" وكالة أخبار المرأة "

هل يراجع الآباء والأمهات اليوم أنفسهم في أسلوب تربيتهم لأبنائهم؟ هل يُصغون ويستفيدون من نصائح التربويين وعلماء النفس في هذا الشأن؟
هناك أسلوب في التربية يقوم على الإفراط في التسامح، والإسراف في بذل العواطف وتلبية الرغبات، وهذا يؤدي إلى تكوين شخصيات ضعيفة مدللة، وغير مسؤولة.
وهناك ما هو أسوأ من ذلك، وهو ترك الحبل على غاربه، وعدم وضع أية حدود للطفل، فينشأ الطفل كوحش بربري صغير، يفجّر غضبه ووقاحته في العالم من حوله. وبالطبع يتحمل الآباء وحدهم كامل المسؤولية واللوم في كلتا الحالتين.
"آباء الهليكوبتر" هم الآباء الذين يفرضون مشاركة لصيقة ورقابة دقيقة على أبنائهم، يتواجدون بشكل زائد مادياً، ويغيبون نفسياً. وقد أُطلق على آباء الهليكوبتر هذا الاسم لأنهم يشبهون طائرات الهليكوبتر التي تحوم فوق الرؤوس. ولم يعد هذا المصطلح مجرد مفهوم لأحد أساليب التربية، وإنما صار ذكره لا يأتي إلا بغرض التهكم والسخرية، حتى أصبح يعني إهانة بالنسبة للكثيرين.
وأصبح أي شخص اليوم يقدم دعماً قوياً ورعاية دقيقة لأبنائه، متهماً بأنه مصاب بجنون القلق والخوف الزائد على الأبناء، والعجز عن منح الأطفال فرصتهم في التطور والنمو بشكل طبيعي. تماماً مثل طائرات المراقبة التي تراقب الأبناء من أعلى، أو مثل طائرة بدون طيار، تتتبّع الأطفال في كل حركاتهم وسكناتهم.
هل كان الآباء في السابق أكثر شدة وحزماً مع أبنائهم؟
إذا قرأنا أي مقال، أو مشاركة أو تعليق على وسائل التواصل الاجتماعي عن هذا الموضوع، فربما نظن أن ظاهرة آباء الهليكوبتر ظاهرة جديدة، ناجمة عن أحد الأمراض النفسية التي ابتلينا بها في القرن الـ21.
وإذا اعتبرنا أن "آباء الهليكوبتر" إهانة في العصر الحديث، فمن الممكن للمرء أن يتنبأ بأن البشرية قد أوشكت على الفناء، إذا أخذنا في الاعتبار أن هؤلاء الأطفال سوف يتحكمون بعد سنوات قليلة في هذا العالم، لأن الآباء في العصر الحديث يريدون تربية الأطفال على طبيعتهم تماماً، بكل ما في هذه الطبيعة من قسوة، وعناد، واستقلال بالرأي.
إلا أن "آباء الهليكوبتر" ليست ظاهرة جديدة على الإطلاق. وقد ثبت هذا في مقال نُشر في عام 1966.
المقال بعنوان The Parents’ Share أو "دور الآباء"، كتبه عالم النفس الراحل هوغو بيجل، وهو عالم نمساوي هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية.
نعم كان يوجد في الستينات أطفال "مدللون" وآباء "مهووسون برعايتهم وحمايتهم"
ويتناول مقال "دور الآباء" ارتفاع عدد حالات الحمل بين المراهقات في الستينات، ويتناول دور الآباء في علاج هذا الأمر.
ولم تكن وسائل منع الحمل معروفة لدى معظم قطاعات المجتمع في ذلك الوقت، وكان العديد من الآباء يخجلون من التحدث مع أبنائهم.
الشيء المثير للاهتمام، هو أن بيجيل وصف المراهقين والأطفال في هذا المقال بـ"المدللين والمنعّمين"، إذ نادراً ما يتم ضربهم على أي شيء، بحسب ملاحظته، ولا يواجهون أي عقاب مهما ساء سلوكهم.
ويقول في هذا المقال "تخشى قطاعات كبيرة من الطبقة فوق المتوسطة، من أن أطفالهم لن يحبوهم إذا حرموهم من أي شيء، وهم بذلك لا يفشلون فقط في تربيتهم على تحمل المسؤولية والمراقبة الذاتية، وإنما يُفسدون كذلك القيم التي يحصل عليها أطفالهم في المدارس".
يُثبت الطبيب النفسي انتقاداته في أحد الأمثلة فيقول "الآباء لا يجرؤون مثلاً على منع أطفالهم من مشاهدة التلفاز، وتوجيههم للقيام بواجباتهم المدرسية، وبدلاً من ذلك، يكتبون اعتذاراً للمعلم في صباح اليوم التالي، بأن أطفالهم لم يتمكنوا من كتابة الواجب".
الأبوة والأمومة تعني شيئاً أكبر من مجرد المحافظة على سعادة الطفل دائماً
بالإضافة إلى ذلك، ينتقد بيجيل، تلك "المفاوضات" التي يقوم بها الآباء مع المعلمين لمنح أبنائهم درجات أفضل حتى يتمكنوا من الالتحاق بالجامعات.
في هذا المقال الذي نقلت مجلة Quartz فقرات كاملة منه، يُعرب الطبيب النفسي عن قلقه، من أن العواقب قد تزداد سوءاً، إذا كان الآباء لا يُدركون شيئاً مهماً؛ وهو أن الأبوة والأمومة لا تعني مجرد ضمان لسعادة الطفل.
هل تعنينا هذه النصائح أيضاً في العصر الحديث؟ بالطبع نعم
حتى لو لم يكن مصطلح "آباء الهليكوبتر" موجوداً في ذلك الوقت، فإن انتقاد أساليب التربية القائمة على التدليل واللين المفرط مع الأبناء، خاصة أطفال الطبقة المتوسطة، هو ما يعنينا كذلك في هذه الأيام.
الالتباس والحيرة في هذا الأمر، له في الحقيقة ما يبرره، حتى تكتمل شخصية الأطفال على نحو صحيح، يجب أن يمنحهم الأبوان قليلاً من الثقة، وأن يعلموهم المبادئ والقواعد التي يمكنهم التعامل والتصرف من خلالها. وهذا هو ما يتفق عليه خبراء التربية منذ زمن.
ظاهرة آباء الهليكوبتر ليست مشكلة عصرنا
ومع ذلك فإن مقال بيجيل يعترف بحقيقة هامة جداً ومطمئنة؛ وهي أن إفراط بعض الآباء في المراقبة والالتصاق بأطفالهم ليست مشكلة خاصة بعصرنا، وليست بالضرورة نتاجاً لوسائل التعليم والتقنيات الحديثة، ولكنها دائماً، كانت وما زالت موجودة.
وبالتالي فإنه لا معنى الآن لإلقاء اللوم على بعض الآباء، ووصفهم على سبيل السخرية بـ"آباء الهليكوبتر"، إذا كانوا لا يزيدون على أن يمنحوا أطفالهم فرصة للتعبير عن أنفسهم، وبعض الصبر والتفاهم في التعامل معهم.