محمد لطفي الكافوري - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

كثيراً ما تكون المرأة العربية محط نقاشات المجتمعات الغربية عند الحديث عن العرب ولما وصلوا إليه من تخلف وانحدار، فتتركز انتقاداتهم للعرب بشأن انحدار حقوق المرأة على ثلاثة محاور هى: انحدار حقوق المرأة فى العمل، التعليم، الممارسات السياسية، وعادة ما يُنسب ذلك الانحدار إلى وصايا الدين التي قيد بها الإسلام المرأة.
وأحياناً ما يُصدق البعض من المنتسبين للعرب على تلك الادعاءات حينما يمشي بين الناس متباهياً بضرب زوجته!
حقيقةً ذلك المقال - عزيزي القارئ - لم يخصص لإثبات أن الدين الإسلامي قد أعطى للمرأة رفعةً ومكانة عليا، والتي لا تسعها حروف ذلك المقال؛ لأنه بالفعل ورد من الله تعالى الأمر الظاهر الجلي بحسن الاستخلاف والعمل والتعمير في الأرض، والأمر بالتعليم على قدم المساواة بين الرجل والمرأة.
وقد وردت العديد من المواقف في سيرة النبي محمد التي أعطى فيها للمرأة دورها في المشاركة السياسية بأمر من الله بالشورى، وقد بدا ذلك جلياً في مشورة أم سلمة في صلح الحديبية.
ولكن إن لم تكن وصايا الدين هي المحرك لذلك الواقع المرير الذي نراه من تهميش للمرأة في مجتمعاتنا العربية، فما ذلك الشبح الذي استطاع أن يجسد قصصاً من المعاناة؟!
العادات والتقاليد هي ذلك الشبح الذي يتمسك بالبقاء، ربما يستتر لوهلة، لكنه يعود أقوى ليواجه ويتصدى من جديد.
إنه من المعلوم أن الإنسان مر بعدة مراحل من التطور، فهي كما رتبها الدكتور شريف عرفة في كتابه إنسان بعد التحديث: مرحلة إنسان الغاب، إنسان القبيلة، الإنسان المستقل، ثم المستنير.
ذلك يوقفنا لحظات مع إنسان القبيلة، الذي يؤمن بالسلطة الأبوية، فهو ذكوري متسلط ممتثل للقواعد والأعراف بشكل مخيف، بل وأكثر من ذلك، فهو يرى أن جماعته هي علية القوم، وما غيرها فهم الغوغاء، فتلك العنصرية كانت من أهم سماته، فكان يحكم على الناس حسب ما ينتسبون إليه.
ولكن في الواقع، هناك من يتوقف عند مرحلة معينة من التطور البشري، وما هو يبدو واضحاً أنه متفشّ فى أمتنا العربية، فبين إنسان القبيلة وشريحة كبيرة من أمتنا العربية العديد من القواسم المشتركة.
بدايةً تشكل القبيلة - في بداية عصر الهولوسين حيث كان الإنتاج والاقتصاد هما الحياة - رافقته سيطرة ونفوذ للمرأة لما تملكه من مهارات إدارية، والقيام بمهام يعجز عنها الرجل، ولكن سرعان ما تبدل الحال مع ثورة التطور في الإنتاج وإحلال الرجل نفسه في مواضع المرأة الإنتاجية؛ لتمتلك عندئذ المرأة دوراً أقل من ثانوي، فكما ورد في كتاب HISTÓRIA DA ANTIGUIDADE ORIENTA أو الحضارات القديمة، كانت الخطيبة تُشترى من أبيها.
من بعدها أصبحت المرأة تعاني التهميش والانحدار في الحقوق، ويتضح ذلك جداً عند ولادة الملكية الخاصة؛ لتصبح المرأة هي ملاذ الرجل الجنسي الذي يلجأ إليه لإفراغ تلك الشهوة وحسب؛ لتتطور القبيلة في ذاتها، وتزداد سماتها التي تمتلكها فبدأت بالذكورية، ثم الالتزام بالأعراف والقواعد، ثم العنصرية والتسلط.
وبالطبع تطور إنسان القبيلة ليجد نفسه على أعتاب إنشاء الدولة بعد مرحلة الديمقراطية العسكرية؛ ليصل لمرحلة الإنسان المستقل الذي يؤمن بالحرية والتفرد، وبعده الإنسان المستنير الذي يصل لدرجة عالية من درجات الكمال.
تلك المراحل من التطور ليست مراحل لتطور الإنسان عبر التاريخ، بل مراحل لتطور عقل كل فرد خلال فترات حياته، فمنا من يتابع ويتقدم ليصل للمرحلة التي تليها، ومنا من يتعطل فيظل عند مرحلة معينة.
فجاء الإسلام في ظلمة القبيلة التي عاثت في العقول البشرية بأسلحتها المتمثلة في العنصرية والتمسك بالتقاليد مع خطئها، محاولاً إرساء مبادئ مجتمعية تعزز مكانة مؤسسة الأسرة، معتبراً إياها أولى مؤسسات المجتمع المدني، والتي تُبنى عليها الأمم، مقدساً مكانة المرأة، علماً منه بأنه لا يرقى المجتمع إلا وفقط عندما ترقى مكانة المرأة.
وقد أكد ابن رشد، في العديد من كتاباته وخطاباته عن المرأة وحريتها، أن سبب تراجع أمتنا العربية آنذاك - والذي لا يقارن بتراجعها الآن - هو انحدار قيمة المرأة في المجتمع، وهذا ليس تحاملاً ولكن رؤية واقع تصبح فيه المرأة في بعض المناطق العربية عاراً.
لنعلم أنه بالرغم من التطور التكنولوجي والثورة المعلوماتية، إلا أن النظام القبلي ما زال موجوداً بل وفي تزايد في صورة القبيلة الفكرية التي تعتبر نواة الفكر المتطرف، وإن لم نفطن له قد تكون العواقب وخيمة.