تونس ــ بسمة بركات - " وكالة أخبار المرأة "

كانت الساعة تشير إلى السادسة مساءً، عندما استقلّت سيرين وهي طالبة في الواحدة والعشرين من عمرها حافلة عموميّة من باب الخضراء متوجّهة إلى باردو وسط العاصمة التونسية حيث سكنها الجامعي. كانت الحافلة مكتظّة جداً، وإذ برجل خمسيني يلتصق بها. تخبر سيرين أنّها في البداية... "ظننتُ أنّ الازدحام هو السبب. لكنّني فهمتُ لاحقاً أنّ الشخص ورائي هو متحرّش جنسي. حاولتُ الابتعاد، لكنّني لم أفلح في الإفلات منه إذ كان الازدحام شديدا".
والتحرّش الجنسي في وسائل النقل العمومية في تونس، سواء الحافلات أو المترو أو القطار، أمر يتكرّر في حين أنّ كثيرات من الضحايا يخترنَ الصمت خوفاً من هؤلاء المتحرّشين.
وبحسب آخر دراسة في تونس حول العنف الموجّه ضد النساء، نشرت نتائجها في عام 2016، "تتعرّض 53.5 في المائة من النساء في تونس إلى أحد أنواع العنف إمّا النفسي أو الجنسي أو الجسدي في الفضاءات العامة". كذلك توصّلت دراسة أخرى أعدّها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة "كريديف" (مؤسسة عمومية تابعة لوزارة المرأة) بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى أنّ "75.4 في المائة من النساء في تونس يتعرّضنَ إلى عنف جنسي من قبيل التحرّش الجنسي والالتصاق بالجسد واللمس والمضايقات الكلامية".
في السياق، تقول أحلام بلحاج وهي عضو في الهيئة الإدارية للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، إنّ "المتحرّشين يستغلون أوضاع وسائل النقل وحالة الازدحام للتحرّش بالنساء"، مؤكدة أنّ "الحماية تتطلب تحسين خدمات وسائل النقل وتطبيق القانون". تضيف بلحاج أنّه "ينبغي فضح المتحرّشين لوضع حدّ لهذه الممارسات حتى لو كانت محدودة، ولا بدّ من تعديلات على القانون التونسي تتعلق بالإنصات إلى الضحايا في مراكز الأمن وتوفير ظروف الاستقبال الجيّدة لهنّ. لكنّه في الظروف الحالية التي ينقصها التخصص، فإنّه يصعب على النساء التقدّم بشكاوى ضد المتحرّشين في وسائل النقل العمومية".
وترى بلحاج أنّ "الشهود يلعبون دوراً مهما في فضح المتحرّشين، لأنّ ما تقوله الضحية يكون في مقابل قول المتحرّش، بالتالي يجب إثبات الفعل من خلال الشهود". وتشير إلى أنّ "بعض وسائل النقل ينقصها التأمين، وهي تشبه المناطق حيث يغيب القانون. ونبدأ بالأشخاص الذين لا يقطعون تذاكرهم، وصولاً إلى الذين يرتكبون جرائم داخل وسائل النقل من سرقة واعتداءات وتحرّش جنسي بالنساء وغيرها. بالتالي، باتت بعض الوسائل كأنّها مواقع لتجاوز القانون في حين أنّ النقل حقّ دستوري ويجب أن يجري في ظروف آمنة وسليمة".
وبهدف حماية النساء من ظاهرة التحرّش في وسائل النقل العمومي، انطلقت ولأوّل مرّة في تونس، حملة تحت شعار "المتحرّش ما يركبش معانا" (المتحرش لا يستقلّ الحافلة معنا). وحملة التوعية هذه التي تعنى بمكافحة التحرّش وضعت رقماً مجانياً في تصرّف النساء لتشجيعهنّ على فضح مثل تلك السلوكيات. وقد أطلق هذه الحملة مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة "كريديف"، بالتعاون مع شركة النقل وصندوق الأمم المتحدة للسكان والاتحاد الأوروبي. يُذكر أنّ وسائل نقل عمومية مختلفة، لا سيّما الحافلات، زوّدت بشعارات وصور للتنديد بالظاهرة وحثّ النساء على فضح مثل هذه التجاوزات.
وينصّ قانون مكافحة العنف ضد النساء الذي أقرّه البرلمان التونسي في يوليو/ تموز الماضي في فصله رقم 17، على معاقبة كلّ من يعمد إلى مضايقة امرأة في مكان عام بكلّ فعل أو قول أو إشارة من شأنها أن تنال من كرامتها أو اعتبارها أو تخدش حياءها وبغرامة مالية ما بين 500 وألف دينار تونسي (نحو 200 و400 دولار أميركي). لكنّ رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، المحامية راضية الجربي، تؤكّد أنّ "نساء كثيرات لا يبلّغن عن التحرّش"، مضيفة أنّ "موضوع التحرّش كان من المواضيع المسكوت عنها. وعلى الرغم من أنّ القانون الصادر في عام 2004 نصّ على جريمة التحرّش الجنسي، فإنّه لم يساهم في الحدّ من ذلك". وتتابع الجربي أنّ "النص القانوني لم يكن بالفاعلية التي تريدها المرأة ومناهضو التحرّش، لأنّه لا ييسّر عملية الإثبات ويمثّل عائقاً أمام الضحية. عند عدم إثبات الادعاء، يحقّ للمُشتكى منه أن يطالب المرأة المشتكية بتعويضات".
وترى الجربي أنّ "جرائم العنف في تونس ارتفعت في الأعوام الأخيرة، وقد أخذ بعضها منحى خطيراً خصوصاً في ما يتعلق بالجرائم الجنسية، نظراً إلى صمت النساء من جهة وشعور المتحرّشين بقدرتهم على الإفلات من العقاب من جهة أخرى". وتوضح أنّه "مع صدور القانون الجديد لمكافحة العنف ضد النساء الذي يدخل حيز التنفيذ ابتداءً من فبراير/ شباط 2018 فإنّ العقاب سوف يشدّد وتسهّل عملية إثبات التحرّش، خصوصاً أنّ الشاهد غير مطالب بالكشف عن هويّته".
من جهتها، ترى المتخصصة الاجتماعية، حدّي حرشاني، أنّ "التحرّش الجنسي في وسائل النقل العمومية يعود إلى خلل في المنظومة القيميّة وإلى هيمنة الثقافة الاستهلاكية التي تجعل من المرأة جسداً لإشباع الشهوات الغريزية". تضيف أنّ "وراء هذه الممارسات خللاً في المنظومة التربوية التي لا توعّي الناشئة حول قيمة المرأة في المجتمع". وتأمل "تأمين عدد أكبر من وسائل النقل ونصب كاميرات مراقبة في المحطات وفي الوسائل نفسها، بالإضافة إلى الحدّ من الاكتظاظ لمنع مثل هذه التجاوزات".