القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

 دفع ارتفاع معدلات زواج القاصرات داخل المجتمع المصري المخالفة للقانون، إلى تعالي أصوات تطالب برقمنة جميع إجراءات الزواج، لتكبيل أيدي المأذونين الذين دأب بعضهم على إدخال بيانات مزوّرة لسن الفتيات للتحايل على القانون الذي يشترط عدم زواج من هن دون سن الثامنة عشرة.
نجحت فكرة رقمنة الزواج، أو ما يُعرف بـ”المأذون الإلكتروني” في البعض من الدول العربية، مثل السعودية والإمارات، وحالت دون التلاعب في بيانات الزوج أو الزوجة.
واجتازت مشروعات الرقمنة عقبة التزوير عن طريق ربط عقود الزواج بقواعد بيانات الحكومة للتأكد من سن المتزوجات، لكن في مصر يُترك الأمر للمأذون الشرعي لتدوين السن بخط يده وبشهادات ميلاد غير موثقة.
وترى منظمات نسائية في مصر أن اعتماد نظام المأذون الإلكتروني، الذي يسجل عقود الزواج من خلال قاعدة بيانات إلكترونية، من شأنه القضاء على ظاهرة زواج القاصرات لأن المأذون لن يكون بوسعه توثيق عقود زواج بشهادات ميلاد مزوّرة، للنأي بنفسه عن التعرض للفصل من الخدمة، وفق تعديلات قانون المأذونين الذي وافقت عليه الحكومة مؤخرًا.
وأبدت وزارة الصحة دعمها الكامل لمشروع قانون يناقش في البرلمان، وينصّ على إلغاء إجراءات الزواج التقليدية وترك الساحة للمأذون ليدوّن ما يشاء ويتلاعب في أعمار الفتيات، على أن تكون جميع الإجراءات بشكل إلكتروني من خلال ما يُعرف بـ”المأذون المرقمن”، أي رقمنة عقود الزواج.
وقال البرلماني محمد فؤاد، صاحب مشروع القانون إن اعتماد رقمنة الزواج في مصر تقضي على كل أشكال الزواج المبكر في ظل وجود أطفال في سن الثانية عشرة لديهم أبناء بالمخالفة للقوانين الدولية والمصرية.
وأوضح أن المأذون لن يتمكن من التلاعب في أي بيانات، ودون اللجوء إلى قاعدة البيانات الحكومية من خلال الرقم القومي للزوج والزوجة، لن يتم كتابة عقد الزواج أو توثيقه والاعتراف به من جانب الدولة.
وتهدف رقمنة الزواج أيضًا إلى الكشف عن السلوكيات المحرمة مثل أن يكون للزوج أربع زوجات على ذمته ويرغب في الزواج بزوجة خامسة بالمخالفة للشرع والقانون، أو المرأة التي تتزوج وهي على ذمة زوج آخر.
يُنظر إلى المأذون الشرعي في مصر من جانب الحكومة والبرلمان والمنظمات الحقوقية، أنه المعادلة الأهم في الزواج المبكر وتحوّل الطفلة إلى أم في سن صغيرة، ويتحايل بعضهم على القانون بكتابة ثلاث نسخ زواج عرفي تسلم واحدة لكل من العائلتين كإثبات زيجة، والثالثة مع المأذون نظير مبلغ مالي يتحصل عليه من أسرة العريس.
ولا يتم تسجيل المأذون للزواج رسميا قبل بلوغ السن القانونية للفتاة، بالتراضي بين العائلتين، أي أنها تتزوج عرفيّا، ولكن بشكل مشهّر، ولضمان حقوق الفتاة.
ويقوم المأذون بإجبار الشاب ووالده على التوقيع على شيك بنكي بمبلغ مالي كبير يسلم إلى والد العروس كضمانة لعدم هروبه أو تنصله من الزواج بها، أو عدم الاعتراف بالأبناء.
ميزة رقمنة الزواج أنه يوفّر قاعدة بيانات عريضة عن الحالة الشخصية للمقبلين على الزواج عند إتمام العقد منعا للغش والتدليس، وأصبح من السهل تطبيقه في مصر خاصة بعد إلغاء بطاقات الرقم القومي الورقية واعتماد الإلكترونية، لكن تفعيل المشروع بحاجة إلى اعتمادات مالية كبيرة.
ويعكس دعم وزارة الصحة والسكان للمشروع، وهي الجهة الأكثر بحثًا عن حل جذري لظاهرة الزواج المبكر وما يترتب عليه من زيادة سكانية ضخمة وتآكل معدلات التنمية، أن الفكرة في طريقها لأن تنال دعمًا حكوميًا يدفع البرلمان لاعتماد العمل بها قريبًا.
كما أن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أبدت تجاوبًا ملحوظًا مع فكرة “المأذون المرقمن”، وأعلنت أنها سوف توفر لكل مأذون جهازا لوحيا “تابلت” بما يتيح خدمة القارئ الإلكتروني للرقم القومي للمواطنين الستة المشاركين في عقد الزواج، أي الزوج والزوجة والوكيلين والشاهدين، بحيث لا يلجأ المأذون إلى الاستخدام اليدوي في تسجيل الرقم القومي أو التلاعب في السن، لأن تاريخ العقد سيكون بنفس التاريخ الذي سجله النظام الإلكتروني، وليس الذي يسجله المأذون.
وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، انتقد ما أسماه بـ”متاجرة” بعض الأسر بأبنائها وإلقائهم إلى التهلكة بالإصرار على زواجهم مبكرا، وتحايل مأذونين على القانون بتوثيق عقود زواج لمن هم دون سن الثامنة عشرة، وطالب بالبحث عن مخرج عاجل لهذه الأزمة.
ويحظى مشروع قانون رقمنة عقود الزواج بدعم أكثرية نواب البرلمان، لا سيما وأن تطبيق المشروع لا يحتاج سوى أجهزة إلكترونية تسلم إلى المأذونين لتسجيل عقود الزواج من خلالها بشكل آلي، من خلال قراءة بطاقة الهوية، للتأكد من صحة البيانات لكل من العريس والعروس وولي أمر العروس والشهود، لتوافر الشروط القانونية لإتمام العقد.
ويوفر النظام ميزات أخرى، مثل تخزين صور الوثائق والمستندات إلكترونيا، لسهولة الاسترجاع في ما بعد من عقود زواج أو طلاق، ويضمن النظام سير الإجراءات بشكل بسيط، وبعد إدخال البيانات من جانب المأذون تصل إلى وزارة العدل مباشرة لتوافق أو ترفض التوثيق إلكترونيا.
وقال جابر طلعت، وهو مأذون شرعي، إن رقمنة الزواج “فكرة جيدة” ويدعمها المأذونون ولا تخالف القانون، وتكشف المندسين على المهنة ويعملون دون تصريح للتربح من عقود الزواج المخالفة للقانون، وهؤلاء من يزوّرون البيانات ويمثّلون السبب الرئيسي لظاهرة زواج القاصرات، وفي الغالب يكونون تابعين لمأذونين شرعيين.
وأضاف أن نجاح المشروع في دول عربية يعزّز تطبيقه في مصر لأن الحكومة تبحث عن مخرج لحل إشكالية التلاعب في عقود الزواج، مشيرا إلى أن تفعيل المشروع يقضي بشكل نهائي على المتاجرة بالفتيات وتزويجهن لأن التطبيق الإلكتروني سوف يرفض إدخال بيانات زواج لأي شخص اقل من 18 سنة، لافتًا إلى نسب الطلاق بين المتزوجات أقل من 18 عامًا كبيرة ومرعبة.