شيرين الديداموني - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

قدم مؤخرا زيدان القنائي المتحدث باسم منظمة العدل والتنمية لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (منظمة حقوقية غير حكومية)، للحكومة اقتراحا مثيرا يرمي إلى إصدار “رخصة” تحدد معدل إنجاب كل أسرة في مصر.
جاء ذلك بعد مرور نحو شهر من إعلان الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (جهة حكومية) وصول التعداد السكاني في مصر إلى 104.2 مليون نسمة، واستقبال البلاد مولودا جديدا كل 15 ثانية.
وشدد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على ضرورة وضع حلول عملية لمواجهة الزيادة السكانية المتفاقمة في البلاد والتي تلتهم جهوده التنموية، وجعلت مصر في المركز الثالث عشر عالميا في تعداد السكان.
وأشار المقترح إلى منح الزوجين رخصة بعد الزواج مباشرة مدتها 5 سنوات لإنجاب طفل واحد، وتجدد بعد انتهائها لإنجاب طفل آخر، على أن يكون لدى الأسرة طفلان فقط على مدار عشر سنوات.
وربط القنائي مقترحه للحكومة والبرلمان بفرض عقوبات على المخالفين ودفع غرامات مالية حال إنجاب أكثر من طفل خلال الرخصة الأولى وحرمان الأسرة من إصدار رخصة ثانية، وعند إنجاب أكثر من طفلين يحرم الطفل الثالث من الدعم والتموين ومجانية التعليم.
وتزامن المقترح مع اجتهاد مماثل قدمه أحمد عماد وزير الصحة المصري مع بدء تنفيذ الخطة الإستراتيجية القومية للسكان، بعنوان “تنمية مصر.. طفلان وبس”، وإطلاق غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي حملة تحت شعار “كفاية 2”، في إشارة إلى طفلين فقط، من أجل توعية المصريين بأضرار الإنجاب الكثير على الدولة وما تقدمه من خدمات لهم، وقالت والي «لا نحتاج إلى قوانين صعبة التطبيق لأنه شيء غير عملي والمصريون سيتحايلون عليها». وأضافت أن هناك أكثر من مليون ونصف مليون سيدة أعمارهن أقل من 35 عاما ولديهن من طفل إلى 3 أطفال، وفي المقابل نجد سيدات الصعيد في نفس السن لديهن 11 طفلا.
وأوضحت قائلة “سنحاول محاصرة السيدات بالحقائق والتوعية، وتدريب رجال الدين للمساهمة في نشر التوعية ضد الإنجاب الكثير»، مشيرة إلى أن هناك ممارسات عرفية في الصعيد والريف أقوى من القانون.
لكن ما طرحه القنائي كان مصحوبا بعقوبات محددة، وهو ما أثار استهجان الشارع المصري، فالمواطنون يعرفون رخصة البناء لتحديد عدد طوابق المنزل، ورخصة السيارة ورخصة القيادة ويتم تجديدهما على فترات وسحبهما عند حدوث مخالفات.
ومع أن مقترح القنائي يعبر عن عمق أزمة زيادة السكان في مصر، غير أن كثيرين استقبلوه بسخرية، وقالوا “إذا أردنا استخراج الرخصة هل سنذهب لمدرسة المرور أولا، وفي حالة الرسوب هل ستكون الإعادة بعد تسعة أشهر؟ وهل توقفنا لجان للاطلاع على رخصة الإنجاب، وإذا كانت منتهية المدة هل يتم التحفظ على الزوجة والأولاد؟”.
محمود علي، موظف بالحكومة، قال إنه تزوج وهو في عمر 45 عاما، فهل ينتظر خمس سنوات كي ينجب الطفل الثاني؟ هذا إذا وفق في إنجاب الطفل الأول في السنة الأولى، كما أن عملية تنظيم النسل بحاجة إلى مصروفات مادية لضبطها، وماذا لو أخطأت زوجته وأنجبت طفلا ثانيا؟ فهي تحتاج لعملية إجهاض وهو ما يتعارض مع الشرع.
واستقبل مجلس النواب المصري، المنوط به التشريع، المقترح ببرود، ولم يدرج حتى الآن ضمن جدول أعماله لأنه بحاجة لدراسة مستفيضة لتقنينه بما يتناسب مع الواقع المصري.
ورأى البعض من النواب أن فرض عقوبات “لا يمكن أن يغير الثقافات، وإصدار تشريع لتحقيق ضبط التعداد السكاني يجب أن يلتزم بتعاليم الشرع والتقاليد ويراعي الفكر المتجمد لبعض المؤسسات الدينية، خاصة أن دار الإفتاء لديها موقف ثابت من هذه القضية بأن تحديد النسل أصلا حرام”.
وقال محمـد عبدالغني عضو البرلمان “من الصعوبة مناقشة الفكرة بمضمونها الظاهر، لأنها تحدث جدلا ونقاشات وحوارات لا مجال لتطبيقها عمليا”.
وأكد على  ضرورة تحفيز المواطنين على عدم الإنجاب عبر وضع مزايا لكل من يكتفي بإنجاب طفلين فقط، مثل المزيد من الدعم المادي والحصول على ضمان اجتماعي مناسب ورعاية صحية فائقة، وسحب الحوافز إذا أنجب الطفل الثالث.
ولفت البعض من المراقبين إلى أن اقتراح تقنين إجراءات الإنجاب ليس بدعة مستحدثة، فهذه المشكلة واجهتها دول كثيرة، وتم وضع ضوابط حاسمة لها في الصين.
ويتشابه مقترح “رخصة الإنجاب” مع سياسة “الطفل الواحد” التي تبنتها الصين في الفترة من عام 1978 وحتى عام 2015، وانتهجت سياسة صارمة تلزم المواطنين بطفل واحد للأسرة، وإجبار المخالفين على دفع غرامة مالية وحرمان المولود الثاني من الامتيازات التي تمنحها الدولة للطفل الأول.
ورغم نجاح السياسة الصينية في تخفيض معدلات المواليد، إلا أنها اضطرت إلى إلغائها بعد أن أصيب المجتمع بالشيخوخة وزادت حالات الإجهاض القسري وتم وأد بعض الإناث أو عدم تسجيلهن لدى الجهات الرسمية.
وحذر البعض من الأطباء في مصر من أن التفكير في إصدار قانون برخصة للإنجاب، قد يؤدي إلى لجوء المواطنين إلى حيل من نوعية تناول أدوية منشطة ومحفزة لإنجاب توائم للحصول على أربعة أطفال مثلا بدلا من اثنين في الفترة المقترحة. ونبه هؤلاء إلى احتمال أن تجبر هذه السياسة الآباء والأمهات الذين لا يريدون إجهاض أطفالهم على عدم استخراج شهادة قيد للإناث في القرى النائية أو إرسالهن لبلدان أخرى.
وتوقعوا أن تتغير تلقائيا العقيدة السائدة لدى المصريين بأن الإنجاب يجلب الرزق، وسط المزيد من الأزمات الطاحنة، لأن الطفل يأتي إلى الدنيا ومعه التزامات ومسؤوليات مادية ومعنوية يصعب تحملها.