" وكالة أخبار المرأة "

في منتصف الليل تسمع وقع أقدام صغيرة، ثم يُفتح باب غرفة النوم. ويأتي كائن صغير يزحف على ظهرك ويلتصق بك لينام بجانبك.
تجد نفسك قد دُفعت إلى آخر الفراش، ولم يعد الغطاء في متناول يديك، ولكن هذا لا يهم. لأنه بعد ذلك بوقت قصير، سوف تسمع نفساً عميقاً لطفلك، الذي راح في نوم عميق مرة أخرى، في طمأنينه وأمان بين والديه.
في بعض الأحيان ربما تقلق بشأن هذه "الزيارات الليلية". وربما تتساءل إن كنت بهذا تفسده، لأنك تخشى أن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً بعد ذلك حتى يتعود على النوم بمفرده.
لا تقلق؛ طفلك سيكون على ما يرام.
فمن الطبيعي أن ينام الآباء والأمهات في فراش واحد مع أطفالهم، ومع أن الأمر يبدو بديهياً، إلا أن "فراش الأسرة" دائماً ما يثير الكثير من الجدل.
وهناك اعتقاد خاطئ شائع بهذا الشأن، وهو أن الأطفال الذين ينامون في نفس الغرفة، أو حتى في نفس الفراش مع الأب والأم، يصبحون فيما بعد أشخاصاً مدللين وغير ناضجين.
ويخشى بعض الآباء من تعرض أبنائهم إلى اضطرابات نفسية في المستقبل، في حال لم يتعلموا النوم بمفردهم.
وهناك كذلك خوف من الموت المفاجئ للرضع، الذي يُرجعه الكثيرون إلى ما يسمى بـ"الفراش المشترك"، أي الذي ينام فيه الرضيع بين والديه. وعلى الرغم من عدم وجود دليل واضح على هذا، فإن هذا الارتباط راسخ في عقول الكثيرين.
إلا أن البحوث العلمية الحديثة تشير إلى أن نوم الأطفال مع الأبوين في الفراش أكثر أماناً من نومهم في غرف خاصة بهم.
المشكلة في الكبار
يقول طبيب الأطفال هربرت رينز- بلوستر، من ولاية بادن فورتمبيرغ الألمانية "إن الاعتقاد السائد في ألمانيا حول خطورة الفراش المشترك بين الأبوين وطفلهما لا يستند إلا إلى بعض المخاوف، والتصورات، والمعلومات التي لا يمكن التحقق منها. بل والأكثر من ذلك أن هذا القلق الذي يساور بعض الآباء من خطورة الاستجابة لعواطفهم وترك أطفالهم ينامون بجانبهم، لما في ذلك من خطورة بالغة عليهم، هو اعتقاد لا أساس له على الإطلاق".
وهذه المناقشات لا تنتهي أبداً، لأن الآباء يخشون من إلقاء اللوم عليهم فيما بعد.
على سبيل المثال، أظهر أحد الاستطلاعات في المملكة المتحدة، أن واحدة من كل اثنتين تقريباً من الأمهات لا تعترف أنها تنام مع طفلها في نفس الفراش، خوفاً من انتقاد الأمهات الأخريات لها.
ومن الواضح أن الوقت قد حان للقضاء على هذه الأحكام والتصورات الخاطئة.
1- يجب أن يناموا بالطريقة التي فرضتها الطبيعة
أفضل نوم من الممكن أن يحظى به الأطفال الصغار والرضع هو إلى جوار والديهم. وتعتمد طبيعة الطفل على تفعيل "وضع الارتباط بالوالدين" عندما يكون متعباً. في هذه الحالة يحتاج الطفل إلى القرب، ويسعى للاتصال بوالديه بشكل غريزي.
ويمكننا بنظرة في تاريخ البشرية تفسير سبب حدوث هذا: فبدون حماية الكبار، لما كتب للأطفال البقاء أبداً على قيد الحياة، بالتأكيد ليس فقط أثناء النوم.
تقول نيكولا شميت، مؤلفة كتاب "الطفل الآخر كما ينبغي أن يكون": "على الرغم من أن ثقافتنا وظروفنا المعيشية قد تغيرت بشكل كبير على مدى الـ10 آلاف سنة الماضية، إلا أن الأطفال ما زالوا في حاجة إلى حماية، وإلى ثدي الأم، ودفئ الجسم".
يُضاف إلى ذلك أن الطفل من الناحية الفسيولوجية هو أكثر الأحياء التي تولد مبكراً، إذ من المُفترض لتمام النمو البقاء في رحم الأم لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر أخرى، إلا أن هذا ليس ممكناً بسبب كبر حجم الرأس".
وتضيف شميت لـ"هاف بوست": "لم ينته الأمر بعد، ما زالوا في مرحلة اكتمال النمو. على الأقل في سن الرضاعة، علينا أن نعطي الأطفال كل ما يحتاجونه، بشكل أكبر بكثير، حتى يتمكنوا من الوصول إلى مرحلة نضجهم الفعلية".
وهذا يتطلب الكثير من القرب، خاصة عندما يفقد الطفل سيطرته على جسمه وحواسه أثناء النوم.
2- الآباء يكونون أكثر استرخاءً
في كتابهما "نوماً هنيئاً يا صغيري" كتب هربرت رينز- بلوستر، ونورا إملاو "الأم نفسها تجد في داخلها هذا الميراث الغريزي، إذ لا تحس بالراحة والأمان إلا بوجود مولودها بجانبها. واليوم نحن نعلم أنه ليس فقط الأطفال الصغار الذين يستيقظون في الليل ليتأكدوا من أنهم ليسوا وحدهم، وإنما أيضاً الأمهات اللواتي لا ينام أطفالهم معهم، يستيقظن بانتظام في الليل ويسرن دون وعي للاطمئنان إلى أن أطفالهن بخير".
أما الآباء فإنهم لا يتضررون من هذا الفراش المشترك، لأن نومهم لا يتقطع، فالأم هي التي تستيقظ ليلاً لترضع طفلها حتى ينام. وحتى عندما يستيقظ الأطفال في الليل، فإنهم بوجودهم بين والديهم سرعان ما يطمئنون، ويعودون للنوم من جديد دون أن يستيقظ الأب أو الأم.
في حديثها مع "هاف بوست" تقول سارة أوكويل سميث، الخبيرة البريطانية في نوم الطفل، ومؤلفة كتاب "النوم الهادئ"، "تنعم الأسرة كلها بنوم أفضل. إنها فرصة رائعة لبناء الترابط بين بعضهم البعض".
3- يكونون أكثر ذكاءً
بحسب العديد من الدراسات فإن الأطفال الذين ينامون مع والديهم يحصلون على جرعات أكثر من الرضاعة أثناء الليل. وهذا يجعلهم يتمتعون بصحة أفضل.
تقول إليزابيث كورث، خبيرة الرضاعة على موقعها على الإنترنت "من الطبيعي أن يعتمد الأطفال على الرضاعة ليلاً، إذ يكون لدى الأم الكثير من الوقت للرضاعة الطبيعية، بالإضافة إلى أن نسبة هرمون البرولاكتين ليلاً تكون أعلى بكثير من نسبته أثناء النهار، وكذلك تزداد نسبة هرمون الأكسيتوسين".
الأكسيتوسين هو الهرمون الذي يؤثرعلى العلاقة بين الأم والطفل. أما هرمون البرولاكتين فهو المسؤول عن إنتاج الحليب في ثدي الأم، ويسمى كذلك هرمون الحليب.
كما أن للرضاعة الطبيعية أثناء الليل تأثيراً إيجابياً على ذكاء الطفل:
تضيف نيكولا شميت لـ"هاف بوست": "أقول دائماً خذوا أطفالكم معكم إلى الفراش، يمكنكم الاستغناء في المستقبل عن الدروس الخصوصية؛ لأن الأطفال الذين يرضعون لفترات أطول، يتمتعون بمعدل ذكاء أعلى بمقدار 10 نقاط، بحسب العديد من الدراسات الحديثة. وإن كنا لم نعرف بالضبط السبب في ذلك، إلا أن هذه حقيقة مثبتة".
4- ينامون بأمان أكثر
يخشى العديد من الآباء على أطفالهم من التعرض للموت المفاجئ، في حالة نومهم معهم في نفس الفراش.
إلا أن دراسة حديثة قام بها البريطاني بيتر بلير، الباحث المتخصص في حالات موت الأطفال، قد أكدت أن هذا الخوف لا أساس له من الصحة.
وتستند الدراسة إلى بيانات حديثة ودقيقة جداً. وخلص بلير في دراسته إلى استنتاج واضح؛ وهو أنه إذا تم تجنب جميع عوامل الخطر الأخرى المعروفة، فإن النوم مع الطفل لا يشكل أي خطورة عليه.
وتشمل عوامل الخطر الأخرى بحسب شميت: الوسائد السميكة، والمراتب اللينة جداً أو الفرش المائية، وكذلك اكتئاب أحد الآباء، أو تناول المخدرات، أو اكتئاب ما بعد الولادة لدى الأم، فضلاً عن الزيادة المفرطة في وزن الأم.
وأكدت سارة أوكويل سميث لـ"هاف بوست"، "يجب أن ينام الطفل على الجانب الخارجي من السرير بجوار الأم وعلى مستوى صدرها. وإذا كان الشعر طويلاً يجب أن يُربط، وينبغي ألا تكون قمصان النوم ذات أربطة فضفاضة".
عندما تؤخذ هذه العوامل في الاعتبار، ينام الأطفال في الفراش مع الأبوين بأمان أكثر من نومهم في غرفهم الخاصة. فقد أوضحت سميث "من المعلوم أن خطر الوفاة المفاجئة للرضع في الأسر ذات الفراش المشترك، والرضاعة الطبيعية من قبل الأم، يكون أقل من الأسر الأخرى".
وفي حال كانت هناك خطورة من الفراش المشترك بالنسبة لبعض الأسر، فلديهم على الأقل حل آخر بالنوم المشترك.
والنوم المشترك يعني أن ينام الطفل في نفس الغرفة مع الوالدين، ولكن في سرير آخر خاص به.
تؤكد شميت "يجب على الجميع السماح لأطفالهم بالنوم معهم في نفس الغرفة، إلا إذا كان أحد الوالدين مدخناً، ويدخن في غرفة النوم. لأنه ثبت أن التدخين يزيد من خطر الموت المفاجئ للرضع".
حتى أثناء النوم، ينتبه الأطفال إلى رائحة، وأصوات، وحركات الوالدين.
وهذا مهم لأنه يحول دون استغراق الأطفال في النوم العميق. إذ يعتقد الباحثون أن النوم بعمق شديد يمكن أن يكون خطراً على الرضع. لأن الجهاز العصبي للأطفال لم يكتمل نموه بعد، مما يجعل من الصعب عليهم التعامل بشكل مناسب مع مشاكل التنفس، أو غيرها من المواقف الخطرة.
كما ذكرت شميت أنه من الأفضل للأطفال أن يناموا إلى جانب الوالدين، تماماً كما كان يحدث منذ 120 ألف عام من تاريخ البشرية، حتى يتمكن الجهاز العصبي من النضج ليلاً، وحتى يكون أكثر أماناً من خلال الفيرومونات، والروائح، والتنفس، وحركات الوالدين".
5- يجدون النوم أكثر راحة
الأطفال الذين يُسمح لهم بالنوم في فراش الوالدين، يكونون أكثر استرخاءً. ويكون النوم بالنسبة لهم تجربة ممتعة ومحببة.
فالأطفال، الذين يتم "تدريبهم" على سبيل المثال على الاستمرار في الصراخ حتى يناموا وحدهم في سريرهم الخاص، يقضون الليل كله في قلق وتحت ضغط.
كتب هربرت رينز- بلوستر، ونورا إملاو "يمكننا أن نفترض أن هذا التوتر يصاحب الأطفال أيضاً أثناء النوم، ليظلوا في النهاية على انتباههم، ويدخلون في أول مراحل النوم بنصف عين مفتوحة".
"قياس نسب هرمون الإجهاد أو الكورتيزول تشير فعلاً إلى أن الأطفال الذين يحتاجون إلى البكاء لكي يناموا، يكونون "أكثر نشاطاً" خلال بقية الليل".
أما الرضع الذين يتم تلبية احتياجاتهم الأساسية -من ذلك بالطبع القرب من والديهم- يكونون أكثر استرخاءً، وتتطور لديهم في مرحلة الطفولة مشاعر إيجابية تجاه النوم.
6- يُقلعون بأنفسهم فيما بعد عن النوم في فراش الوالدين
غالباً ما يُواجه الذين يعترفون علناً بأنهم يسمحون لأطفالهم بالنوم معهم في الفراش بالانتقادات. ويُقال لهم "لن يترك فراشكم أبداً"، ولكن هل هذا صحيح؟
تجيب شميت لـ"هاف بوست" فتقول: "يؤدي نوم الأطفال في فراش واحد مع الوالدين إلى تأثيرين سيئين لدى كثير من الناس: فهم غالباً ما يأخذون وقتاً أكثر من غيرهم من الأطفال "المدربين" للدخول في النوم، ويتأخرون كذلك في التعود على النوم فيما بعد بمفردهم طوال الليل".
"ولكن بمجرد أن يتركوا سرير والديهم، فإنهم عادة لا يعودون إليه أبداً".
ويوصي كل من رينز بولستر وإملاو كذلك بالتدرج والرفق في هذا الأمر. لا شك أن كل طفل سيرغب في مرحلة ما بالنوم في سريره الخاص. في حوالي سن 3 سنوات يكون الأطفال فيما يسمى بمرحلة "الاستقلال الذاتي"، ومن ثم يشعرون تلقائياً بالرغبة في النوم في سرير خاص بهم.
"إذا كان الوالدان يرغبان في أن تقتصر مشاركة الطفل لهم في الفراش على الأشهر الأولى فقط بعد ولادته، فعليهم أن يعودوه على أن يكون له سرير خاص به ابتداءً من سن 7 أشهر.
في هذا العمر تكون الكثير من ملكات الثقة الأساسية قد تطورت لدى الطفل، ولكنه لا يزال يشعر بالاغتراب؛ وهذا هو الوقت المناسب ليتعود بلطف على روتين جديد أثناء الليل".
7- لا يكونون مدللين إطلاقاً
وهناك اعتقاد آخر خاطئ يتعلق بنوم الطفل، وهو الخوف من التدليل. تقدم خبيرة التربية نيكولا شميت إجابة واضحة بهذا الشأن، فنقول "الأطفال دون سن الثانية لا يمكن أبداً أن يكونوا مدللين، لأنهم في تلك السن لم تتكون بعد الكثير من مشاعر الحب لديهم".
"التدليل يعني أنني أفعل شيئاً للطفل يمكنه القيام به بنفسه. وبما أن الطفل لا يستطيع أن ينام وحده بأمان، فإنني عندما أوفر له ما يحتاجه من الأمان أثناء النوم، فهذا لا يعني أبداً أنني أفسده".
ويبدو أن طبيب الأطفال رينز بولستر يرى نفس الرأي، فقد دحض هذا الاعتقاد الخاطئ عن طريق هذه المقارنة الرائعة:
"في إفريقيا وآسيا، يُرضعون أطفالهم حتى يبدأوا في الكلام. وعندما يبكون، يسرع إليهم دائماً من يكون إلى جوارهم. ينامون في الليل بجانب أمهاتهم. ويُحملون تقريباً طوال الوقت. برنامج تدليل كامل! ومع ذلك، لا نجد هناك أطفالاً مدللين، بل بالعكس، يعمل الأطفال هناك في وقت مبكر نسبياً، ويضطلعون في سن الشباب بمهام الأسرة، ويواجهون الكثير من صعوبات الحياة بشكل أفضل".