الكاتبة الصحفية: فاطمة كمون - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

سمعت صوتا مفاجئا من الفضاء الرحب سحبني من سهوي وكسر لحظات وحدتي ...كنت متسمرة وراء زجاج النافذة المغلقة ،أتأمل السحب في السماء،  كانت محملة بالدموع كصدري المحمل بالهموم الذي يبتر  اجزاء أحلام من داخلي في صراع  مختلط من الأحزان  والأشجان....انظر في السماء اتابع تغير اشكال الغيمات المحدثة لرسوم متناسقة ، تجعل مني محللة للرسوم وكانني في معرض لوحات فنية ، أحلل رمزية الشكل وانسجام الألوان  ..ابتعدت عن المكان للرد على الهاتف ولكني حملت معي من ذاك المشهد الممتلئ آلاما وآمالا كانت بداخلي فطفت على سطح هواجسي ...اكملت المكالمة وعدت مكاني اتابع المشهد رايت من بين السحب وجه امراة كنت قرات عنها فيما مضى لا اتذكر أين  ذاك الوجه المرتسم في السحب يبتسم طورا ويكشر آخر يعظم شكله ويتقلص يزمجر بصوت حاد مشعلا نار التحدي ليظهر قوة خارقة تثبت ابديتها بالمكان ..استنشقت رائحة الثرى يغزو الفضاء ... مطر ينذر بالهطول عما قريب ..تساءلت من هي صاحبة الوجه وماذا تريد اقشعر كامل جسدي كانت كأنها تخاطبني مباشرة دون حاجز او سابق انذار او اذن ...في الأجواء حلقت طيورا باحثة عن مأمن من غضب آلهة السحب التي بدات تغير لون رداءها فهابتها الطيور واستكانت لها الأشجار ....ربما ما استفزني في كل ذاك المشهد ان هذه القادمة ستمنع عني صديقي الذي يسامرني ويحمل عني همومي قمري الذي سيكتمل هذه الليلة ....اقترب مني ذاك الوجه اكثر واكثر ..عاينت نافذتي وتأكدت من احكام اغلاقها حتى لا تتطفل هذه المتمردة وتجتاح غرفتي ....احسست خوفا لم أعهده في نفسي من قبل رعشة تتملكني وتربك مفاصلي ...مازال ذاك الوجه يدنو منى ويزيدني قتامة داخل نفسي تحولت تلك الزمجرة لصوت واضح المعالم يخاطبني مباشرة وعينان مصوبة داخل نفسي تشعل برقا يحرق ذكرى ويتلف معالم صور اختزنتها لسنوات طوال...رأيت دخانا يتسرب داخل صدري برائحة الربيع الذي هجرني من سنين وعمت عنه عيناي فلم اعد ارى بريق ألوانه ولا أشتم شذى عطره فقد رسم قبل رحيله في أيامي لحودا سكنتها خاضعة مستسلمة لقدري... انعكست على بلور نافذتي صورة القمر حزينا  باكيا تحيط بها نجوم تخفف عنه لوعة فراقنا هذا المساء ...تقدم ذاك الوجه مني وطرق نافذتي ...جف حلقي والتصق لساني في فمي ...ضاع الصوت مني كما ضاع الفضاء طلبت مني مغادرة المكان والخروج الى رحابة الكون لأرتوي من ماء المطر الذي يتساقط من عمقها وان أفك القيود التي كبلت نفسي بها وان اغتسل من كل الألم الساكن في ذاتي العابث بمأساتي ..اشرت لها باني لا استطيع حراكا ولا مغادرة واني اخشى البلل والإرتواء رفضت بكل قوة ولكن احسست ان ذاك الوجه يرجوني المحاولة والسعي لتغيير ما تعودت عليه واتحدى ظلم القدر ... هاتف من داخلي قال: لم لا تنزعين هذه العادات وتغييرين  شيء ما بفعل جنوني كالخروج تحت المطر ... ؟؟ لا ادري كيف استجبت باندفاع وبإرادة مسلوبة ... نزعت  المشابك من شعري وتركته بحرية على كتفي فاكتشفت فرحته بذلك  وسرعته في النزول محدثا فوضى على وجهي وكتفي...فتحت النافذه فابتعد عني ذاك الوجه الذي اربكني... تحولت كريشة في مهب رياح خفيفة تداعب هبات الرياح الخفيفة خصلات شعري وتضفي بردا لافحا على خدي وانفي ..ادركت ان آلهة السحب تحمل اسرارا لا ندركها الي اذا دخلنا غور مغامرة ما تحول ذاك الصوت الذي اخافني الى عزف رقيق مصحوب بكلمات تطمح للخلود في اروقة الزمن وتدعوني للرقص في حلبة ذاك المساء ...بدات حبات المطر تتسابق لإرضائي واستجابة لنداء آلهة السحب رأيت نباتا يخرج من الأرض  فيزهرُ ورودا في ربيع  غير منتظر يشدو ترنيما سرمدي بصوت الملائكة  بغير شفاه ..تصافح كل شيء حولي وتشابكت اذرعهم للرقص وبدأت السحب بالرحيل تاركة المجال للقمر الذي اوشك ان يودع مكانه لفجر جديد يعانق الشمس التي بدأ وهجها يشرق من داخلي ..أطبقت أجفاني وقبلت ذاك الوجه قبل ان يغادر المكان ويتلاشى في خضم التحولات الفصولية التي اصطفت في نفسي لتفتح مجالات ودروبا جديدة ربما سأسلكها من بداية الفجر القادم لأصنع فوانيس لإضاءة ظلمات دهاليز عمق نفسي بأنوار لؤلؤية لا احسبها  تنطفئ مجددا  تلون حبات الندى  وتغلق سراديب الألم من القلب ..