باريس- محمد المزديوي - " وكالة أخبار المرأة "

نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية، يوم أمس الجمعة 26 يناير/ كانون الثاني، تحقيقاً لمراسلها في القدس المحتلة بيوتر سمولار، عن الدور الذي تلعبه النساء الفلسطينيات في المجتمع الفلسطيني، بعنوان لافت: "الفلسطينيات على كل الجبهات"، ركّز فيه على مواجهتهن الاحتلال الإسرائيلي واعتقالَ أبنائهن، ومشاركتهن في الكفاح وأعباء المنزل، إضافة إلى الدفاع عن حقوقهن وسط مجتمع محافظ.
كتب الصحافي الفرنسي عن الطالبة الفلسطينية أسيل كوثر (22 عاماً) التي تلعب مُدافعة في فريق كرة قدم نسائي، ما يسمح لها بأن تغادر الضفة الغربية بانتظام وتسافر إلى الخارج، ما اعتبره "متنفساً رائعاً، يخلص الطالبة من سطوة الاحتلال الإسرائيلي".
شهرة أسيل في الجامعة لا ترتبط بنشاطها الرياضي فحسب، إذ إنها المرأة الأولى التي انتخبت في مجلس الطلبة في إبريل/ نيسان 2017، من بين 12 عضواً في مجلس الطلبة. وتعترف للصحيفة: "في البداية، لم يتقبلني الرجال، لأنهم كانوا مقتنعين أننا لسنا قادرات على العمل مثلهم. وحاولت تشجيع طالبات على ألا يخشين من نظرة المجتمع".
وقال الصحافي الفرنسي إن أسيل تحلم بوحدة وطنية حقيقية تتجاوز الفصائل الفلسطينية، وأن ترى الدولة الفلسطينية النور يوماً. لكنها لا تفكر في مستقبل سياسي لها، والسبب حسب قولها "سأكون مراقَبةً من قبل الإسرائيليين، ولن أستطيع السفر".
ومثل كل الفلسطينيين، لا تخفي أسيل تأثرها بِمِحَن عهد التميمي، التي تحوّلت في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي إلى أيقونة وطنية، بعد اعتقالها هي وابنة عمها لأنها واجهت جنديين إسرائيليين، وتنتظر محاكمتها التي تبدأ يوم 31 يناير/ كانون الثاني الجاري.
وأوضح الصحافي سمولار أن الحماس العقابي للجيش الإسرائيلي بحق التميمي يذكّر أن النساء الفلسطينيات يدفعن ضريبة في الكفاح ضد الاحتلال. ولفت إلى تقديرات منظمة "الضمير" غير الحكومية بأن عدد الفلسطينيات اللواتي أوقفن أو اعتقلن في السجون الإسرائيلية منذ عام 1967 بلغ نحو عشرة آلاف امرأة.
ونقل عن مديرة المنظمة، سحر فرنسيس، أنه "لا تمكن مقارنة هذا العدد بمئات الآلاف من الرجال المعتقلين، لأن الإسرائيليين يوقفون الرجال أكثر لأسباب متشابهة"، منها انتماؤهم إلى فصائل المقاومة "مثل حماس والجهاد الإسلامي، أو بسبب نضالهم في الجامعة".
وتابع سمولار قراءته المجتمع الفلسطيني، كاتباً: "في تاريخ النضال من أجل الحقوق الفلسطينية، كانت النساء في الصف الثاني، على الرغم من تأثيرهن الكبير كأمهات وبنات وزوجات، قدّمنَ دعماً لا لبْس فيه للرجال المعتقَلين. ونقلن سير وقصص الشهداء، وساهمن في نشر ثقافة التضحية، كما تحمّلن الإهانات عند الحواجز ونقاط العبور الإسرائيلية".
وأبرز انتقال بعضهن إلى المقاومة، مثل ليلى خالد، مناضلة الجبهة الشعبية التي اختطفت طائرتين عامي 1969 و1970. وإقدام فلسطينيات على تنفيذ عمليات استشهادية طبعت الانتفاضة الثانية بالدم. في حين لعبت أخريات دوراً محرِّكاً وإيجابياً في المجتمع الفلسطيني في مطالبة بالمساواة. لكن المرأة الفلسطينية على الرغم من تضحياتها لا تتبوأ إلا نادراً مراكز في دوائر القرار.
واستشهد الصحافي بالفلسطينية شيرين أبو هلال، الأربعينية، وغير المتزوجة والمنحدرة من عائلة شهيرة في أبوديس، وهي تشرّح المجتمع الفلسطيني قائلة: "يُكرَّر غالبا أننا في مجتمع ديمقراطي ومنفتح. وأنا أقولها صراحة مجتمعنا يرتكز على الرجال، الذين يقررون كلّ شيء باسمنا. والنساء ضحايا عنفيْن اثنين هما الاحتلال وثقافتنا، والمشكل ليس الدين، إنما ذهنيتنا العربية".
عمل بطيء لكنه دؤوب لنيل الاعتراف بهن
في ديسمبر/ كانون الأول 2017، أي بعد أربعة أيام على اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، تجمع 60 متظاهراً في أبوديس بينهم امرأتان، إحداهما شيرين أبو هلال.
وتعمل شيرين موظفة في وزارة التنمية الاجتماعية، وتعتبر أن "كل امرأة تعيش في فلسطين هي مناضلة، بمجرد أنها ظلت هنا"، معترفة أنها تستمد قوتها من عائلتها ومن تقاليد النضال المتوارثة.
وتنتمي شيرين أبو هلال إلى حزب المبادرة الوطنية الفلسطينية، وتؤمن بالعمل الدؤوب. وساهمت في الانتفاضة الثانية من خلال توزيع الطعام والملابس على الطلبة الذين لم يكن بإمكانهم العودة إلى بيوتهم، بسبب إغلاق الطرق. وفي عام 2011، انخرطت في حملة مقاطعة إسرائيل "بي دي إس". وفي عام 2013، شاركت في مظاهرات في قرية باب الشمس، احتجاجاً على توسيع بناء المستوطنات الإسرائيلية. ومنذ سنتين، عبّرت عن اعتراضها على عمليات طعن الإسرائيليين بالسكاكين، معتبره إياها غير مفيدة، وخسارة.
وتابع سمولار أن "انخراط النساء الفلسطينيات في الحياة العمومية يعود إلى بدايات الحركة الوطنية زمن الانتداب. وكنّ يشكّلن طليعة محدودة. وفي عام 1929، تجمع وفدٌ يضم مسيحيات ومسلمات، ينحدرن من خلفيات اجتماعية متنوعة، أمام مقر المفوض العام البريطاني في القدس، ونددن بإعلان بلفور، الذي وعد اليهود بوطن قومي. وبعد النكبة، انخرطت نساء فلسطينيات في الدفاع عن حقوقهن. ولكن ثقافتهن القانونية كانت لا تزال ناقصة، في مجتمع زراعي".
بعد النكبة عام 1967، كان عدد الجامعيات الفلسطينيات يتزايد، وخريجات الدراسات العليا من الجامعات العربية، لا سيما المصرية منها، ورأى الصحافي أنه على الرغم من وجودهن الملحوظ في الجامعات الفلسطينية، إلا أنهن لا يحظين بمراكز في مجالس إداراتها.
وعلى الرغم من انخراط النساء في الانتفاضة الأولى، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، دعماً للمقاومة المسلحة ومواجهتهن الجنود الإسرائيليين بالحجارة، إلا أن تلك المشاركة لم تغير مكانتهن في المجتمع الفلسطيني، ولم تقلّل من العوائق أمامهنّ.
منظمات سياسية تقليدية
وأشار الصحافي سمولار إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية تبنّت في 14 يناير/ كانون الثاني الجاري منح النساء حصة 30 في المائة على الأقل من الوظائف في المؤسسات الفلسطينية كافة، مع العلم أنه جاء تكراراً لما قرره مجلس المنظمة عام 2015. ورأى أنّ السلطة والفقر يضعان حدّاً لطموح العديد من الفلسطينيات، ويجعل وظيفتهن تقتصر على الأشغال المنزلية.
وقال "إن المجتمع الفلسطيني متشظٍّ ومثبَّط الهمّة. إذ إن حلم الدولة ذات السيادة، الذي وعدته به اتفاقات أوسلو، تحوّل إلى سراب. بينما كلمات المسؤولين السياسيين فارغة. في حين أن معدل أعمار أعضاء المجلس المركزي في حركة فتح يتجاوز السبعين. وهي من المؤسسات التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي، وعاجزةٌ عن مساءلة نفسها. وفي هذا السياق، يظهر ضعف المكانة التي تحتلها النساء في دوائر القرار.
ونقل عن المحللة السياسية نور عودة أن "قوة منظمة التحرير الفلسطينية كانت تتمثل في ولوجها كل قطاعات المجتمع، من التدريس إلى المحاماة، مروراً بالنساء". كما أن حركة "حماس" وعدت النساء في انتخابات 2006 بأن ترشحهنّ في دوائر قابلة للفوز، ولكن هذا لا يعني أنهن حاضراتٌ وفق مستوى الثقل الديمغرافي الذين يمثّلنه.
عودة مقلقة للقبليّة
الفلسطينية زهيرة كمال، تنحدر من عائلة مشهورة في القدس المحتلة، وهي إحدى النساء القليلات اللواتي شاركن في مفاوضات السلام مع الإسرائيليين، في تسعينيات القرن الماضي.
وقال سمولار عن الوزيرة السابقة لشؤون المرأة: "مناضلة في سبيل المساواة لا تتعب ولا تكلّ. وتعتقد بضرورة وجود تحالف نسائي، يتجاوز الخطوط الحزبية، لإسماع صوت المرأة". وتعلمت زهيرة، خلال تجربتها الطويلة "كل الحِيَل" التي يستخدمها الرجال لإقصاء النساء من دون أن ينتبهن لذلك. وتوضح الأمر: "يتخذون القرارات في مقهى أو نادٍ رياضي مثلاً، من دوننا. وحين نصل، يكون الأمر قد قُضيَ. أو أن معظم اللقاءات يجرونها في الساعة السادسة مساء، وهو توقيت غير مريح لنا، بسبب إدارتنا الحياة العائلية".
ولكنّ ما يقلق زهيرة كمال أكثر هو "عودة المجتمع الفلسطيني إلى القبليّة". وتقول: "فجأة تستدير الأحزاب نحو العشائر، التي تشكل العماد الصلب الوحيد، بدل جرّها وتبيان الطريق لها. وقد رأينا هذا الأمر أثناء الانتخابات المحلية في مايو/ أيار 2017. العديد من النساء أردن أن يتقدمن في الانتخابات. ولكن الأحزاب اختارت مرشحين زعمت أنهم أكثر كفاءة".
والحل كما تراه الوزيرة السابقة هو إنشاء قوائم نسائية في الانتخابات، لأنه "حين نتحدث إلى الرجال، نسمع كلمات معسولة. فأجيبهم على الفور: إذن، فأنتم لا تؤمنون بحقوقنا".