وليد بن خليفة - الجزائر - " وكالة أخبار المرأة "

في ظرف وجيز أصبحت الأستاذة زهية بن قارة أشهر امرأة تفوز في انتخاباتٍ بلدية بالجزائر؛ بسبب الجدل الذي أثاره انتخابها على رأس بلدية الشيقارة (شرق الجزائر)، خاصةً أن حسمها المعركة الانتخابية لصالحها بالنظر إلى كونها امرأة يعد سابقة في منطقتها المحافِظة التي لم تعهد تولي امرأة مناصب إدارية بارزة من قبيل رئيس بلدية.
وأمام تضارب الآراء عبر مختلف المنابر حول هذه القضية، احتدم النقاش بمواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض، فتباينت الرؤى الفكرية واختلفت وجهات النظر، ما جعل الحقيقة تختفي خلف الجدران التي يبنيها الأنا عند مواجهته للآخر المختلف؛ الأمر الذي يؤدي إلى تشكيل صورة مشوِّهة للآخر في فكر الأنا، هي في واقع الأمر لا تمثل هذا الآخر بقدر ما تمثل تعنّت الأنا، الذي سرعان ما يظهر من خلال أحكامه الجاهزة على الآخر دون أن يحمّل نفسه حتى عناء معرفته.
وبهذا ذهبنا نتحرى عن الحقيقة قبل أن يغرب مداها؛ "فالحقيقة في أعماق بئر: تنظر في بئر فترى الشمس أو القمر، لكنك إذا ألقيت نفسك فيها، فإنك لن تجد الشمس ولا القمر، هناك الحقيقة فحسب"، ليوناردو شاشا (كاتب إيطالي). وضمن هذا المسعى، التقينا الأستاذة زهية بن قارة سعياً لقراءة أبجدية فكرها بعيداً عن الأحكام المسبقة والآراء المتعنتة.
لا تتردد الأستاذة زهية بن قارة في وصف طفولتها بالممتعة على الرغم من أنها كانت قاسية؛ بسبب شظف العيش وما تفرضه عليها ظروف الحياة في بيئةٍ ريفية تمارس نوعاً من السلطتين المادية والفكرية على الإنسان أو المرأة تحديداً، غير أن هذه البيئة البسيطة التي احتضنت الأستاذة أسهمت بشكل محوري في تشكيل شخصيتها الحالية، خاصةً من خلال ما دفعتها بيئتها البسيطة إلى ممارسته من رعي للأغنام والزراعة، تقول مبتسمةً: "على الرغم من الظروف القاسية التي كنا نمرُ بها، كانت الحياة تبدو أجمل؛ لوجود روح التعاون بين الناس".
ولعل تلك الروح الإنسانية الفطرية، المرتبطة بسكان القرى عموماً، مما كان يخفف من وطأة تصلب الذهنياتِ أمام واقع لا ينفكُّ في تقديم صورة نمطية عن المرأة الريفية؛ لذلك تؤكد الأستاذة أنه ليس من المبالَغ فيه وصفها بـ"الثائرة"، فلطالما كانت رافضةً لكثير من التقاليد الريفية النمطية والعقول المتحجرة، التي سعت على الدوام إلى كبح عجلة تطورها الفكري وإقبالها على التحصيل العلمي، "لقد سعيت إلى رفض العادات البالية والأفكار النمطية الجاهزة في قريتي، فكسرت كل التابوهات بالنسبة للآخرين حتى بمجرد إصراري على إكمال تعليمي؛ لقد كنت أول امرأة تحصل على شهادة البكالوريا في قريتي".
ومنذ البدايات الأولى إذن، كان التحدي الذي هو وليد ثنائية القساوة والإصرار -حسب الأستاذة- سبيلاً لملء مساحات الفراغ في هذا العالم بفواصل من نجاح وإنجاز، تقول الأستاذة متدبرةً: "لقد كان التحدي يجمع دوماً شتات خيبات واقعي، فدفعني للإصرار على المضي قدماً، وقد ساعدني في ذلك أيضاً والداي، خاصة في تجاوز السلطة الذكورية التي سعت لمنعي من مواصلة تعليمي في مرحلة الثانوية. لقد كان إكمالي الدراسة في الثانوية عقبة صعبة، واجهتها أولاً بالبكاء، لكني على الرغم من ذلك أصررت على متابعة دراستي والتحصيل العلمي".
في مجتمع تتربص به المصاعب من كل جانبٍ، سعت الأستاذة زهية بن قارة إلى تكوين عالمها الخاص بين دفتي كتابٍ في قلب الطبيعة الجميلة بقريتها، فكانت تُقْبل على قراءة ما وقع بين يديها من كتب قليلة؛ نظراً إلى صعوبة الحصول عليها في بيئتها المنغلقة، لكن "الانفتاح الفكري" -كما تصفه- بدأ ضمن مرحلة الثانوية والجامعة، حيث أصبح بإمكانها استعارة كتبٍ متنوعة من المكتبة والإقبال على قراءتها بنهم.
وهو الأمر الذي أدى بها إلى نوع من الانعزال طلباً لتحصيل العلم واكتشاف آفاق فكرية جديدة لم تطأها بعد؛ "لقد كانت مكتبة الثانوية بمثابة فتح لي؛ لأني كنت شغوفة جداً بالقراءة، لكني لا أجد الكتب المتنوعة؛ لذلك هممت بقراءة الكتب خلال هذه المرحلة أروي عطشي إياها". إن هذه العلاقة الودية مع الكتاب عمّقت من مساحات التواصل بين الذات عند الأستاذة، ما جعلها تبني رؤاها الفكرية وتدافع عن قناعاتها المؤسسة؛ رفضاً للنمطية السائدة التي لا تكلّ من تعميق مشاكلها مع المثقف.
وربما هذا ما ساهم بشكل كبير في تكوين شخصيتها المتسامحة كإنسانة أولاً وكسياسية ثانياً فهي لا تنظر للآخر المختلف فكرياً وسياسياً على أنه مصدر تهديد أو إزعاج، إنها تنفتح عليه باسطة جسور التواصل معه وباحثة عن المشترك أكثر من المفترق، تقول في هذا الصدد: "من المستحيل ألا توجد نقطة التقاء بين البشر، لذلك فمهمتي دوماً هي البحث عنها" . من هذا المنظور، لا تُبدي الأستاذة أي حقدٍ للانتقادات العنيفة التي طالتها؛ بل تُحاول تحليل الأسباب التي دفعت الآخرين إلى تقديم الأحكام جزافاً دون معرفةٍ -ولو بسيطة- بجزء من الحقيقة.
وفي هذا السياق، تؤكد الأستاذة أن إقدامها على قرار الترشح كرئيسة بلدية كان نابعاً من بحثٍ حثيث عن الأصول الفكرية والمعرفية لتولي المرأة مناصب مماثلة، مضيفةً: "الانتقادات التي طالتني لم تحدث مع نسوة أخريات نلن مناصب مهمة، قد يكون ذلك أساساً بسبب الخلفية التي أنتمي إليها، والأمر في الواقع مثّل لي عقبةً واجهتها بالتحدي عن طريق البحث عن الحقيقة قبل أن أتخذ قراري".
غير أن الأستاذة تعود إلى أصول المشكلة، معلنةً: "من ناحية أخرى، لا أستبعد أن الانتقادات كانت نابعة من سلطة ذكورية متوغلة في المجتمع ترفض، بشكل أو بآخر، أن تُثبت المرأة كفاءتها في هذا المجتمع".
إن المفارقة المدهشة في قضية تولي الأستاذة زهية بن قارة منصب رئيس بلدية، تتمثل في حقيقة انتخابها من طرف سكان قرية ريفية هم عادةً أشد الناس حرصاً على إقرار هذه السلطة الذكورية، ما يدفعنا للتساؤل: كيف لهم أن يتجاوزوا هذه العقبة ويقوموا باختيار الأستاذة على رأس البلدية؟
هذا الأمر أثار لدينا كثيراً من الفضول لتقصي شخصية هذه الأستاذة التي انطلقت من بيئة ريفية محضة، كانت يوماً ترفض دخولها للثانوية، لتصبح اليوم على رأس بلديتها؛ تعلق الأستاذة وملامح الصمود ومسحة من الطيبة تعتلي وجهها: "ذلك يعود إلى أن سكان البلدية وحدهم من يدركون حقيقتي كامرأة أولاً وكمواطنة صالحة وخدومة ومقدامة في هذا المجتمع ثانياً، وهذا ما جعلهم أساساً يكسرون تلك الصورة النمطية التي كان المنتقدون مأخوذين بها دون أن يعرفوا حقيقتي".
من هذا المنظور، تعتبر الأستاذة أن طبيعة الأحكام الجاهزة التي نصدرها في حق الآخرين ناتجة بالأساس عن سوء فهم؛ لذلك تؤكد: "الآخرون حكموا عليّ دون معرفتي، إنهم لم يتعاملوا مع صورتي الحقيقية؛ بل صورتي المشوهة".
إن جملة الانتقادات الناتجة عن جهل الآخر، المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي، تدفعنا للتساؤل عن الدور الذي تقوم به هذه المواقع في تكريس اللاتفاهم، وتقديم صورة سلبية عن الآخر، تقول الأستاذة ضمن هذا الصدد: "لقد عمقت مواقع التواصل الاجتماعي من مشكلة تشويه صورة الآخر في المجتمع، وقد تعرضتُ لانتقادات شخصية كثيرة، ولو كان لي الرد لاكتفيت بالقول: هداكم الله. وكل تلك الانتقادات هي في واقع الأمر ناتجة عن نظرة خاطئة لي وسوء تقدير لخلفيتي الفكرية والعلمية".
إن هذه الخطوة المهمة التي خطتها الأستاذة زهية بن قارة في مجتمعها الريفي البسيط، تعد بادرة لانفتاح فكري وثقافي واعدٍ، فهي الآن أصبحت تمثل صورة المرأة العربية المعاصرة التي تبني المجتمع، وتكون منتجةً فيه في جميع الميادين مهما كانت خلفيتها ومرجعيتها، تعلق الأستاذة: "الصورة التي أقدمها للمرأة العربية المعاصرة هي نموذج المرأة المتخلقة المثقفة المِقدامة أولاً، وصاحبة الإرادة والطموحة ثانياً".
وضمن هذا الإطار تسعى الأستاذة، في جزء كبير من برنامجها التنموي ببلديتها، إلى رفع الغبن عن المرأة الريفية التي عانت الكثير: "المرأة الريفية هي من أولى أولوياتي؛ هل تتصور أن المرأة في الريف عندنا تُمارَس عليها القوامة في كل شيء، لكنها لا تُعطى حقوقها كاملة؟! المرأة تقوم بالزراعة، وتحضر الماء الشروب، تقوم بأعمال البيت المختلفة، قد تقوم بالبناء، هي في شقاء مستمر"، تضيف الأستاذة: "المرأة في الأرياف فعلاً تُعاني".
لقد واجهت الأستاذة نفسها صراعات كثيرة بسبب النظرة الخاطئة للمرأة الريفية؛ لذلك تقول: "لطالما كنت ثائرة على هذا الوضع، وبالمناسبة أنا أحمّل المرأة الريفية نفسها جزءاً من المسؤولية للوضع الذي آلت إليه"، ويعود سبب قبول المرأة ذلك الوضع المزري -حسب الأستاذة- إلى سلطة النمطية الفكرية في المجتمع، تقول: "إن ذلك ناتج عن تراكمات فكرية عبر السنوات، لما كنا في مرحلة الثورة كان الرجال مسؤولين عن الجهاد في الجبال بالسلاح في الغالب، أما المرأة الريفية غالباً فكانت وظيفتها تقتصر على تربية الأولاد، ورعاية شؤون البيت، هذه الصورة النمطية التي صُنعت خلال فترة الاستعمار، لضرورة ظرفية، استمرت حتى بعد الاستقلال، وبقيت المرأة تعِبة جداً في المجتمع الريفي".
غير أن الأستاذة تبدو متفائلة لمستقبل المرأة الريفية، مبرزةً أن "الحل يكون بالتوعية أولاً من خلال دورات تأهيل، وفي الحقيقة على الرجل أيضاً أن يمر بعدة دورات تأهيل أسري؛ ليحسن التعامل مع المرأة ويوفيها حقها كاملاً".
على دروب التحدي والإرادة تواصل الأستاذة زهية بن قارة رحلتها إلى مساحات السلام والأمان، إنها تسعى لزرع بذور القيم والمبادئ السمحة والعلم في مجتمعٍ تسوده الضبابية وسوء فهم الآخر، مركزة في ذلك على شخصيتها الإنسانية التي اكتسبتها عبر سنواتٍ من العيش في الريف، بالإضافة إلى تحصيلها العلمي ومختلف خبراتها وتجاربها الحياتية.