هادية العزقالي - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

في وطن كان أول شعلة لثورات الربيع العربي، يضع المخرج التونسي، علي اليحياوي، في مسرحيته التي عرضت أمس السبت 9 ديسمبر 2017 في إطار الدورة 19 لفعاليات أيام قرطاج المسرحية، يضع يده على مكمن داء شريحة من الشعب التونسي بعد الثورة، لينغمس في خبايا المجتمع وظواهره ويكشف عورات المدن "الكاذبة" التي تَعِدُ في ظاهرها بالرّفاه، ليخرج لنا حيّا شعبيا يسمّى "رايونو سيتي"، وهو اختزال لوجع الإنسانيّة المسحوقة التي ينتهشها الجوع ويتلقّفها الإدمان على "الكول فور" (الصمغ) والكحول، وعلى الضّياع والوهم و"الحرقة" والكفر بالوطن والإنتماء.

 
في هذا العالم الذي يجعل الإنسان عاريا أمام ذاته، تظهر لنا المرأة الشعبية، الفقيرة والمهمشة، التي يقع إستغلالها بشتى الطرق من قبل صاحب المال، فتتعرض إلى التحرش الجنسي تارة والابتزاز والحرمان من أبسط ضروريات الحياة، تارة أخرى. هذه الظروف القاسية تجبر "دليلة" زوجة "مهذب" المواطن الفقير الذي لا حول ولا قوة له، في مسرحية "رايونو سيتي" على خيانة زوجها ليكون مصيرها القتل بعد كشف سرها.
في هذا الحي الشعبي، الذي  تفوح منه رائحة الفقر والعوز والجوع الكافر والأمراض الجسديّة والاجتماعية والنفسيّة ويعشّش الحزن القاهر والإحساس بالقهر الخانق في كل زواياه، يجسد اليحياوي، على ركح صغير تنوعت فيه الفنون وتراوحت بين الشّعر والرّقص والرسم والموسيقى والسّيرك والسينما، عوالم وشخوصا وآلاما وهموما وانفعالات وخيانات وقتلا وحبا وجنسا وبهجة وانكسارات.
وحول دور المرأة في هذه المسرحية، يرى اليحياوي، أن المرأة كما الرجل تعيش وضعية اقتصادية واجتماعية مهمشة، فتتعرض بذلك إلى نفس الضغوط والانعكاسات الاقتصادية والنفسية التي تتعرض لها مختلف الأنماط الاجتماعية خاصة في الأحياء الشعبية.


وأوضح مخرج "رايونو سيتي" في تصريح خاص لـ"وكالة أخبار المرأة" أن "الحديث على تهميش المرأة واضطهادها واستغلالها ليس منحصرا فقط على الجانب الأخلاقي أو الثقافي، وإنما يشمل أيضا الجانب الإقتصادي والنفسي وتعود بالأساس للظروف الإجتماعية والتنموية التي تعيشها"، مقدما في ذلك مثال شخصية "دليلة" التي تنحدر من وسط اقتصادي فقير ومهمش والتي وقع ابتزازها جسديا ونفسيا، مما جعلها غير مبالية بمنظومة الأخلاق، كما هو الحال بالنسبة إلى زوجها "مهذب" الذي يقع اضطهاده.
ويرى اليحياوي، أن وجود المرأة في المسرح التونسي قوي وأن هناك العديد من الممثلات كان لهن دور كبير سواء في التمثيل أو الكتابة أو الإخراج، مشيرا إلى أن المرأة في الجنوب التونسي، خاصة في محافظة مدنين (بالجنوب الشرقي للبلاد التونسية) دورها كان محدودا وتجاربها المسرحية تعتبر حديثة.


وأكد محدث "وكالة أخبار المرأة"، أن المرأة في الجهات مازالت تكدح وتناضل من أجل افتكاك مكانتها الثقافية والاقتصادية، لافتا نظرنا إلى وجود أكثر من ممثلة في مسرحيته "رايونو سيتي" التي ينتجها مركز الفنون الدارمية والركحية بمدنين. واعتبر في ذات السياق، "حضور العنصر النسائي، خاصة ممثلات الجهات، في هذا العمل مهما جدا وخطوة إيجابية ليبرهن على أنهن متساويات مع نساء بقية المدن".
وفي رده على إمكانية التعمق أكثر في قضايا المرأة في أعماله القادمة، قال اليحياوي، أن "قضاياها ليست منفصلة عن قضايا الرجل وهي مثلها مثل الرجل ولا أسعى إطلاقا لوضع الحاجز الجنسي والفئوي، المرأة كائن بشري لها حقوق وواجبات"، مؤكدا على أنه في القضايا التي يتطرق لها في أعماله لا يريد الفصل بين الرجل والمرأة، وذلك إيمانا منه بالمساواة بين الجنسين.