حاورتها: نورة البدوي - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

هي المخرجة والمبدعة التونسية سلمى بكار. عرفت بإنتاجاتها السينمائية والتلفزية وبأفلامها الحاملة لقضايا المرأة والمجتمع التونسي، كـ"فاطمة75  و"خشخاش" و"رقصة النار". اعتمدت في طرحها النقدي والفني على صورة الذاكرة الجماعية المرتبطة بشكل مباشر بمراحل تاريخية مرت بها البلاد التونسية وكان لها انعكاساتها  على بلورة حضور المرأة في المجتمع.
بعد الثورة التونسية قررت المخرجة السينمائية سلمى بكار ان تخوض تجربتها السياسية بانخراطها في حزب سياسي وفوزها بمقعد في المجلس التأسيسي لتكون بذلك مواكبة لأحداث سياسية لعل أبرزها مشاركتها في صياغة دستور البلاد. في سنة2014  تقرر بكار العودة إلى مجال السينما بإعادة كتابة فيلم "الجايدة" والمتمحور حول صورة المرأة التونسية قبل الاستقلال وارتكاز الأحكام الصادرة في حقها على الشريعة وما تتعرض إليه من مظالم بسبب هذه القوانين... وبين تجربتها الفنية والسياسية يحضر هذا المزيج لإخراج هذه اللوحة الفنية لفيلم الجايدة الذي كان محور لقاء " وكالة أخبار المرأة " مع سلمى بكار للحديث عنه أكثر. 
* هل كانت فكرة فيلم "الجايدة" من منظور سلمى بكار السياسيّة أم سلمى بكار المخرجة السينمائيّة؟
- إن فكرة "الجايدة" راودتني بعد فيلم خشخاش 2006، وبدأت كتابة السيناريو سنة 2007. نستطيع القول أن فكرة فيلم "الجايدة" تبلورت أولا في فكر سلمى بكار المخرجة، ثم بصراحة اكتشفت نفسي ونظرت بعمق أكثر إلى قاع روح سلمى بكار فوجدت أني أمارس السياسة منذ زمن وأنا غير متفطنة إلى ذلك. و تساءلت ما معنى أن يمارس إنسان العمل السياسي؟ و كانت إجابتي: هو أن يبدي آرائه ومبادئه وأفكاره وكل الأشياء التي يؤمن بها بوسيلة معينة، فالسياسي يعتمد على فنون الأداء والخطاب، وفي السينما أنا أعتمد على الصورة والصوت. كتبت قصة "الجايدة" الأولى وحدي ثم قمت بإعادة الكتابة والحوار مع الممثلة وجيهة الجندوبي وقدمناه للحصول على الدعم مرتين فرفض، ولكن تمت الموافقة في المرة الثالثة بمنحي الدعم في ديسمبر 2010، ثم جاءت الثورة.
بعد الثورة انضممت إلى  حزب سياسي و شعرت بالخوف على بلادي وكنت كل يوم أشاهد أشياء تزيد من شعوري بالخوف على وطني، أتذكر أني توجهت إلى الجنوب إبان الثورة الليبية، حيث أقاموا مخيمات للاجئين، فطلب مني القائمون على المخيمات أن أساهم مساهمة فنية فأنجزت خيمة سميتها الخيمة الثقافية، في هذه المخيمات كان يوجد ما يسمى برابطات حماية الثورة هددوني وقالوا لي  أنّهؤلاء اللاجئين ليسوا في حاجة إلى فن فهم موجودون هنا كي يأكلوا ويشربوا ويصلوا.
من هنا بدأ صراع بيني وبينهم، عندئذ توجهت إلى تونس ونظمت قافلة بها مجموعة من الإعلاميين والممثلات، جميلة الشيحي، نعيمة الجاني، وجيهة الجندوبي، و عدت إلى الجنوب، إلى هذا المكان التي أهينت فيه الممثلة التونسية من قبل رابطات حماية الثورة لأنهم قالوا "إن أي امرأة ممثلة يجب التشكيك في سيرتها". قمنا بنقاش مع هؤلاء المشككين ودام ثمان ساعات، وكان نقاشا حضاريا، غيروا نظرتهم ورأيهم فينا وخرج متحدث باسمهم ليؤكد أن "الفن والفنانات هم الوجه المثالي والحلو للمجتمع التونسي".
من جهة أخرى بدأت تتجلى البوادر الأولى لظاهرة السلفيين وأمير المؤمنين و محاولة الاعتداء على الفنانين ومنهم الممثلة ليلى الشابي عندما حاولوا الاعتداء عليها برفقتي. وعندما عدت إلى تونس وتحدثت في إحدى القنوات التلفزية عن ظاهرة أمير المؤمنين والسلفيين بحضور الشيخ مورو القيادي بحركة النهضة، أكد حينها أنه لا وجود لهذه الحكاية، بعد شهر من هذا اللقاء تم تأكيد وجود إمارة في سجنان إلى أن أصبح وجودهم حقيقة بيننا وصاروا يوجهون أبنائنا إلى سوريا.
مع كل هذه الأحداث أيقنت أن دائرة النضال يجب أن تتجاوز حدود رؤيتي السينمائيّة فانخرطت في إطار حزب سياسي"حركة التجديد" الذي أشترك معه في الأفكار والمبادئ التي طالما دافعت عنها. ترشحت عن دائرة بن عروس ونجحت في الحملة الانتخابية التي قمت بها صحبة الكاميرا، من هنا انغمست في العمل السياسي وتركت "الجايدة " جانبا.
سنة 2014 لم ننجح في الحملة الانتخابيّة فقررت العودة إلى السينما، من خلال شريط" الجايدة"، قرأت السيناريو فوجدت نفسي في مسافة، وهنا لا أقصد مسافة بيني وبين القصة وإنما مسافة بيني وبين الموضوع. وهنا أقصد أن موضوع "الجايدة" أخذني في مرحلة أولى إلى رجوع بورقيبة والاستقلال وصدور مجلة الأحوال الشخصية، أردت أن أبيّن قيمتها القانونية في حماية المرأة التونسية مقارنة بالبلدان العربية الأخرى.
من خلال تجربتي السياسية أصبحت سلمى بكار جديدة، امرأة انخرطت في العمل السياسي وعاشت وقائع وحقائق واغتصابات سياسية، قاتل و مقتول واعتصام الرحيل، كل هذا جعلني أضيف فكرة دستور مدني مع الإصرار على عدم العودة إلى الشريعة. عندها قررت أن أقوم بإعادة كتابة للفيلم التي توصلني إلى سنة 2012، إضافة إلى البحث في الذاكرة الجماعية على دار جواد تساءلت عن طريقة إصدار الأحكام على النساء قبل الاستقلال، بحثت مع صديقة تدرس حقوق عن كيفية اعتماد القضاء تلك الفترة على قوانين مرجعيتها دينية، مدى تأثير المذاهب الموجودة في تونس على الأحكام من الناحية القانونية التي كانت تسلط على المرأة كي توضع في دار جواد. كل هذا البحث سعيا إلى تجسيد أربع لقطات مع القاضي وكان فيها الكثير من الخيال أيضا، أعلم أن المحاكم الشرعية التي كانت في تونس كان بها قضاة مالكيين وقضاة حنفيين، أنا جمعتهم الإثنين في منصة حكم واحدة. أردت من خلال المحاكم أن أتوجه برسالة نقدية إلى وضع الحكم والمحاكم اليوم فهم في قاموس البيع و الشراء أيضا، فالتاريخ يعيد نفسه بطرق مختلفة سواء كان الفكر تقدميا أو رجعيا أو مرتشيا، فالإنسان هو الإنسان.
من خلال كل هذا أقول أن فكرة الفيلم تتنزل في سياق الذاكرة الجماعية التي قفلتها سلمى بكار كمواطنة خاضت تجربة سياسية.
* بين الإبداع و السياسة تحضر الحركات الرمزية لخطوات النسوة: لماذا هذه الحركة؟
- فعلا هي خطوات رمزية، لاحظي معي خطوات النسوة كانت خفيفة من دون ضجة و دون ثقة في النفس و هي ترجمة لوضعيتهن الهشة في فترة ما قبل الاستقلال.
من الناحية الدرامية أيضا خلقت الطفلة الصغيرة سلمى وأعطيتها دور شاهد عيان عن وضعية والدتها والنسوة اللواتي معها في دار جواد، هي تزور أمها ولا تقول شيئا ولكن تسجل في ذاكرتها. تسمع كلمات أو ربما هي نصائح من أمها عندما قرر والدها أخذها للدراسة في مبيت "يعيّش بنتي أقرا قرايتك هي اللي باش توصلك وتولي مرا حرة تنجم تقول لا لكل حاجة ما تساعدكش".
بعد 55 سنة نجد تلك الطفلة امرأة بالمجلس التأسيسي بخطوات لها صدى، خطوات ثابتة وهي دليل على تغير وضعية المرأة التونسية، فالتاريخ جعلها تتغير، دورها أصبح أكثر أهمية خارج الوسط العائلي، ولذلك وجدنا سلمى تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تزور أمها في دار جواد تلقي خطابا تطالب بدولة مدنيّة "ما نحبوش الكذب والترهدين والناس التي تنادي باحترام الأخر ، و هوما يقصو في اليدين و الساقين، تنادي للمساواة و امبعد تقول ختان بنات".
* وجدنا سلمى بكار تخوض ثنائيات الكتابة لأفلامها، ما الغاية من هذا؟
- تولد الأفكار دائما عندي أنا، أما تجربة الكتابة فكلها ثنائيات، أعتبر أن هذه الثنائيات في الكتابة مثل إنسان ينظر في المرآة كي ينظر إلى وجهه، يريد أن يشاهد إنسانا آخر ويقرأ في نظرة الآخر، يقيم نفسه في الطريق الصحيح أو لا.
في شريط "فاطمة 75" عملت مع المرحوم "سمير العيادي" الذي فقدته كثيرا، في شريط "خشخاش" أردت التعامل معه أيضا فنصحني بالعمل مع "عروسية نالوتي"، و بصراحة كان سمير مرجعا بالنسبة إلي أنا و عروسية. وفي فيلم "الجايدة" خضت تجربة الكتابة مع الممثلة وجيهة الجندوبي، فأنا دائما كما قلت أريد أن أقيم طريقي من خلال المرآة التي تحدثنا عنها.
* ما سر وجود شخصيّة "عزيزة" في فيلم الجايدة، هذه الشخصية وجدناها في شريط "حبيبة مسيكة" و "خشخاش"؟
- بالنسبة إلى فيلم "الجايدة" في الكتابة الأولى له، طلبت من سمير العيّادي أن يقرأه و يعطيني رأيه، لأنه كان يفهم عالمي أكثر مني، بعد القراءة سألني أين عمتي عزيزة؟ أجبته: يا سمير عمتي عزيزة وضعتها في فيلم حبيبة مسيكة وخشخاش. فقال لي: ألست مدركة أن عمتي عزيزة في كل الأفلام هي سلمى بكار، هي نظرتك أنت، المرأة البورجوازية وعندما ننظر إليها نجدها هذا المزيج للإنسان المحافظ على العادات والتقاليد وفي فكره نفس شبابي.
ولو تلاحظين معي، ستجدين أن الممثلة سامية رحيم لعبت دور "عزيزة" في الأفلام الثلاثة وربما هي شاهد عيان من نوع آخر،وإن كانت أدوارها مختلفة في الأفلام ولكن الشخصية هي ذاتها وفي النهاية تشبهني فهي تدعم كل ما هو شبابي وكل ما يدور في فلك الحب.


* في نهاية الفيلم وجدنا شخصية الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، هل هو اعتراف ضمني أنه كان بمثابة الخلاص للمرأة التونسية؟
- سأعود بك إلى فيلم "فاطمة75 " والذي كان بالنسبة إلى العديد من السياسيين شريطا معارضا لبورقيبة أردت من خلاله أن أبرز ان مجلة الأحوال الشخصية كانت نتيجة لتراكم أفكار متعددة وليست مقتصرة على الفكر البورقيبي فقط. ولكن اليوم لا أنكر أني أحمل الفكر البورقيبي داخلي، أنا اليوم أعلن أن بورقيبة زرع قيما ومبادئ توارثتها الأجيال، الجيل الذي رفض الشريعة في الدستور هو حامل  للفكر البورقيبي، فهو هيأ الأرضية لكل هذا.
ولذلك كانت آخر جملة في الفيلم "ويتواصل النضال"، نضال المرأة التونسية كي لا تكون ورقة رابحة في يد الأحزاب السياسية التي تريد أن تتاجر بها، نضالها لإبراز إبداعها في شتى المجالات، نضالها في أن تكون دائما حاملة لمشعل الحرية ومبادئ الدولة المدنية.