سلمى جمال - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

أظهرت ملفات لقضايا طلاق متداولة في ساحات محاكم الأسرة في مصر أن دوائر هذه المحاكم مزدحمة بدعاوى ترفعها السيدات ضد أزواجهن بسبب استحالة العشرة معهم بعد ثبوت الخيانة الزوجية، والدليل الذي قدمته الزوجات في هذه القضايا، وطلبن فيها الطلاق للضرر، كان تسجيلات لمكالمات هاتفية طويلة بين الأزواج وسيدات أخريات كشفت عن أشياء مخجلة ومشينة يصعب معها استمرار الحياة الزوجية.
تقرير مباحث الاتصالات في مصر وإحصائيات محكمة الأسرة يكشفان عن خطورة ثرثرة الرجال، وما قد تؤدي إليه من مشاكل قد تصل إلى المحاكم أو تسبب لصاحبها متاعب قانونية، ووفقا لتجارب متعددة فإن الرجل الثرثار عادة ما تنصب معظم اهتماماته على الأمور السطحية، وتكون المشاكل أو الموضوعات التي يتحدث حولها أو يتعمد إثارتها في مجال الحديث مع أصدقائه أو معارفه وزملائه بالعمل، هي فقط ما تتعلق بمشاكله الشخصية، والمفارقة أن الرجل الثرثار غالبا ما يكون غير لبق في الحديث، بل إن مثل هذا الرجل بالرغم من أنه يتحدث دون توقف إلا أنه نادرا ما يجد من يسمعه باهتمام بل يسوقه الحظ ليكون في مرمى حديثه.
فالرجل الثرثار لا يدخل في الموضوعات التي يرغب في الحديث عنها مباشرة، بل يعشق المقدمات التي قد لا تكون مرتبطة بالموضوع الأصلي، كما يلجأ أحيانا إلى تغيير نبرة صوته ويغير تعبيرات وجهه ليلفت نظر المستمعين له أو يدفعهم إلى الاهتمام بما يقول، ولا يصمت أبدا أو يتوقف عن الحديث إلا إذا قاطعه أحد الذين يتحدث لهم بشكل حاسم، ليصمت لوهلة، لكنه في نفس الوقت يظل ينتظر اللحظة التي تحين له مجددا ليقتنص بداية الحديث مجددا، لكن مع ذلك فإن الرجل الثرثار يشعر دائما بأنه مثير وجذاب للآخرين، وأن كل من حوله يتطلع إلى الاستماع له والاستفادة من خبراته في الحياة التي لا تماثلها خبرات أخرى، بل قد يشعر أحيانا أن الآخرين يغارون منه بسبب قدرته على الحديث دون توقف.
وتوصلت دراسة بريطانية إلى أن الرجال أكثر ثرثرة من النساء، حيث قال خمس الرجال من الذين شملتهم الدراسة أنهم يقضون ثلاث ساعات على الأقل في الثرثرة كل يوم خلال أوقات العمل، وكشفت الدراسة أن واحدا من كل عشرة رجال يحب أن ينبش في ماضي الآخرين مقارنة بـ4 بالمئة من النساء، كما بينت أن الرجال متورطون ومذنبون أكثر في نشر الشائعات.
وأظهرت الدراسة أن 55 بالمئة من الرجال قالوا إنهم يثرثرون خلال فترة العمل، مقارنة بـ46 بالمئة من النساء. ويتصدر موضوع المشاكل العائلية قائمة الثرثرة بالنسبة للنساء، ويتبعه موضوع أخبار أصدقاء المدرسة، والموضة، والأزياء، وأخبار الجيران، أما قائمة ثرثرة الرجال فيتصدرها أصدقاء المدرسة، ومن ثم أكثر امرأة جميلة في العمل، والترقيات، والرواتب، وأخيرا انتصارهم على أعز الأصدقاء.
هذا وكشفت دراسة أنجزت في جامعة ستانفورد أن الرجال الذين يقاطعون الحديث ويتكلمون غالبا ما يفوزون بقلوب النساء.
وبعد تحليل أكثر من ألف محادثة أجريت ضمن تجربة للمواعدة السريعة بين مشاركين شباب، واستطلاعات تلت التجربة، وجد الباحثون أن النساء كن على الأرجح أكثر ميلا للرجال الذين تحدثوا أكثر أو تناقشوا معهن بطريقة إيجابية. وقال الباحثون إن النساء كن أكثر ميلا بشكل خاص للرجال الذين قاطعوهن لإبداء رأي أو تعليق أو تشجيع أو إذا أكملوا بعض الجمل التي كن على وشك قولها.
والمفارقة أن الرجال الذين يتصفون بصفة الثرثرة هم من الأشخاص الذين لا تتطلب مهنتهم الكلام، بينما يحتفظ الرجال الذين تقوم وظيفتهم على الكلام بطاقتهم في الحديث لوظائفهم فقط.
نادر عمر (35 سنة)، محام، وبطبيعة مهنته فإن عمله يقوم على الكلام والإقناع في ساحة المحاكم، يقول إنه يستثمر فترة وجوده في منزله ليقوم بما يصفه بشحن بطارية الكلام حتى يكون في كامل طاقته داخل قاعة المحكمة، وعملية الشحن، حسب تعبيره، تحتاج إلى تركيز وهدوء ولا تتطلب إفراطا في بذل ما يصفه بطاقة كلامية دون ضرورة أو داع، ويقول إنه يجد نفسه مضطرا إلى أن يتحدث داخل قاعة المحكمة لمدة قد تستمر خمس ساعات متتالية لإقناع هيئة المحكمة بطلبه وأهمية الحصول عليه والنتائج المترتبة عليه، ولكن في نفس الوقت فهو لا يحتاج أكثر من نصف دقيقة للحديث مع زوجته لتفهم ما يريده منها، وعلى أقصى تقدير يحتاج إلى عشر دقائق ليقنعها بتصرف معين أو تقنعه هي بعكس ما يريد.
ومن جانبه يرى الدكتور عبدالفتاح إسماعيل، استشاري الطب النفسي، أن الشخص الثرثار هو شخص من اثنين؛ شخص شب في كنف أم ثرثارة كثيرة الكلام ارتبط بها عاطفيا واكتسب منها دون أن يدري هذه العادة، أو هو شخص كان في طفولته منطويا خجولا ليس له أصدقاء، هذا الشخص من الممكن أن تنفجر بداخله طاقة الكلام إذا أحب أو تزوج، في هذه الحالة يقدم لزوجته كل ما اختزنه من كلام طوال سنوات الطفولة والصبا.
كما أشار إلى أن ثرثرة الرجل لا يمكن اعتبارها حالة مرضية، فالثرثرة في معظم الحالات مجرد سلوك مكتسب يمكن تهذيبه عبر تفاصيل الحياة اليومية خاصة إذا كانت مشتركة مع من أحبها، مؤكدا أنه يجب أن يُراعى دائما في التعامل معه كونه شخصا ضعيف الشخصية نوعا ما، ولديه رغبة في القضاء على هذه الصفة لديه لكنه لا يجد وسيلة غير الثرثرة.
ومن ناحيته يقول الدكتور هاشم بحري، أستاذ الطب النفسي، إن الشخص كثير الكلام لا يستطيع أن يحقق أهدافه عن طريق الثرثرة، بل إن الثرثرة غالبا ما تدفع الرجل الثرثار إلى الوقوع في أخطاء تجعله عاجزا عن الإقناع أو الوصول إلى أهدافه، بل تجعل من المستمعين له يعبرون عن ضيقهم من الحديث ويتهربون من لقائه أو الجلوس معه مجددا.