رابعة الختام - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

تشير إحصائية حديثة صادرة عن مكاتب تسوية المنازعات التابعة لمحاكم الأسرة بمصر (جهة حكومية)، إلى وجود نحو 3 آلاف دعوى كيدية رصدتها المكاتب بين مطلقين بغرض الإضرار بالطرف الآخر، بينما رصدت ذات الجهة 11 ألف دعوى أخرى للتنصل من أحكام نفقة المطلقة أو نفقة الأبناء.
ومن الدعاوى المثيرة للجدل، دعوى مطلقة بالنفقة على زوجها لأنه لا يرتدي ثيابا لائقة، ودعوى مطلق برمي الزوجة بالزنا وتعدد العلاقات دون دليل واحد، وهناك من يدعي ظهور علامة الذكورة على زوجته وطالب بإخضاعها للكشف الطبي، إلى جانب الدعاوى التقليدية الخاصة بإنكار نسب الأبناء إلى أبيهم، وتزوير بيانات دخل الزوج بغرض التنكيل بحقوق الزوجة.
ومن أغرب الدعاوى، قيام مطلقة، في سابقة تعد الأولى من نوعها، برفع دعوى أمام محكمة الأسرة تطالب فيها بإلزام مطلقها بدفع نفقة قص شعر صغيرها البالغ من العمر 11 عاما، وضرورة أن تتقاضى، بأثر رجعي، كل ما أنفقته على قص الشعر، منذ بداية فترة الطلاق وحتى صدور الحكم باحتساب القيمة الكلية مضافا إليها الارتفاع المتكرر في الأسعار.
وأثارت الدعوى القضائية للأم (م. هـ) أمام محكمة الأسرة ضد طليقها (محمد.ع) ووالد طفلها نوعا من السخرية في أروقة إحدى المحاكم، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، واعتبرها البعض حقا أصيلا للطفل ويجب على الأب الالتزام به، والحكم للطفل بنفقة خاصة بقص شعره يضع مبادئ قانونية جديدة من شأنها الحفاظ على حقوق الأطفال والمطلقات ضد تعسف الرجل.
وواجه آخرون القضية من خلال تعليقاتهم على فيسبوك بالسخرية والاستهزاء، واعتبروها قضايا كيدية ضد المطلق بغرض إرهاقه ماديا من خلال التلاعب بالقانون وحقوق الطفل، لأن النفقة على الصغير تُحدد قيمتها بحكم محكمة وبما يضمن الحفاظ على حق الطفل في العلاج والمأكل والملبس والنظافة والترويح عن النفس وغيرها من تكاليف المعيشة الكريمة ووفق الظروف المادية للأب.
وأكد المحامي عبدالحميد رحيم أن دعوته القضائية رقم 3099 لسنة 2017 أثارت موجة من السخرية والصخب من قبل محكمة الأسرة برئاسة المستشار شريف عبدالواحد، وكانت الدعوى رقم 46 في سلسلة الدعاوى التي يرفعها لنفس الموكلة على طليقها، وسبقتها 45 دعوى مختلفة، بينها دعوى تلزم الزوج بدفع تكلفة “فرش وغطاء”، “تأثيث مسكن”، “نفقة”، “حضانة”، “أجر خادمة”، “اشتراك سنوي للنادي”، “شراء لعب أطفال”، و”كسوة شتاء”.
وأوضح رحيم أن القانون المصري يعطي للأم المطلقة الحق في استرداد قيمة كل ما تنفقه على الأبناء من الأب خلال فترة الحضانة، نافيا أن تكون قضيته استنزاف الأب ماديا لأنه ميسور الحال ولديه ثروة كبيرة، قائلا “إلزام القانون للأب بالنفقة على كل ما يتعلق بحياة صغاره، والدعوى لا تخالف التقاليد والأعراف والشرائع السماوية”.
ونفى أن تكون الدعوى القضائية لتحقيق أهداف دعائية لكنها حق أصيل للطفل تجاه والده بأن يتولى الإنفاق عليه، متوقعا أن تحكم المحكمة لصالحه في جميع الدعاوى ضد الأب لتوافقها مع مبادئ قانونية ثابتة.
ويستغل الكثير من المحامين ثغرات قانونية لتحريك دعاوى كيدية، بغرض الإرهاق النفسي والاستنزاف المادي للطرف الآخر، ودخول معارك تكون الغلبة فيها ليست لصاحب الحق بقدر ما هي لمن يستطيع تقديم المزيد من الأدلة القانونية والأوراق الثبوتية الداعمة لموقفه.
ويتمنى رحيم أن تكون الدعوة بالنفقة على قص شعر الصغير بمثابة رسالة للمشرّع لتعديل قانون الأحوال الشخصية بهدف الحفاظ على حقوق الأطفال والنساء، وأن تكون هناك ضوابط للنفقة تمنع الأب من إرهاق المطلقة في المحاكم واستهلاكها في حلقة مفرغة لا طائل منها.
ومن أغرب الدعاوى التي ينوي رحيم رفعها في الفترة المقبلة، عن طفل شديد التعلق بقطته الصغيرة، ويخشى عليه من الأذى النفسي وتراجع مستواه الدراسي في حال فقدانها، وفي ظل الظروف المادية الصعبة للأم وحاجتها للإنفاق على أبنائها الثلاثة (بنتان وولد)، ينوي رفع قضية على الأب لحثه على توفير مبلغ مالي لإطعام وعلاج قطته الصغيرة.
وأشار المستشار القانوني طارق زلط، إلى أن القانون مجحف للمرأة أحيانا ولا يعطيها حقها، مع ضعف عقوبة الهروب من النفقة أو التحايل عليها والتي لا تتعدى الغرامات المالية أو الحبس مدة 24 ساعة، ولا تتجاوز سنة بنص المادة (309).
كما يلجأ بعض المطلقين إلى انتهاك حقوق المطلقات واتهامهن في عرضهن وشرفهن لإجبارهن على التنازل عن حقوقهن بغية الحفاظ على أسمائهن وسمعتهن والهروب من التشهير بهن، فضلا عن الثغرات والطرق الملتوية التي يسلكها بعض المحامين.
وعانت مروة مختار، مطلقة ثلاثينية وكانت تعمل ممرضة بأحد المستشفيات، معاناة قاسية في فترة ما بين اكتشافها خيانة زوجها لها والفوز بحكم خلع منه.
وقالت، إنها طالبته بالطلاق في هدوء، لكنها فوجئت بتعنّت شديد، وسافر إلى الخارج وتركها في موقف قانوني شديد الضبابية، وكانت أنجبت منه طفلة تخشى عليها من مصير مجهول، وخاضت تجربة قضايا الطلاق ورفعت أكثر من قضية لعدة أسباب، منها الطلاق للضرر، عدم الإنفاق، والسفر للخارج لمدة تتجاوز الفترة الشرعية المسموح بها دون جدوى.
وفوجئت بأن الزوج رفع عليها قضية زنا واتهمها بالزواج العرفي والجمع بين أكثر من زوج، والغريب أنه أحضر عقد زواج عرفي وشهود زور لتجد نفسها في السجن بعدة تهم، فقدت على إثرها عملها نتيجة سوء السمعة الذي أثبته الزوج بموجب حكم قضائي، وساومها بين العودة للحياة الزوجية والتنازل عن القضايا وبين السجن وضم الطفلة لحضانته.
واضطرت إلى مواصلة حياتها الزوجية مرة أخرى معه، إلا أنه لم يتغير وعاد أسوأ من ذي قبل، ولم تجد أمامها غير دعوى الخلع والتنازل عن كافة حقوقها المادية.
ورفض أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر في تصريحات، هذا النوع من الدعاوى الكيدية، معتبرا أنها ضرر محرّم شرعا وتدخل في باب ألد الخصام، والزواج هو الرباط المقدس بأمر الله تعالى ويوجب على الطرفين حقوقا وواجبات تجاه بعضهما لا يمكن التنصل منها، وأهمها اعتراف الزوج بأبنائه “الولد للفراش”، والإنفاق على زوجته وأبنائه وعدم الطعن في شرف زوجته بنصوص القرآن الصريحة.
وقال خبراء في علم الاجتماع إن هذه النوعية من النماذج تؤدي إلى زيادة الضغوط الواقعة على الأم، ما يؤدي إلى بيئة مشوّهة تنجم عنها أمراض اجتماعية متعددة، وبعد أن تفقد الأسرة تماسكها الظاهر من الطبيعي أن تترتب على ذلك مشكلات نفسية تنتقل إلى الأطفال.