القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

لا تزال أوضاع المرأة المصرية مدعاة للانتقاد، الأمر الذي دفع مجموعة من شباب فنانين وفنانات، تحت مظلة منظمات مجتمعية، إلى إطلاق سلسلة من الأفلام القصيرة بهدف تعرية وتفجير قضايا العنف ضد المرأة وتأثيراتها على الأسرة في مصر، وتوعية النساء وجميع أفراد الأسرة بما تتطلبه المرأة من حقوق، وما يعتريها من ظلم.
من هذه الأفلام القصيرة، التي طرحت قضايا نسائية كبيرة، وحققت نسبة مشاهدة جيدة، وتفاعلًا جماهيريًّا مقبولًا “ما لسه بدري” (حول زواج القاصرات)، و”قبل ما تروحوا للمأذون” (حول شروط عقد الزواج)، و”الإجازة الوالدية” (عن إجازة رعاية الطفل).
تقدم الأفلام “كبسولات” مكثفة لتصوير معاناة السيدات في المجتمع، منذ الميلاد وعلى مدار الحياة، مع محاولة تقديم حلول للمشكلات التي تواجهها. وتبدو الرسائل التي تبثها الأفلام أقرب إلى المباشرة والتوجيه في قالبها الفني البسيط، كونها تنطلق من هدف توعوي بالأساس، وتخاطب في المقام الأول فئات وشرائح مجتمعية عريضة لا تتوفر لها حظوظ وافية من التثقيف والتعليم.
تعتقد مؤسسة “المرأة الجديدة”، الحقوقية النسوية، أن إطلاق الدولة “عام المرأة المصرية” في الفترة من مارس 2017 إلى مارس 2018 لم يكن كافيًا للتصدي لأزمات المرأة والأسرة الفارقة، فلا يزال أمام المرأة شوط كبير لنيل حقوقها وبلوغ آمالها المنشودة.
وتتخذ “المرأة الجديدة” من الفن سلاحًا، من ضمن أسلحة شتى، من أجل التعريف بمشكلات الأسرة الجوهرية، وقضاياها الملحة على أرض الواقع، وطرحها للنقاش والتحليل بأساليب مبسطة، تستسيغها النساء في سائر محافظات مصر، وتحظى بتواصل إيجابي من سائر أفراد الأسرة، خصوصا الشباب والمقبلين على الزواج، وحديثي الزواج والإنجاب.
في سياق دعمها لدور الفن والميديا في مناصرة قضايا المرأة، أطلقت مؤسسة “المرأة الجديدة” مؤخرا سلسلة من الأفلام القصيرة على “اليوتيوب”، بهدف إعلاء صوت المرأة لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وتولت دار النشر النسوية “هنّ” مسؤولية التعريف بالأفلام من خلال عرضها وإقامة ندوات حولها والترويج الإعلامي لها على نطاق واسع.
ومؤسسة “المرأة الجديدة” هي منظمة مصرية نسوية حقوقية غير حكومية، مسجلة وفق القانون، بدأت نشاطها في العام 1984، وتؤمن بحق النساء غير المشروط في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وتهدف إلى القضاء على كافة أشكال التمييز.
وجاءت سلسلة أفلام مناهضة العنف ضد المرأة كنتاج ورشة بعنوان “صّور/ي، وعبّر/ي”، عقدتها المؤسسة بهدف تفعيل الفنون وبث ثقافة المساواة ومبادئ العدالة، بمشاركة فتيات وشبان من أعضاء المبادرات النسوية بمحافظات مصر، وتمحورت حول حقوق المرأة ودورها في تقويم الأسرة وأبرز المشكلات. وتتوج هذه الأفلام حملة اضطلعت بها المؤسسة والمبادرات النسوية على مدار شهرين كاملين بعنوان “16 يومًا ضد العنف”، لكسر حاجز الصمت، ورفع التمييز عن النساء، بما يحصرهن في أدوار تقليدية مرتبطة بدور الرعاية وتربية الأولاد وخدمة الأسرة.
تحت شعار “الصورة تكشف الحقيقة”، التقت الأفلام المناهضة للعنف ضد المرأة، وجاء خطابها موجهًا لكل أفراد الأسرة، في إطار مجموعة من المحاور النسوية التي أثارتها حملة مناهضة العنف، ومنها “متجوزش (لا أتزوج) وأنا قاصر”، “متعرضش (لا أتعرض) للختان”، “اختار: مستقبلي – شريكي – لبسي”، “من حقي: أتعلم – أشتغل – أمشي في شارع آمن – متحرمش (لا أحرم) من المناصب القيادية – متعرضش (لا أتعرض) للاعتداءات الجنسية”.
وتتسم الأفلام بالتنوع، من خلال طرح مختلف القضايا والمشكلات الجوهرية التي تواجه الأسرة بمصر، والقدرة على التأثير المباشر في الجمهور، سواء الفتيات أو السيدات أو الشباب أو الرجال.
وتنتهج الأفلام خطًّا واقعيًّا، تزداد مصداقيته بالاعتماد على تقديم مشكلات حقيقية تهم الأسرة يرويها أبطالها الفعليون، الذين يشاركون في الأفلام جنبًا إلى جنب مع الممثلين. من هذه الأفلام القصيرة التي تفضح أساليب العنف ضد السيدات بمصر “ما لسه بدري (لم يحن موعده بعد)” و”لا لزواج القاصرات”، رؤية وتصوير وإخراج: حنان عمر، ويدوران حول تأثير الزواج المبكر على فرص النساء في العمل.
قدمت الممثلة خلود عبداللطيف شخصية فتاة منطلقة، طليقة، لديها الوقت والطاقة الإشعاعية والروح المرحة الوثابة، كي تدرس وتعمل وتستخدم الكمبيوتر وتحظى بالتصفيق والتشجيع في مجالات العمل والدراسة المختلفة، كما أنها تستطيع ممارسة الرياضة في أوقات الفراغ، والاستمتاع بتصميم الحلي وإنجاز الأشغال اليدوية.
هذه الفتاة هي نفسها التي صارت لاحقًا امرأة حزينة، عجوزًا رغم صغر سنها، إذ علقها الزواج المبكر في حبال المسؤوليات الجسام، ليقول الفيلم رسالته بصراحة ووضوح: “الوقت اللي عدى (الذي انقضى) مش هيرجع (لن يعود)، لو كنت أنا اللي (الذي) اخترت، ما كانش حقي ضاع (لما ضاع حقي).. امنعوا زواج القاصرات”.
ويطرح فيلم “قبل ما تروحوا للمأذون” الشروط الخاصة في عقد الزواج، ومنها الحق في العمل، وهو من إعداد وتقديم نجوان ضبيع، وسيناريو وإخراج محمود الباشا.يستحضر الفيلم في افتتاحيته مشهدًا من فيلم “عمر وسلمى”، حيث زفاف الفنان تامر حسني (عمر) والفنانة مي عزالدين (سلمى)، ليدخل مباشرة إلى الطرح المقصود حول ضرورة التفكير قبل كتابة عقد الزواج، فثمة بنود يجب على المرأة التيقن من إثباتها بالعقد، كحقها في العمل الذي لا يقل أهمية عن وجوب ألا يتزوج شريكها عليها.
أما فيلم “الإجازة الوالدية”، رؤية وإخراج ندى عرفات، وهاجر أحمد، فيناقش فكرة منح إجازة رعاية الطفل لكل من الأب والأم على حد السواء. ويبرز مشاهد لأسر منخرطة في العمل، حيث يضيع الأبناء، خصوصًا الرضّع، في زحمة اليوم، وفي ظل تحمل المرأة أعباء البيت والعمل والقيادة والمذاكرة للصغار.
ويناقش الفيلم بنود القانون المصري، الذي يعطي السيدة “إجازة وضع” مدفوعة الأجر لمدة ثلاثة أشهر فقط، في حين تأتي إجازة رعاية الطفل ومدتها عامان غير مدفوعة الأجر. ويقترح في نوع من المفارقة تجارب شعوب أخرى، كما في فنلندا وأميركا، حيث يُمنح الأب والأم ما يُعرف بـ”الإجازة الوالدية” من أجل التفرغ لرعاية الطفل.
وتظهر في الفيلم امرأة من مؤسسة المرأة الجديدة، هي مي صالح، لتذكّر بأن قانون العمل بمصر ينص على أن للمرأة العاملة حق الحصول على إجازة لرعاية طفلها، كما تستعيد توصية منظمة العمل الدولية “ينبغي أن تتاح لأي من الوالدين فرصة الحصول على إجازة والدية”.