القاهرة - أميرة فكري -" وكالة أخبار المرأة "

وافق مجلس النواب المصري الأحد الماضي على التعديلات التي أضافتها الحكومة على قانون المواريث، بأن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه (1135 دولارا)، ولا تتجاوز 100 ألف جنيه (نحو 6 آلاف دولار)، أو بإحدى العقوبتين، كل من امتنع عمدا تسليم الوريث نصيبه الشرعي أو حجب سندا يؤكد نصيبا للوارث، وترتفع عقوبة الحبس إلى سنة في حال تكرار الفعل.
جاء التحرك المصري وإقرار عقوبة من هذا النوع لأول مرة منذ صدور قانون المواريث عام 1943، بعد أيام قليلة من مطالبة الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال منتدى الشباب بشرم السيخ الأخير، بسرعة وضع حد لمسألة عدم تسليم النساء لميراثهن، واصفا ما يحدث في بعض القرى من حرمانهن من الميراث بـ”الوضع القاسي”.
ويرى حقوقيون أن المصادقة على سن عقوبة للامتناع عن تسليم الميراث، قد لا يجدي نفعا إذا لم يقابلها حراك ديني وثقافي وتوعوي، لتغيير العادات والتقاليد التي تتعامل مع مطالبة المرأة بإرثها الشرعي على أنه من الأمور المعيبة، وأن منحها حقها أو حجبه يرتبط بمدى قناعة أسرتها بذلك، بغض النظر عن كون ذلك شرعيا أم لا.
لا يرتبط الحرمان من الميراث في مصر بمنطقة بعينها، وتنتشر هذه الثقافة في جنوب مصر وشمالها، لكنه يأخذ أكثر من طابع حسب العرف المتبع، فهناك حرمان كامل تبرره فئة بأن تسليم الميراث للفتاة يفقد العائلة جزءا من وجاهتها الاجتماعية باعتبار أن ملكية الأراضي والعقارات الكثيرة، أحد أهم معايير التعبير عن الثروة والمكانة الاجتماعية المرموقة للعائلات في الصعيد والوجه البحري
ويقول شعبان عيد، وهو حارس عقار بحي عين شمس بالقاهرة، وموطنه الأصلي محافظة أسيوط (جنوب)، إنه لم يسمع عن أي عقوبة تختص بالحرمان من الميراث، ومهما كانت العقوبة غليظة، فهي لن تغيّر من الأعراف لأن توزيع الميراث في بعض قرى الصعيد لا يعترف بالقانون أو الشرع وهو متروك للأهواء الشخصية.
وأضاف، أن هناك عائلات قد تقطع علاقتها بابنتها إذا طالبت بهذا الحق، كما أنه من المستبعد أن تحبس الفتاة شقيقها لأنه حرمها من الميراث، لكن الأمر يأخذ أكثر من طريقة، إذ تتعامل الكثير من العائلات بأسلوب “الرضوى”، بمعنى ترضية الفتاة بمبلغ مادي نظير ميراثها، وبالتأكيد لا تكون قيمة “الرضوى” مساوية لثمن العقار.
أما الحرمان الكامل من الميراث في بعض القرى، فيكون إذا تزوجت الفتاة خارج العائلة، وهنا ترفض أسرتها تسليمها حقها باعتبار أن ما ترثه سيذهب إلى عائلة أخرى، وأحيانا تتم الموافقة على زواجها من شخص غريب شريطة إقرارها بالتنازل عن الميراث.
ثمة اختلاف جوهري في طريقة الحرمان من الميراث بين محافظات مصر، إذ تقول سماح سويف، التي تقيم بإحدى قرى محافظة البحيرة (شمال مصر)، إنها أُجبرت من أشقائها الذكور على بيع ميراثها لهم بسعر أقل لأنهم أبلغوها بأن أرض العائلة لن تُستقطع لتذهب إلى زوجها.
وأوضحت، أن تسلم الميراث عنوة عن طريق المحكمة يعني مقاطعة العائلة لابنتها التي تطالب بميراثها، وهو ما يتنافى مع العادات والتقاليد، لذلك فأكثر النساء يقبلن بالقليل حفاظا على صلة الرحم، ولجوء بعضهن إلى القضاء يعتمد على الجرأة والشجاعة والعلم بالقانون والتضحية بالعلاقات مع أسرتها.
ظاهرة امتناع بعض العائلات عن تسليم الميراث للمرأة، قد لا تكون مرتبطة بالمستوى التعليمي للأسرة، حيث توصل مسؤولون في برنامج تنمية المرأة بهيئة كير الدولية، إلى أن أكثر المحرومات في صعيد مصر من ميراثهن، طبيبات وأساتذة جامعات من عائلات لها تاريخ تعليمي وثقافي، وأنه في محافظات مثل المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا (جنوب مصر) وصلت نسبة الحرمان من الميراث إلى 90 بالمئة. وطبقا لدراسة حديثة أعدتها الهيئة بالتعاون مع مركز قضايا المرأة المصرية، فإن 84 بالمئة من الرجال بمحافظة أسيوط رفضوا حق المرأة في الميراث، بينما لا يؤيد 88 بالمئة منهم أن يؤول ميراث الأرض إلى النساء.
وقالت آمنة نصير، عضو بالبرلمان المصري ونشأت في محافظة أسيوط، إن “المرأة عندنا إذا طالبت بحقها في الميراث مثلما حدد الشرع، قد تعاقب وكأنها أجرمت، لأنها تخالف بذلك الأعراف والتقاليد، وهذه النوعية من العائلات لا تعترف بقانون يذكر، والغريب أنهم متدينون بشدة، ويقدسون العبادة، لكن مسألة الميراث عندهم خط أحمر لا يمكن تجاوزه”.
ورأت نصير، وهي أستاذة شريعة بجامعة الأزهر، أن الحديث عن تطبيق عقوبات لرافضي تسليم الميراث للمرأة، يمكن اعتباره تحصيل حاصل برغم أهميته الاجتماعية، لأنه من النادر لجوء امرأة إلى القضاء كي تشتكي إخوتها، لأنها تضحي بالميراث للحفاظ على صلة الرحم، وتقبل بـ”الرضوى” كتعويض عن حقها الشرعي، وتقر بأنها حصلت على ميراثها كاملا.
والقانون في مثل هذه الحالة لا يفيد المرأة، ولا بديل عن تدخل كل المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية لتغيير هذه العادات، وتكون المرأة التي تعيش وسط مجتمع تحكمه الأعراف والتقاليد والموروثات القديمة، بين نارين؛ إما اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقها ما قد يدفع عائلتها إلى مقاطعتها وتعيش وحيدة، وإما تصمت وترضى بمبلغ مالي يدفع لها كتعويض عن حقها الشرعي.
وهناك من 8 إلى 14 ألف جريمة جنائية كجرائم قتل وثأر تحدث سنويا بسبب الميراث، وتصل إلى المحاكم 144 ألف قضية نزاع على ميراث يتم نظرها أمام القضاء كل عام، حسب دراسة قضائية أعدتها وزارة العدل المصرية قبل عامين، تطرقت أيضا إلى أن 95 بالمئة من النساء محرومات من الميراث في صعيد مصر.
وأكدت بعض الإحصائيات تعرض 35 بالمئة من السيدات اللائي حرمن من ميراثهن للإيذاء جسديا و15 بالمئة للابتزاز المادي وهناك 50 بالمئة يتنازلن عن حقوقهن بسبب الابتزاز المعنوي والخوف من الخلافات الأسرية، وغضب الأهل وقطع صلة الرحم.
وأكد محمد حافظ، وهو محام متخصص في قضايا الأحوال الشخصية بينها الميراث، في تصريحات صحفية أن الحل يكمن في إنشاء هيئات قضائية مستقلة تتبع محاكم الأسرة تكون مهمتها حصر الميراث وفق الوثائق الرسمية المثبتة بالمؤسسات الحكومية، ثم تقوم بتوزيعه على الورثة طبقا للأنصبة الشرعية بحيث تُسلب سلطة توزيع الميراث من الذكور والعائلة برمتها، حتى يتم النأي بالنساء من الدخول في مواجهة مباشرة مع عائلاتهن وإنقاذهن من الرضوخ لعادات وتقاليد تتحدى قوة القانون.