نهى الصراف - لندن - " وكالة أخبار المرأة "

هناك خطط وآمال جديدة، وأمنيات قديمة لم تتحقق تجعلنا نتأمل قليلا في طريقة عيشنا وأداء واجباتنا التي قمنا بها على أكمل وجه، وطموحاتنا التي تلاشت ولم تتحقق، بسبب ظروف خارجة عن إرادتنا أو بسبب إهمالنا ربما.
في مقالها الأخير بمجلة "علم النفس" الأميركية، تؤكد إبيجيل برينر، وهي أستاذة في الطب النفسي بجامعة نيويورك، على أن هناك بعض الأعمال البسيطة التي يمكننا القيام بها كعلامة لبداية عام جديد آخر، والتي يمكنها تأسيس علاقة تصالح مع أنفسنا حيث ترشدنا إلى ما يجب القيام به والطريقة التي نرى من خلالها عالمنا.
وترى برينر أننا مخلوقات موسمية، نتغير مع الفصول وتبدلها، فنستجيب مثلا لإيقاع محيطنا في فصل الشتاء، حيث الظلام والطقس البارد، إن هذه الإشارات هي التي تقودنا إلى استطلاع دواخلنا وتجعلنا نغوص عميقا داخل أنفسنا، إلى الأماكن الأكثر عمقا في ذواتنا والتي غالبا ما تختفي عن أنظارنا في الأيام العادية.
يمثل الظلام وقت الانتظار في العادة، انتظار أن تأتي اللحظة المناسبة، لتنكشف الأشياء تحت الضوء الساطع، وحين يحين وقت عودة الضوء فهذا يعني رمزيا ولادة جديدة، ونموا وحيوية.
ينطبق هذا الأمر على كل ما كان يحمله الماضي من ضغائن؛ أثقال عاطفية تصعب مواصلة حملها، وحتى معتقدات قديمة لم يعد لها معنى أو قيمة بالنسبة إلينا. العام الجديد يعني دخول معترك الحياة مرة أخرى بلائحة جديدة ونظيفة، خالية من الضغائن ومشاعر الأسف والندم، لهذا، يتوجب علينا ترك الحكايات القديمة والتجارب السابقة وراء ظهورنا، وحتى يتم هذا، علينا أن نبدأ بمسامحة الآخرين، وأن نغفر لهم ولأنفسنا أيضا.
بمعنى آخر، عندما نتخلص من الأشياء التي تثقل كاهلنا والتي لم نعد بحاجة إليها، فإن حياتنا ستصبح أسهل وأكثر قيمة كما أن اتخاذنا لقرار كهذا لا يعني أن نكتفي بالوعود والكلمات، بل أن نبحث عمّا لم يحقق لنا الفائدة أو لم نحصد منه النتائج المرجوة فنعمد إلى تعديل المسار أو إلغائه تماما والبدائل دائما موجودة حتما.
وترى برينر أن التغيير لا يكون بالأمنيات، التغيير يتطلب قلب الموازين ومعاندة الأعراف القديمة والمفاهيم التقليدية، وهذا يعني تحريك المياه الراكدة في نهر حياتنا فمتى كان هناك عائق في طريقنا تتوجب علينا إزالته بأنفسنا وعلى الفور، ومتى تطلب الأمر إلغاء علاقات وصداقات غير مجدية فعلينا أن نشرع في التنفيذ من دون إبطاء؛ فالحياة قصيرة جدا ولا ينبغي أن نضيعها في التأسي على الماضي.
في نهاية العام، ستتاح لنا الفرصة للوقوف مجددا على حاشية مسرح الأحداث كمتفرجين هذه المرة وغير مشاركين فيها، ستتاح لنا الفرصة لمعرفة ما حدث وسنرى الضوء المرتجع من الظلمة وانعكاس صور الأشياء في المرآة، لكننا هذه المرة، سنقف من كل ما يحدث وقفة المراقب المتأمل من بعيد ولهذا ستتوفر لنا فرصة الفهم الكامل. من دون هذه الإجراءات فإننا لن نستطيع فهم أنفسنا وردود أفعالنا على الأحداث وهل كنا راضين عن أنفسنا أم لا، وبالتالي لن نستطيع أن نحدث التغيير المطلوب.
السنة الجديدة هي الفرصة المناسبة لتقييم موقعنا ومكانتنا في هذه الحياة؛ كيف تسنى لنا اجتياز الأوقات الصعبة، وكيف تبدو الأمور في المحصلة، وماذا تغيّر فينا؟
ويؤكد متخصصون في علم النفس على أن تحديد أهداف قليلة أو هدف واحد وتركيز الجهد والوقت لمحاولة تحقيقه، يعد أمرا جيدا وواقعيا، إذ أن الطموحات والأهداف الكثيرة من شأنها أن تربك جهودنا وتشتت انتباهنا. ويمكن أن يتعلق هذا الهدف بتغيير المظهر، أو طبيعة العلاقة مع الشريك، بالتفكير في عمل جديد، أو تعلم مهارة جديدة، أو حتى إضافة قطع أثاث وديكورات جديدة إلى المنزل.
يجب التركيز على أهداف وخطط محددة يمكنها أن تعزز جهودنا في الاتجاه الصحيح، وذلك باستثمار مناسب للوقت وللمال مع إمكانية الاحتفاظ بالعلاقات الاجتماعية التي تشكل أهمية في حياتنا، وهذا سيساعدنا في تحقيق ما وعدنا أنفسنا به وسيقلل من احتمالات فشلنا ومعاناتنا وخيبات الأمل التي يمكن أن تشكل حجر عثرة في تحقيق المزيد من التغيير في حياتنا.
من جانبها، ترى أليسون كارمن؛ مستشارة وخبيرة في التنمية البشرية، أنه طالما أن المستقبل قد يبدو لنا أحيانا غير واضح وغير مؤكد، فهذا يعني أن احتمال ورود مفهوم “ربما” يعني الكثير، فربما ما حدث من سوء تصرف في الماضي يؤدي إلى شيء جيّد في النهاية، ربما ستصبح الأمور أفضل وربما سنجد طريقة ما لتقبّل ما حدث والتعايش معه. حتى في الأوقات الصعبة، ربما هناك فرصة لأن نعيش تجربة خاصة، وربما لا يوجد سبب واحد للتخلي عن الأمل.
تقول كارمن “أعرف جيدا أن الكثير من الناس لديهم أفكار مختلفة عن الأمل، بعضهم يعتقد بأن الأمل لا ينبغي أن يكون جزءا من تجربتنا اليومية، فيما يعتقد آخرون بأن تشبث الناس بالأمل هو سبب معاناتهم”.
وتضيف “في بعض الفلسفات، على سبيل المثال، لا يوجد ما هو جيّد أو سيء في حياتنا، إذ أن كل شيء قابل للتغيير، ولهذا لا دور للأمل في حياتنا. في حين، وفي بعض الديانات، يعتقد الناس بأن الأمل يؤدي إلى المعاناة، لأننا نأمل في أن تتغير الأمور في المستقبل وقد لا يحدث ما نتمناه وهذا يسبب خيبة أمل. بل إن الكثيرين يؤكدون على أن الأمل يعمينا عن الحقيقة، ويجعلنا نتقاعس عن أداء واجباتنا وعن مواجهة مشاكلنا وجها لوجه”.
وتوضح قائلة “لكن، وفي المقابل، أعلم أن الكثير منا يجد صعوبة في مغادرة سريره في الصباح، من دون جرعة أمل تدفعه إلى الأمام ليستهل يومه بطاقة نفسية تعينه على مواجهة مصاعب الحياة اليومية، مهما كانت بسيطة، فليس الأمل هو من يتسبب في إيلامنا، بل عدم تمتعنا بالمرونة في تقبل الواقع على علاته، وبأن ليس كل ما نتمناه ندركه. كل هذا يحدث بسبب عدم قدرتنا في التأقلم مع المتغيرات والمفاجآت”.