شيرين الديداموني - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

 فتحت الحملة التي أطلقت مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي بهاشتاغ “هنفرح بيكي امتى” أو “متى ستتزوجين” الباب للكثير من الأسئلة، فمع أن الهدف دعم النساء وتشجيعهن على النجاح والسعي وراء أهدافهن، غير أن البعض استغلها فرصة لإثارة قضية العنوسة بأبعادها الاجتماعية المهمة.
نموذج الإجابة على سؤال “هنفرح بيكي امتى” جاء في فيديو مدته دقيقتين ونصف الدقيقة، تحدثت فيه مجموعة من رائدات الأعمال المصريات عن قصص نجاحهن في عالم ريادة الأعمال، كمثال يحتذى لكل فتاة لديها فكرة تريد تحقيقها وتجعل الجميع يفرح بها، فالفرح لا يقتصر على الزواج والإنجاب فقط.
مروة حسين، من رائدات الأعمال في صعيد مصر، صرحت أن الهدف من الحملة تحويل السؤال السخيف إلى طاقة إيجابية، فالمجتمع يشعر الفتاة دائما بأنه ينقصها رجل، وتمكين المرأة ومنحها حرية الاختيار هو المخرج من تلك الأفكار والمعتقدات القديمة، فهي لها الحق في تأسيس عمل خاص وأن تصبح سيدة أعمال.
ولأنه ليس للمقاومة قاموس موحد، أو طريق محدد يجب المضي فيه، حاولت بعض الفتيات تحدي الأسئلة التي يلفها محيطون بها حول رقابهن.
البعض يسأل مازحا، والعجائز يطرحنها عتابا، وربما شفقة على حال الفتاة التي لم تتزوج بعد، ولا يخلو الأمر من حاقدات لهن مدخل مريب في الشماتة، وكلما تقدم عمر الفتاة تحولت الكلمات إلى سهام حادة، تحاول الفتيات الهروب منها، وبمجرد القبول بالزواج والسلام، تكتشف فتيات كثيرات، بعد فوات الأوان، أنهن طعن أنفسهن بخنجر.
حنان عبدالظاهر سيدة في العقد الرابع، حاصرتها أسئلة حرجة منذ أن كانت في الخامسة عشرة من عمرها، وكانت تبتسم لقائلها خجلا وفرحا، لكن مع التقدم في العمر باتت تتوارى عن أعين السائلات، لأنها لم تلحق قطار الزواج مبكرا، وعندما استقلته وهي في الثلاثين، تزوجت من رجل يكبرها بضعف عمرها هربا من العبارات الجارحة.
وأوضحت أن أقارب معظم الفتيات في الأحياء الشعبية المصرية، ليست لهم تسلية سوى متابعة أياديهن، وبعدها يبدأ الكلام، الفتاة التي ترتدي خاتم خطوبة في يدها اليمنى يقولون لها “عقبال فرحك”، أي إتمام الزواج، ومن ترتديه في يسراها يقولون لها “عقبال عوضك” أي ترزقي بمولود، أما صاحبة اليد الخاوية تكون تسليتهم بـ”هنفرح بيكى امتى”؟
تتذكر حنان اليوم الذي قالت لها زوجة خالها إنها انضمت لـ”سرب العوانس”، ولم تعد تلك الفتاة اليانعة. وقالت بصوت يملأه الألم والحسرة “تأثرت بكلامها وخرجت من حفرة عرفت بعدها أنها صغيرة مقارنة بالبئر الذي وضعت نفسي داخله ولم أجد حبلا أتسلقه كي أخرج بالباقي من عمري”.
كانت الفتاة تقصد أن البقاء دون زواج أفضل من الزواج وما يترتب عنه من مشكلات كثيرة تؤدي في النهاية إلى الندم.
حال حنان شبيه بالآلاف من الحالات، من الفتيات من يتمتعن بشخصية متزنة ولم يتأثرن بالعبارات الجارحة، وأخريات صمتن لكون الكلام ثقيلا على قلوبهن ولا يملكن إجابة، لكنهن تعرضن لأمراض نفسية، وكثيرات وقفن في أروقة المحاكم أملا في الانفصال عن زواج تم هربا من كلام الناس.
وأكد حامد عبدالواحد خبير الطب النفسي، أن هناك فتيات ترددن عليه بسبب تكرار تلك المصطلحات على مسامعهن، والتي تتحول تدريجيا إلى نوع من أنواع الضغوط النفسية الملقاة على عاتق الفتاة، ما يدفعها للقبول بالأمر الواقع وسوء الاختيار، أو الصبر وتحمل عناء المرحلة ونظرات الآخرين، وبعضهن يدخلن مرحلة خطرة من الاكتئاب.وأشار عبدالواحد إلى أن من يتفوه بتلك العبارات لا يعلم أن نتائجها غير محمودة بالمرة، فهي لا تقل ألما عن التحرش اللفظي، ومخاطرها تكاد تكون أكبر لأنها قد تصل بالفتاة إلى الانتحار.
وأوضح أن هناك فتيات تغيرت نظرتهن إلى تلك المقولات العقيمة، ولم يرضخن للابتزاز واعترضن عمليا على أفكار المجتمع وطريقته في النظرة إلى الفتيات.
سماح حمدي فنانة تشكيلية ارتدت فستان الزفاف الأبيض، رغم عدم وجود زوج، أو حتى مشروع زواج، ونزلت إلى الشارع تتجول وتشتري ما تريده وتستقل القطار، معلنة أنها لا تنتظر من أحد سؤال “هنفرح بيكى امتى؟” لأنها ببساطة “سعيدة بنفسها طول الوقت”.
ورفعت الفنانة لافتة “هل لديكم رغبات أخرى” أمام كل من ينتظر أن يراها بالفستان الأبيض، معلنة أنها ارتدته لتريحهم وعليهم أن يعطوها صك البراءة ويفكوا أسرها من قيودهم ويتركونها تحقق طموحاتها.
أرادت سماح بث رسالة لبنات جنسها بأن من تريد الفرح عليها أن تفعل ذلك بطريقتها ويكون هدفها الأول “هي” وليس المجتمع، فالفتاة أكبر من أن تعيش حياتها في انتظار قطار الزواج، وعمرها أغلى من أن تفنيه مع شريك أفضل من “ظل جدار” من أجل الإجابة على سؤال “هنفرح بيكي امتى؟”.
فتيات أخريات لم يستسلمن للحزن والاكتئاب ورددن بجرأة على هذا السؤال “والله أنا سعيدة بنفسي.. لو أنت لست سعيدة فهذه مشكلتك”، وقام بعضهن بتدشين حملات على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنهن من سخرن من السؤال بطريقة “الكوميكس” الشهيرة.
استاءت ريهام عاطف (مصممة أزياء) من الجملة التي توجهها دائما ألسنة جميع العجائز للفتيات، ظنا منهن أنها تحمل مجاملة أو نصيحة مستترة، وأحيانا ما تشعر الفتاة بالضيق لتدخل أصدقاء والدتها أو أقاربها في حياتها الشخصية، وترى في قولهن تلميحا بأنها كبرت في السن، ويتحول هذا مع مرور الوقت إلى ضغط نفسي وعزلة مجتمعية.
ووضعت الفتاة العشرينية صورة ذات معنى خاص على صفحتها على فيسبوك، لفتاة تجلس على مقعد حاملة بيد لفافة ورد وترتدي ملابس قديمة وحذاء بدائيا تجسيدا لأفكار ومعتقدات من يسألونها والتي تحصر الفتاة في الزواج، وعلى المقعد الموجود بجانبها ملابس لرجل؛ قميص وسروال، في محاكاة ساخرة لزوج مسكت بيده.
ولم تعد مقولات عجائز الفكر تزعج ريهام، فهي وكثيرات قررن المجابهة والرد بحدة على أي أسئلة تنتهك خصوصياتهن، فلن يصبحن ككائن البطريق؛ أكبر إنجاز له أن يعيش في سلام وأمان ويكمل دورة حياته فقط للحفاظ على نوعه من الانقراض، لاقتناعهن أن الفرحة والسعادة غير مشروطتين بالزواج فقط.