" وكالة أخبار المرأة "

يتم طرح مشكلة رعاية الأطفال مرارا وتكرارا للمناقشة، ولا سيما وأن الاحصائيات تكشف عن تزايد في أعداد الأمهات العاملات بمقدار مليون أم عاملة الآن مقارنة بالعشرين سنة الماضية، بحسب المؤرخة ميلاني رينولدز.
قالت رينولدز “نعلم أن الأمهات يعطين الجزء الأكبر من أوقاتهن لرعاية أطفالهن في المنزل، ولكن عندما ظهرت الحاجة إلى العمل وبعدما يستنفدن فترة إجازة الأمومة، تلجأ الأمهات إلى الاستعانة بطرق أخرى، مثل دور الحضانة الحكومية أو الخاصة، أو بالأقارب”.
وأضافت “عادة، عندما تتم مناقشة مسألة رعاية الأطفال بشكل سياسي، ينصب الاهتمام في النقاش على التكلفة، والتي تتنافس بسببها الأحزاب السياسية لتخفيضها وجعلها في متناول الأيدي، وهذا من المفترض أن يزيد من شعبيتها بين أوساط الناخبات”.
وأشارت إلى أنه نادرا ما يتم التشكيك في فكرة أن كلا الوالدين يجب عليهما الذهاب إلى العمل وترك أطفالهما لدى أشخاص آخرين للعناية بهم. فالأمر متساو بالنسبة إلى السيدات والرجال على حدّ سواء.
ومع ذلك، فإن العديد من النساء، وبعض الرجال، ممن يتقاضون أجورا منخفضة، يخرجون للعمل على مضض معتقدين أن الانفصال عن أطفالهم الصغار لن يسير في اتجاه مصلحتهم. واليوم، كما حدث في القرن التاسع عشر، فإن السبب الرئيسي لخروج الكثير من الأمهات للعمل هو دعم الأسرة، وجرّاء الأجور المنخفضة التي يتقاضاها أزواجهم.
وأوضحت قائلة “مع ذلك، يخبرنا التاريخ أن هناك طرقا أخرى. فخلال الثورة الصناعية اعتنت الأمهات بأطفالهن مثلما كن يفعلن في أوقات ما قبل الثورة الصناعية. حيث كانت الأمهات يصطحبن أطفالهن معهن إلى أماكن عملهن. ومن خلال عملي كمؤرخة، اكتشفت مجموعة من القصص الحقيقية لسيدات كن يعملن في المصانع، ويصطحبن أطفالهن إلى مكان عملهن ويضعنهم جانبا في سلة”.
وتابعت رينولدز “بالمثل، حملت عاملات منجم الملح أطفالهن بصحبتهن، يرضعنهم، ثم يتركنهم ليناموا. وكذلك السيدات في محلات العناية بالأظافر، كن يأخذن أطفالهن ويستخدمن كرتونات البيض كأسرة للأطفال، في حين استخدمت صانعات الأزرار أحواض نشارة الخشب لنفس الغرض. وبالنسبة إلى العديد من السيدات العاملات في القرن التاسع عشر، كان اصطحابهن لأطفالهن في أماكن عملهن حقا قانونيا ومشروعا لهن”.
كما أشارت إلى أن كل ذلك لم يكن من مميزات الحياة العملية بعد اندلاع الثورة الصناعية، فقد ظلت بيئة العمل قاسية وخطيرة بالنسبة إلى الأطفال. وأصبح قانون إلغاء عمل الأطفال لصالح التعليم واحدا من مجموعة ضخمة من التدابير التي جعلت من أماكن العمل في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين أسهل وأكثر أمانا.
واستدركت قائلة “لكن لا يزال بوسعنا أن نتعلم الكثير من مثال العاملات اللواتي لم يكن أمامهن خيار سوى تعزيز وتشكيل أماكن عملهن بناء على احتياجات أمومتهن. فقد قمن بإنشاء مطابخ مؤقتة في أماكن عملهن، حيث كنّ بحاجة إلى تناول الطعام من أجل إنتاج ما يكفي من حليب الرضاعة، وقمن بتوظيف فتيات أخريات من أجل القيام بأعمال النظافة والسُّخرة”.
وأفادت أنه لسوء الحظ، تم حظر ممارسات رعاية الأطفال أثناء العمل بعد عام 1900 لصالح رفع أجور الذكور. وهذا يعني أن الرجال تحملوا مسؤولية توفير الدخل لأسرهم بشكل كامل، وهو خيار سياسي تضمّنه البرنامج الإصلاحي لديفيد لويد جورج في عام 1908 من خلال بند “التأمين ضد البطالة بين الذكور”.
وقالت مؤكدة “نعم لسوء الحظ، حيث يرجع ذلك جزئيا إلى أن الآمال التي بُنيت على رفع أجر الرجل ليعول أسرته لم تتحقق يوما. وأصبحت النتيجة أن الملايين من الأسر عاشت في فقر مدقع، والوضع لا يزال قائما إلى اليوم”، مشيرة إلى أنه إذا رغبت الأم في المساعدة لزيادة دخل أسرتها، فإنه يجب عليها أن تقسم أجرها مع أحد مقدمي خدمات رعاية الطفل.
وأضافت أن معاقبة النساء الفقيرات ليس بالأمر الجديد، وبموجب القانون القاسي الذي أُصدر في القرن التاسع عشر، تعيّن على الأمهات ترك أطفالهن لدى إحدى الممرضات عند دخولهن إلى مكان العمل. أما الأمهات العازبات فقد واجهن أزمة اقتصادية أجبرت الآلاف منهن على التخلي عن أبنائهن لصالح طالبي التبني. وحتى هذا اليوم، تعتمد كل من الأمهات العازبات والأمهات المتزوجات على إعانات الدولة لأنهن لا يستطعن أخذ أطفالهن إلى العمل.
كما بينت رينولدز أنه قبل عشر سنوات، أُنشئت مؤسسة “بيرانتينغ إن ذي وورك بليس” في الولايات المتحدة بهدف توفير الموارد اللازمة لأصحاب العمل، مما يسمح للوالدين الجديدين باصطحاب أطفالهما إلى مكان عملهما. وتتبع حوالي 200 مؤسسة الآن مثل هذه البرامج، التي استضافت حتى الآن حوالي 2000 طفل، وعادة ما يكون ذلك في الأشهر الستة الأولى من مولدهم. وعادة، يصبح الآباء في هذه الحالة قادرين على التفاعل مع أطفالهم في جميع الأوقات، في حين أن أماكن عملهم تخصص لهم غرفا لتغيير الحفاظات والإرضاع.
أما في بريطانيا فقد ظهرت عدم الحاجة إلى عمل مثل هذه الترتيبات بسبب إجازة الأمومة والأبوة، والتي تعطي الكثير من الوقت بالنسبة إلى العاملين للعناية بأطفالهم. لكن الكثيرين الآخرين لا يستطيعون الاستفادة الكاملة من استحقاقات إجازاتهم.
وفي الوقت نفسه، يجمع الآلاف من العاملين بالمنازل بين عملهم وأبوتهم أو أمومتهم. وفي الكثير من الشركات الصغيرة المملوكة للعائلة مثل المحلات التجارية، فإن تواجد الأطفال في جميع أرجاء المكان، يلعبون أو يساعدون، هو شيء بديهي. كما تقوم المربيات أيضا بالجمع بين تربية أطفالهن في نفس الوقت الذي يعتنين فيه بأطفال غيرهن.
وقالت رينولدز إن أنماط العمل هذه قد لا تعجب البعض من أصحاب العمل، ولا سيما في أماكن مثل المستشفيات أو مواقع البناء التي عادة لا تكون آمنة على الطفل حال تواجده فيها. ولكن فكرة اصطحاب الطفل إلى مكان العمل في حد ذاتها قد تكون واحدة من عدّة حلول من شأنها أن توفر المزيد من الخيارات للآباء والأمهات الذين يواجهون بعض القرارات الصعبة وانخفاضا في الدخل خلال السنة الأولى من حياة الطفل.
ويعتبر قبول ممارسة الرضاعة الطبیعیة في الأماكن العامة خطوة نحو إنشاء المزید من أماكن العمل التي تقبل باصطحاب الأطفال. ولدعم هذه الطريقة، يحتاج الوالدان إلى تلقي الدعم من خلال حملات التوعية، والنقابات وأعضاء البرلمان والجمعيات النسائية.