إنجي إبراهيم - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

"هات راجل يا إحمااااااااااد.. هات راجل يا إحمااااااااد".
كنت فقط أستمع للأغنية وينخلع قلبي مع صوت عبلة كامل وهي تقول "بيبة والصعيد مات.. بيبة خلف بنات"، صوتها المختنق كان يشق قلبي، كان يخبرني صوتها بأنني لن أقوى على احتمال وجع فيلم "عرق البلح".
لم أكن قد رأيت الفيلم وقتها، لم أكن أعرف من هو رضوان الكاشف هذا، كنت فقط أسمع الأغنية وأشاهدها على اليوتيوب وأوزع الأدوار في مخيلتي، كانت شريهان في نظري فتاة ساذجة لم تعرف السر بعد، وأعطيت لعبلة كامل دور السيدة التي يضغط السر على عضلة قلبها فينفرط عقد الدموع وهي تضع يدها على رأسها لتنعي المأساة، وقد خلعت على منال عفيفي بشعرها الغجري ورقصها الماجن مع الرجل ذي الشارب الكث دور سيدة الغواية.
لم أكن أعرف قصة الفيلم أصلاً ولم أكن قررت بعد ما هو هذا السر الذي تتضمنه الأغنية وتدور حوله خيالاتي، ثم قررت في يوم صيفي يخلو من كل مظاهر الجمال أن أشاهد الفيلم.
"يا أحمد علي يا أحمد علي النخل راح ضله"..
هل كان للرجل كل هذا الوزن في حياتي قبل أن أشاهد الفيلم؟ لم أفكر قبلها لو أن الرجال اختفوا من الكوكب الذي أعيش فيه كيف ستكون الحال.
في الفيلم يقهر الزمن الرجال فيرحلون عن البلدة الصغيرة، يتركون زوجات وبنات وحيدات. ينسحقون ليجروا خلف لقمة العيش ويتركون نسوة بائسات دون ظل، نسوة يدرن الحياة في القرية مع شيخ صامت يعرف كل شيء ولا يتكلم، عيناه تلومان عبلة كامل عندما تنسحق تحت وطأة رغبتها الحارقة، فتحاول مراودة محمد نجاتي، الفتي ذو الستة عشر عامًا والوحيد الذي لم يترك البلدة مع الآخرين.
"يا أحمد علي يا أحمد علي اسمك على لسااااااااني"
نساء يحتجن أن يقمن احتفالاً بمولود ولا يستطعن جلب الفرقة إلى البلدة لأنه لا رجال فيها، نساء يحتجن أن يزوّجن شريهان بمحمد نجاتي ولا يستطعن لأنه لا رجال في البلدة، نساء يحتجن أن يشعرن بالحياة ولكنها مبتورة، نصفها غير موجود، كيف لهن أن يعشن بعد أن يرحل ظل النخل؟!
"يا أحمد علي يا أحمد علي بيع نخلنا العالي.. بيع النخيل يا أحمد علي ولبسني خلخاااااالي"
كنّ على استعداد أن يضحين بكل شيء في سبيل أن يعود الظل، حتى النخل الذي تحكي الجدة عن أنه كان أول ما عمّر الخلاء كي يستطيعوا العيش، فقط لو عاد الراحلون ونبيع النخل والبلح كي تستمر الحياة، فقط لو عاد الراحلون كي لا تحرق الشمس الأخضر في القلوب، فقط لو عاد الراحلون كي لا ينمو كل هذا الحزن على قمم النخل.
"يا أحمد علي يا أحمد علي اسمك على لسااااااااني"
متى اكتشفت أن الحياة كلها تتمثل في تلك البلدة ذات الشمس الحارقة، والتي تحتاج الظل كي لا تسقط نخلاتها العاليات؟
لم أكتشف ذلك عندما أصبحت شريهان حاملاً من محمد نجاتي في الفيلم، لأنه لا أب يحميها ويزوجها، ولم أكتشف ذلك عندما قتلت سيدة الغواية بعد أن أوحلت نفسها وأوحلت البلدة مع الطبال ذي الشارب الكث، ولم أكتشف ذلك عندما أدمنت عبلة كامل التدخين بعد أن أفاقت من غيبوبة رغبتها في المراهق الذي يناديها خالة.
اكتشفت ذلك مع تتر النهاية، عنددما ترددت الأغنية دون مزيكا في الخلفية، فقط الصوت الملتاع يدوي في فراغ كبير، دون ظل يحمي من الشمس، يبكي على جثث النخلات اللاتي سقطن ولم يلتقطهن أحد.
"نوح يا غراب ع اللي قتلته الغربة.. نوح يا غراب ع اللي قتلته الغربة"..