملكي الشيخ عبد الله المطلق، بأن الملابس المحتشمة هي مقياس الالتزام وليس العباءة بالضرورة، لكنه أكد على التقيد بالحجاب.
ونذكر كذلك الصحافة الإيرانية التي كسرت قواعدها وأظهرت على صفحاتها الأولى صورة عالمة الرياضيات الإيرانية مريم ميرزاخاني "السافرة" بشعرها القصير.
وبعيداً عن نقاش علاقة الملابس بـ"الأخلاق" والتدين، أو الحلال والحرام، أو إن كان فرضاً أو عرفاً، يتبيّن أن القاعدة يمكن خرقها، والقانون يمكن الالتفاف حوله إذا شاءت السلطة ذلك وفقاً للظروف، ومن ذلك تعميم السلطات السعودية على مواطناتها في النمسا في سبتمبر/أيلول 2017، عدم ارتداء النقاب في الأماكن العامة التزاماً بالقانون النمساوي.
المثال السعودي ينسحب على باقي دول الغرب التي تربط الحجاب بالإسلام السياسي، لأن الأخبار التي تصلنا عن منع محجبة من دخول دائرة حكومية في بلجيكا، أو منع الحجاب في الوظائف العامة في فرنسا، وحظر البرقع في النمسا والدنمارك وغيرها، لم تعقبه أزمة دبلوماسية أو طلب الدول من نسائها العودة إلى الوطن لصون "الشرف".
رفض الحجاب في الدول العربية والدعوة لنزعه اقتصر على حالات فردية، قليلها يظهر في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، نذكر منها على سبيل المثال الناشطة السعودية ملاك الشهري، التي نشرت صورتها في أحد شوارع الرياض في 2 ديسمبر/كانون الأول 2016 بدون حجاب. ودعوة الصحافي المصري شريف الشوباشي لتنظيم مليونية خلع الحجاب في ميدان التحرير في مايو/أيار 2015، لكنه ما لبث أن تراجع عنها.
 الإجهاض... رفض التحريم والمنع
الإجهاض وفق الأديان والقوانين الوضعية "حرام" وجريمة يعاقب عليها القانون، ولا يمكن للمرأة أن تجهض إلا بموافقة طبية مشروطة بأن يكون الإبقاء على الجنين مصدر تهديد لحياتها. لكن التحريم والتجريم لا يعني أن الإجهاض لا يحصل، والواقع يؤكد أن الإجهاض يجري سراً في كل مكان، بإشراف طبي أو بطرق بدائية تعرض حياة النساء للخطر. وبعدما كان الإجهاض من المسائل التي لا يتقبل المجتمع الحديث عنها، بات من المواضيع المثيرة للجدل.
وإذا كان منع الإجهاض وتحريمه في الأديان يرتكز على أن إنهاء الحياة مسألة بيد الله وحده وليس للإنسان أن يقرر فيها، فالقوانين تعتبر أن التخلص من الجنين مشابه لجريمة القتل. والمجتمعات في أغلبها تعتبر أن المرأة التي تقرر إجهاض جنينها قاتلة.
65 مليون حالة إجهاض تحصل سنوياً في العالم، بينها 25 مليون إجهاض غير آمن أغلبه في الدول النامية. 8 ملايين امرأة تعاني سنوياً من مضاعفات الإجهاض غير الآمن، وتستدعي حالات 5 ملايين منهن الدخول إلى المستشفيات، وتصل إلى 13.2 في المائة نسبة وفيات النساء بحالات الإجهاض غير الآمن.
كل الأرقام السابقة نشرتها منظمة الصحة العالمية في 2014. ونشرت تقارير صحافية أن نيوزيلندا على سبيل المثال سجلت 13555 عملية إجهاض عام 2015، أي ما يعادل حالة إجهاض مقابل كل خمس حالات حمل. في حين بلغت النسبة في الولايات المتحدة وأستراليا ما يقارب حالة إجهاض واحدة مقابل ثلاث حالات حمل.
لا إحصاءات ولا دراسات علمية عن الإجهاض في البلدان العربية، إن لجهة الأعداد أو الأسباب، أو قياس تبدل نظرة المجتمع للأمر، أو حتى تكشف عن إجهاض "الظل". ولا يخفى على أحد أن بإمكان المرأة الحامل أن تحصل على عقاقير من الصيدليات تمكّنها من إجهاض جنينها. وإذا كانت المستشفيات والعيادات لا تخرق القانون في هذا المجال، إلا أنها تضطر لاستقبال أم تنزف بعد أن أجهضت في المنزل. ناهيك عن عيادات وأطباء يخرقون القانون ويوفرون للنساء "خدمة" الإجهاض.
تجدر الإشارة إلى أن القانون التونسي يسمح للمرأة منذ عام 1965 بإجراء الإجهاض دون قيد. ويسمح به للضرورات الصحية والنفسية في كل من الجزائر والبحرين والأردن والكويت والمغرب وقطر والسعودية. لكنه محظور في مصر والعراق ولبنان وليبيا وعُمان وفلسطين وسورية والإمارات واليمن، وفق بيانات مركز الصحة الإنجابية في نيويورك عام 2007.
المجاهرة بحق المرأة بالإجهاض بدأ مطلع سبعينيات القرن الماضي. لكن تحديد يوم عالمي للإجهاض الآمن في 28 سبتمبر/أيلول سنوياً، لا يعني أنه نال الاعتراف من الدول كافة.
أطلقت الفكرة شبكة إقليمية من الجماعات الناشطة في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في اليوم ذاته من عام 1990. وفي عام 2011، تبنته شبكة النساء الدولية للحقوق الإنجابية. وفي عام 2012، نُظمت حملة دولية لتوحيد الدول وقطاعاتها الصحية على احترام وحماية وإقرار حق المرأة في الإجهاض الآمن. في عام 2013 شملت الفعاليات أكثر من 60 بلداً. وفي عام 2016 حمل ذلك اليوم شعار "الإجهاض ليس جريمة".
وشهدت شوارع المدن الكبرى حول العالم مسيرات نسائية حاشدة في 28 سبتمبر/أيلول 2017 ناشدت قادة الدول لمناصرة حق المرأة بالإجهاض الآمن، والوقوف ضد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب حظر الإجهاض تحت طائلة الملاحقة القانونية.
كسر الصمت عن فحوص العذرية
بين القانون وتطبيقه فجوة تتسع أو تضيق من بلد إلى آخر. لكن الشجاعة في فضح المسكوت عنه هي الخطوة التي تكسر الممارسات المهينة والمذلة للنساء، وإحداها إخضاع الفتيات لفحص العذرية.
هي لحظة تغيير حصلت عام 2011، عندما عرضت 13 سيدة مصرية أمام المحاكم العسكرية وأجبرن على الخضوع لفحص العذرية إضافة لأساليب التعذيب المختلفة. لحظة مجاهرة واعتراض وصلت أصداؤها إلى العالم بأسره، فكانت جرس إنذار يحذر من الاستمرار على ذات المنوال في المعتقلات والسجون ومخافر الشرطة. وإن كان القضاء المصري قال كلمته في حينه، ودان الضابط المتهم، إلا أن القضاء نفسه برأه في مارس/آذار 2012.
من الادعاء القول إن قرارات القضاء المانعة لفحوص العذرية في أكثر من دولة عربية تمنع بالفعل ممارستها في الواقع، أو حتى سن القوانين بهذا الشأن. وفي هذا السياق يأتي التحذير مزدوجا بشأنها، فالجهات الحقوقية والإنسانية تعتبر أن تلك الاختبارات هي أحد أشكال العنف ضد المعارضين، ووسيلة عقاب. أما الجانب الصحي فيتمثل بتوصية منظمة الصحّة العالمية في ديسمبر/كانون الأول 2014 للحكومات بالوقف الفوري لـ"اختبار العذرية" المهين والتمييزي وغير العلمي في حقّ النّساء والفتيات في العالم.
لكن سلطة الأعراف والتقاليد المهيمنة في مجتمعات كثيرة، تجعل من تلك الفحوص مسألة إجبارية لاعتبارها جزءا من ثقافتهم. فالفتاة المقبلة على الزواج تجبرها عائلتها على الخضوع لهذا الاختبار لتأكيد عذريتها المرتبط بشرف الأسرة والقبيلة.
وقف فحوص العذرية بتوصيات قضائية لا يبدو كافيا، خصوصاً أن الثقة شبه منعدمة بين المواطن والجهات الأمنية في البلدان العربية والعالم النامي. وتتبع أغلب أجهزة الأمن أسلوب التعدي الجنسي والتهديد به حيال الجنسين في المعتقلات ومراكز الشرطة. ولمزيد من إذلال المعتقلات الإناث يأتي فحص العذرية لتبيان أن خروج الفتاة عن السياق العام الذي ترسمه السلطة، حتى وإن كان اعتراضاَ سياسياً ومطلبياً، سببه التفلت الأخلاقي وبالتالي فقدان العذرية.
من الصعب الجزم بأن "فحص العذرية" لا يجري قطعياً في دولة عربية بعينها. كما أن وثائق منظمة "هيومن رايتس ووتش" بيّنت أن بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط هي الأكثر استخداماً لهذا النوع من الاختبارات، على الرغم من انتشارها في دول شرق آسيا. في حين اتخذت هذه الممارسة بعداً غير مسبوق تناولته الصحافة قبل نحو عامين، وهو إجبار الفتيات على إجراء الفحوص عند التقدم لوظيفة في الشرطة أو الجيش، إضافة إلى رفع مقترحات بتطبيقها على الفتيات في المدارس.