سعاد محفوظ - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

تشير دراسة صادرة حديثا عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر إلى أن 80 بالمئة من المتزوجين عرفيا، ينتمون إلى فئة عمرية تتراوح ما بين الثامنة عشرة والثامنة والعشرين، وهي تقريبا سن الطلاب في مراحل التعليم الثانوي والجامعي.
تطال القضية شريحة كبيرة من المجتمع وتتداخل فيها العوامل الاجتماعية والأخلاقية والدينية والقانونية والاقتصادية، فهي ليست قضية جيل واحد وإنما تهم كل الأجيال.
وخلال حديثنا مع متضررات من الزواج العرفي، وافقت هـدى بعد تردد عن الحديث عن مأساتها شرط ألا يتضح من معالم القصة أنها البطلة الحقيقية لها. فهي وفق قولها تتمتع بسمعة طيبة وترتدي الحجاب وتصلي بانتظام.
تعرفت على شقيق صديقتها ونشأ بينهما إعجاب متبادل ثم تطورت العلاقة بسرعة ووجدت نفسها معه في شقة أحد أصدقائه. وخرجت من اللقاء الأول وقد ودعت عذريتها، فحاول طمأنتها بكتابة ورقة زواج عرفي. واستمرت العلاقة ثلاثة أشهر، ثم بدأت الخلافات لا سيما حين ازداد إلحاحها وتوسلاتها لكي يتزوجها بشكل علني.
وحتى يتخلص من ضغطها هددها بكشف سر الورقة العرفية، وفي تلك الأثناء كانت أسرتها تجهل رفضها المتواصل لعروض الزواج، دون تقديم أسباب مقنعة، فكانت في كل مرة إما تلتزم الصمت وإما تعطي مبررات واهية.
وتتحدث “بسمة” عن قصة وقوعها في غرام أستاذها الجامعي المتزوج والذي لديه أربعة أبناء، فبعد قصة الحب بينهما، أقنعها بالارتباط به عرفيا. وعاشت معه حياة سرية لمدة ثلاث سنوات، ولكن فجأة تركها وسافر إلى خارج البلاد.
حاولت الاتصال به لكي يعلن زواجهما رسميا، إلا أنه رفض وهددها بفضحها بالورقة العرفية. ومازالت المساومات بينهما جارية، ولا تعرف كيف أو ماذا ستفعل في المستقبل إذا ما أرادت الارتباط برجل آخر؟ هل ستقدم نفسها كآنسة أم زوجة؟
تقول زينب سعيد، أخصائية اجتماعية، وهي أم لثلاث بنات “اللوم كله يقع على الأسرة لأني لا أجد علاقة صحية قائمة على الثقة بين الآباء والأبناء، فحين تكون الفتاة مهملة داخل منزلها، وتجد من يبالغ في الاهتمام بها خارج المنزل، سترتبط به بعد أن يغرر بها، ولو كان الشاب يحب الفتاة حقا لرفض الارتباط بها عرفيا، ولكان قد افتخر بالارتباط بها بشكل رسمي وشرعي. وعلى كل فتاة أن تفكر بعقلها؛ لأن الشرف مسألة مهمة، والعلانية ضرورية لإتمام الزواج”.
ويؤكد د. محمد رمضان، استشاري الطب النفسي، أن “كل ما هو سري يعني حالة من الخوف الداخلي والخوف الخارجي، وازدياد الخوف يؤدي بصاحبه إلى اضطراب نفسي دائم. والخوف هو أساس كل الأمراض النفسية، وعندما يقوم الإنسان بعمل ما، وهو خائف وقلق، فإنه يذهب إلى المرض النفسي بنفسه.
والمرض النفسي، هو اختيار أحيانا، يأتي غالبا بسبب التكوين النفسي الضعيف. وسرية الزواج العرفي إنما تعني التناقض بين غايتين؛ الرغبة والرهبة، الرغبة في الاجتماع بأنثى، والرهبة من إعلان ذلك. وتلك الثنائية، إنما تمثل جوهر الصراع النفسي الذي يوقع صاحبه فريسة للمرض”.
ويتفق مع الرأي السابق د. محمد فايز أستاذ علم الاجتماع، ويضيف أن الزواج العرفي ليس محرما مادام هناك شهود على هذا الزواج، لكن المشكلة في أنه يحرم من جميع الحقوق؛ لأنه لا يسجل عند كاتب العدل. و”قد لجأ الشباب إلى هذا النوع الرخيص من الزواج، هروبا من الزواج الشرعي، الذي يضع ضوابط متعددة للزواج. فقد لا يكلف الزواج العرفي ذلك الشاب أكثر من خاتم خطبة رمزي. وقد انتشرت ظاهرة الزواج العرفي بين شباب الجامعات في محاولة للالتفاف على قوانين الدين”.
وعن موقف القانون من الزواج العرفي، يقول سيد أبوعبلة المحامي “هناك نوعان من الزواج العرفي؛ نوع يثير اللغط بين الناس ويوجد حوله إشكال قانوني وهو حين يتفق رجل وامرأة مع توافر شهود أو من دون شهود ويكتبان ورقة عرفية ويحتفظ كل من الطرفين بنسخة من الورقة ويمارسان حياتهما كزوجين، وهناك زواج عرفي أيضا يتم عن طريق الموظف المختص، وبشهود قانونيين، ويستوفي جميع الإجراءات القانونية، لكنه سري وغير معلن، وهو زواج سليم من الناحية القانونية.
أما الزواج السليم، وهو الزواج العادي، فيتم بعد عقد القران أمام المختص، ويستوفي جميع الإجراءات التوثيقية المطلوبة قانونا، وأيضا الأعراف الاجتماعية، المقصود بها أن تعلم عائلتا الزوج والزوجة، وتعلنا وتتراضيا، لأن الزواج هو نواة جديدة تربط بين عائلتين لتكوين عائلة ثالثة. فإذا كانت العلاقة الزوجية لا تستوفي الأركان الأساسية من الناحية الاجتماعية، فسيشوبها القصور”.
والسؤال الذي يطرح: هل يجوز للمتزوجة عرفيا، أن تتزوج بآخر من دون علمه؟ الإجابة القانونية “لا يجوز لها أن تتزوج بآخر، مادامت هناك ورقة سليمة، وبتوقيع الشهود. أما إذا كانت ورقة زوجية “عرفية”، من دون شهود، فهذا زواج باطل، وفي حكم المنعدم “زنا”.
وعن تصوره لحل مشكلة الزواج العرفي، يقول المحامي أبوعبلة “إنها حالة من حالات الخلل الاجتماعي، وجريمة يشترك فيها جميع الأطراف، المرأة والرجل والعائلة. ومن المهم أن يجتمع المفهوم الشرعي للزواج مع المفهوم القانوني، بالنسبة إلى صحة انعقاد الزواج من عدمه وبطلانه، بمعنى أنه إذا لم تكتمل شروط الزواج المطلوبة، من توثيق وكتابة وخلاف ذلك، يستحق بطلانه قانونا وشرعا”.